مروى خليل: الفكاهة سلاح لكسر التابوهات

حوار: Farah Kreidieh

تُعدّ مروى خليل من أبرز الأصوات النسائية المؤثّرة في المنطقة، التي تستطيع ببراعة أن تمزج بين الفنّ والواقع. في هذا الحوار، نتعمّق معها حول مسيرتها الفنّية، وكيف تستخدم الكوميديا لتعكس التحوّلات الكبرى التي تعيشها المرأة العربية اليوم، وكيف يمكن للضحك أن يكون البوابة للحقيقة والحرية.

في عالمنا العربي اليوم، أصبحت الفكاهة لغة للصمود، وطريقة لتحدّي الأعراف والتواصل بصدق. وبصفتك واحدة من أكثر الأصوات تأثيراً في المنطقة، ما الذي تجدينه حقاً مضحكاً؟

أنا أحبّ الفكاهة لأنها سلاح، طريقة للابتعاد عن حياتنا، لكنّها أيضاً أداة للجذب تساعدنا على كسب الجمهور حتى نتمكّن من إيصال رسائل أعمق وأكثر تأثيراً.

المسرح، خاصة في منطقتنا، هو أحد آخر الأماكن التي يمكننا أن نقول فيها الحقيقة. فتميل مجتمعاتنا إلى دفن الصدمات كآلية للاستمرار. بعد عرض مسرحيتنا، كان الناس يقولون لنا غالباً: "لقد جعلتمونا نعيش من جديد كلّ ما مررنا به." لم نرد أن نفعل ذلك بأسلوب درامي؛ بل من خلال الضحك، قدناهم إلى الإحساس. للمرة الأولى، لا أقدّم عملاً مخصّصاً للنساء تحديداً – سأعود إلى ذلك يوماً ما – لكنّني أعتقد أن الكثير من النساء ما زلنَ يخفنَ من تحقيق كامل إمكاناتهنّ أو كسر التابوهات. يمكن أن تكون مجتمعاتنا قاسية عندما تكون النساء متحرّرات جداً؛ وغالباً ما يكون الثمن باهظاً. لذا يخترنَ البقاء داخل القالب الاجتماعي. نعم، لا تزال الكثير من النساء يخشينَ التحدث عن رغباتهنّ الحقيقية.

اقرئي ايضًا:"مها الشامسي: "رمز الإلهام والاعتزاز في اليوم الوطني الإماراتي

غالباً ما يُتوقّع من المرأة العصرية أن تجمع كل الصفات في آن واحد: طموحة، أنيقة، وقوية. من خلال الكوميديا التي تقدّمينها، أنت تكشفين عن الجمال الكامن في عدم الكمال. كيف شكّل الضحك فهمك الخاص للقوّة والتأثّر؟

تواجه النساء ضغطاً كبيراً. فيُتوقّع منّا التفوّق في الأنوثة والأمومة والاستقلالية والعمل – كل ذلك في الوقت نفسه. نحن نوازن بين مهام متعدّدة كل يوم. لكنّ الفكاهة تنتصر دائماً في النهاية. إنها تخفّف التوتّر، وتكسر التابوهات، وتفتح الباب أمام الحقيقة. يقول الناس إنّ الفكاهة تبدأ عندما تنكسر التابوهات – وأنا أوافقهم الرأي. فالفكاهة لديها قوّة. وأنا لطالما أعجبت بالأشخاص المضحكين؛ إنها صفة جذابة جداً لأنها تجمع بين الذكاء، والتأثّر، والتوقيت المناسب، وسرعة البديهة.

لقد علّمني الضحك أن القوة والتأثّر ليسا نقيضين. وتتطلّب الفكاهة وضوحاً – النبرة الصحيحة، واللحظة الصحيحة، والمقدار الصحيح. إنها شكل من أشكال الصفاء الذهني.

 

لقد حوّلت الصراعات اليومية إلى لحظات من الضحك الجماعي. هل تعتقدين أن الفكاهة يمكن أن تكون شكلاً من أشكال التمكين، أو عملاً خفياً وقوياً من أعمال التحدّي والمواجهة؟

قد تبدو مسرحية "طربوش جدي" مجرّد كوميديا بسيطة، لكنّها ليست كذلك. قال لنا الكثيرون: "لقد ضحكنا، ولكن في اليوم التالي، عندما فكّرنا في المسرحية، شعرنا بالحزن." أحبّ أن آخذ المواضيع الدرامية وأضيف إليها الفكاهة. فمزج النغمات ضروري وإلّا سيصبح كلّ شيء أحادي البُعد. أردتُ وشريكي رياض شيرازي أن يكون للعمل طبقات متعدّدة. نعم، أردنا أن يضحك الناس، ولكن أيضاً أن يشعروا ويفكّروا ويواجهوا ما لا يُقال عادةً، وأن يجدوا بعداً شعرياً معيّناً.

الفنّ موجود ليحرّك شيئاً ما بداخلنا، ليوقظ الوعي، ويذكّرنا بالإنسانية، بالمعاناة، وبالجمال. ومن هذا المنطلق، نعم، الفكاهة هي عمل خفيّ من أعمال التحدّي.

 

مثل الموضة أو الفنّ، تعكس الكوميديا طبيعة عصرها. كيف تعتقدين أن عملك يعكس التحوّلات الثقافية التي تحدث بين النساء العربيات اليوم؟

التعبير هو أساس كل شيء – فهو الطريقة التي نميّز بها أنفسنا، ونحرّر أنفسنا، ونؤكّد عالمنا الخاص. وبمجرّد أن نعبّر عن أنفسنا، فإنّنا نؤثر حتماً على الآخرين. كل مشروع أبتكره يحرّرني قليلاً. من خلال الإبداع، أنا أطوي صفحة من حياتي – شخصاً، ذكرى، جرحاً – لأفسح المجال لشيء جديد. فمن خلال التعبير، نقوّي هويتنا، ومن خلال الهوية يمكننا التأثير على الأجيال وتغيير العقليّات.

أعتقد أن عملي يعكس هذه الحركة المستمرّة بين النساء العربيّات: الرغبة في التعبير، وتعريف أنفسهنّ، والتواجد وفقاً لشروطهنّ الخاصة.

أخشى دائماً العودة إلى الواقع بعد عملية إبداعية. ففي الحياة الواقعية، نلعب جميعاً دوراً – نخفي الحقائق، ونحاول التصرف "بشكل لائق"، ونتجنّب المبالغة.

 

في لحظات الصمت، بعيداً عن المسرح والأضواء، ما الذي يلهمك؟ هل هناك كتّاب أو أفلام أو أصوات معيّنة تشبع إبداعك وحسّك بالهدف؟

في تلك اللحظات الهادئة، أبحث عن الأفكار. أستمع إلى قصص الناس؛ أعيش تجارب قد تلهم مشاريع مستقبلية. أشاهد الكثير من الأفلام والمسرحيات لأفهم ما أريد التحدث عنه لاحقاً. أسافر وأقصد مهرجان أفينيون مثلاً، أو أتجوّل بالدراجة في أرجاء باريس من سينما إلى أخرى لاكتشاف أعمال جديدة. وتلهمني أصوات كثيرة مثل Xavier Dolan، وFanny Herrero ككاتبة سيناريو، وJoël Pommerat كمخرج. لدي خلفية ثقافية غربية قويّة، لكنّني أتابع أيضاً الأفلام والمسرحيات العربية عن كثب لأنّني أستطيع أن أتفاعل معها بسهولة أكبر.

 

إذا كان العام 2025 سيشكل فصلاً جديداً للمرأة العربية في مجال الترفيه، فماذا تأملين أن تري: المزيد من التمثيل، المزيد من المخاطرة، أم مجرد مساحة أكبر لتكون على طبيعتها دون خجل؟

إذا كان العام 2025 سيفتح فصلاً جديداً للمرأة العربية في مجال الترفيه، فآمل أن يكون أكثر من مجرد "تمثيل" بسيط. آمل أن أرى حضوراً حقيقياً للمرأة، ليس فقط على الشاشة والمسرح، بل خلف الكواليس، في غرف الكتابة، وعلى مقاعد الإخراج، وفي جميع المساحات التي تشكَّل فيها وجهات النظر. نحن بحاجة إلى نساء يغامرنَ فنّياً، يبتكرنَ أشكالاً جديدة، يحدثنَ تغييرات خفيفة، ويحوّلنَ نقطة الارتكاز. ليس بهدف الصدمة، بل لتوسيع خيالنا الجماعي.

والأهم من كل ذلك، أتمنى أن أرى حرية أكبر في أن يكنّ على طبيعتهنّ، ليس فقط على السطح، بل في الجوهر: حرية التناقض، التأثّر، الجرأة، عدم الكمال، الدعابة، الجدية، والتغيير. حرية العيش دون الاعتذار عمّا يفكّرن به، يشعرنَ به، أو يحلمنَ به.

في النهاية، ما أتمنّاه هو ليس فقط المزيد من النساء، بل المزيد من الحقيقة، المزيد من التعقيد، والمزيد من العمق في الطريقة التي تروي بها المرأة العربية قصصها – ويُسمح لها بروايتها.

اقرئي ايضًاالشيخة بدور بنت سلطان القاسمي سفيرة للنوايا الحسنة للتعليم وثقافة الكتاب

اكتب الكلمات الرئيسية في البحث