صبا عودة: صوتٌ يغيّر قواعد اللعبة

من عالم المصارف في لندن إلى شاشات التلفزيون، اختارت صبا عودة أن تصنع فارقاً حقيقياً،عبر بودكاستها وحواراتها الملهمة، هي تمنح صوتاً قوياً للنساء، وتُساهم في إعادة تعريف مفهوم القيادة النسائية في العالم العربي.

تنقلتِ بسلاسة بين عالمين مليئين بالضغوط، الأول في مجال المال، ثم في الإعلام المرئي. ما الذي دفعكِ إلى ترك قاعات البنوك في لندن من أجل أضواء الإعلام؟

كان الأمر أشبه بتطور طبيعي. بعد مرورنا بأزمتين ماليتين، بات عالم المال أثقل وطأة، ولندن بدت أكثر رمادية، وقتامة — خصوصاً لأم عزباء لديها ابنتان لطالما أحببت القصص، وسرد القصص. كما أنني بطبيعتي "بَنّاءة"، أحب أن أتخيّل طرقاً جديدة لفعل الأشياء بشكل أفضل. وفي ذلك الوقت، لاحظت أن الصحافة المرئية الناطقة بالعربية تفتقر بشدة إلى القصص الاقتصادية وتغطية الأسواق
وعندما سنحت الفرصة، وجدت نفسي منجذبة لفكرة أن أكون رائدة، مؤسِّسة، تسهم في بناء ملامح صحافة الأعمال في العالم العربي وأن أبحث عن الأخبار، وأن أصوغ الحكايات عن الشركات والاقتصادات في منطقة كانت في عام 2002 تعيش حالة من الفورة ومستعدة للنمو والانطلاق.

 يُوصف أسلوبكِ في الحوار غالبًا بأنه "دافئ لكنه حاد". ما السؤال الذي دائماً ما يتبادر إلي ذهنك حين تجلسين أمام رئيس تنفيذي أو وزير أو شخصية مؤثرة؟
كما قلت، أحب القصص. وأحب الشفافية والوعي بالذات. أحب دوماً أن أشجع ضيوفي على الانفتاح، وأن يتحدثوا مع جمهورهم — من خلالي — كما يتحدثون مع أنفسهم. أريد أن أشجع رواد هذه الصناعة على سرد قصص نتعلم منها جميعاً وأن يكونوا قادةً صادقين، لأنه عندما تمنحهم المساحة التي يتحدثون فيها بصراحة عن كيفية وأسباب قيامهم بالأشياء، فهذا يضمن قيادتهم بطريقة منفتحة وصادقة، واضعين جمهورهم وأصحاب المصلحة في مقدمة اهتماماتهم

أطلقتِ بودكاست "تحت الهوا" لتقدمي نوعاً من الحوارات القيادية التي نادراً ما نراها على الشاشات التقليدية. في مشهد إعلامي مكتظ، ما الذي يجعل الحوار فعلاً مميزًا؟
أنتِ محقّة تماماً! المشهد الإعلامي اليوم مكتظ... لكنه يعج بمحتوى مُفبرك. نادرا ما تجدين محتوى أصيلاً، نابعاً من الروح، وصادقاً مع رسالة صاحبه. معظم المحتوى يُصمَّم ليناسب جمهورًا معيّناً، أو ليضرب على وتر معين. يُعدّل هذا المحتوى ويُقتطع ويُختصر ليقدَّم بصورة "مثالية" لا تشوبها شائبة أما في محادثاتي مع القادة، فالأصالة حاضرة بوفرة وهي بمثابة مرآة، كما تعلمين — تماماً كما في حواراتنا اليومية، الناس يستمدون الطاقة من بعضهم البعض أقترب من ضيوفي بتقدير حقيقي لتجاربهم وإنجازاتهم، وفضول صادق يدفعني إلى التعلّم منهم وغالبًا ما أطرح على ضيوفي من أصحاب الإنجازات العالية سؤالاً واحداً "هل شعرت يوماً بمتلازمة الدجّال؟" ولدهشتي، لم يرفض أيٌّ منهم الإجابة حتى الآن بل على العكس، يستمتعون بتلك الفرصة التي تدعوهم إلى التأمّل والتفكّر في رحلتهم، وفي ما حققوه من إنجازات، وفي جوهر شخصيتهم.

لطالما دعمت ماري كلير العربية النساء اللواتي يجمعن بين الحضور والهدف. كيف ترين دوركِ في إعادة تعريف القيادة النسائية العربية اليوم؟
أشعر بالمسؤولية، وأرجو أن أكون قادرة على الإسهام في رسم ملامح جديدة للقيادة النسائية في عالمنا العربي أنا محظوظة بمسيرة مهنية طويلة وحافلة، شملت قيادتي لفريق عمل نسائي بالكامل في شركة صبا للاستشارات التي أسستها قبل 16 عاماً لمساعدة الشركات في تحقيق النمو عبر سرد قصصها، إلى جانب قيادتي لفرق تحرير في غرف أخبار تلفزيونية. أشعر أن ثمة مسؤولية على عاتقي لنقل جزء من معرفتي وخبرتي للجيل المقبل من القيادات النسائية يقولون إن "تنشئة الطفل تحتاج للمجتمع كله"... وأنا أؤمن بأن في بيئة العمل، النموذج القدوة هو العنصر الحاسم لطالما كنت مؤيدة لدور القدوة، وهو ما أُركّز عليه دائماً في برنامجي "حديث مع صبا" على قناة الشرق بلومبرغ. لدينا في العالم العربي الموارد والمواهب، لكن إن لم تتوفّر لنا نماذج إيجابية يُحتذى بها، فلن يتحقق النمو الاقتصادي والاجتماعي بكامل طاقته دوري؟
أنا راوية القصص التي تُخرج تلك النماذج إلى النور، بأصالتها الكاملة وواقعها الحقيقي

من بين جميع الشخصيات التي حاورتها، من هو الضيف الذي فاجأكِ حقًا وما زلتِ تتذكرين كلماته؟
قبل سنوات، وفي بداياتي بالإعلام المرئي، كنت في سفر دائم لحضور مؤتمرات وإجراء مقابلات، كنت أعمل بلا توقف، وأُربّي ابنتيّ في الوقت نفسه. أجريت مقابلة مع هيلاري كلينتون حين كانت وزيرة خارجية الولايات المتحدة. كانت ضمن ما يُعرف بالجولات الصحفية أي أن الصحفيين يدخلون تباعاً لإجراء مقابلة قصيرة لا تتجاوز 15 دقيقة جلست أمامها، ورأيت التعب واضحاً على وجهها. سألتها، بتلقائية شديدة: "هل أكلتِ اليوم؟
كان بإمكاني أن أسألها عن قضايا العالم، لكن تلك اللحظة لم تكن مدفوعة بحسابات مهنية، بل كانت نابعة من ذاتي الحقيقية.
 كنت أريدها أن تشعر بأنها مرئية، بأن هناك من يراها كامرأة قبل أن يراها كمسؤولة.
 ارتخى وجهها للحظة، وابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
أنا لا آكل إلا في السيارة بين المواعيد ليكتسي وجهها مرة أخرى بالقناع الرسمي أتذكر أنني فكّرت بعدها:
 مهما كان الثمن، ومهما كانت الجائزة التي أركض خلفها، لا بد أن ألاحق أيضًا صحتي، وأن أحافظ على روابطي الحقيقية مع العائلة والأصدقاء

مع تزايد أهمية "الصوت الشخصي" كقيمة حقيقية، كيف تساعدين عملاءك في بناء صوت قوي وهادف؟
أبدأ دائماً بجعلهم يدركون من هم حقًا — نقاط القوة والضعف الوعي هو نصف الطريق الخطوة التالية هي صقل تلك السمات المميزة، والعمل على تجاوز أوجه القصور الأمر يُشبه إلى حدٍّ ما جلسات العلاج النفسي — فعندما تُدرك كيف تتصرّف، وتُدرك البيئة المحيطة بك، تبدأ تدريجياً في التحكم بأفعالك وردود فعلك تجاه المؤثرات الخارجية الوعي هو حجر الأساس الأول في بناء الحضور التنفيذي بعد ذلك، نعمل على اكتساب مهارات التواصل، وتعزيز القيادة الفكرية من خلال إنتاج محتوى متنوع يُقدَّم عبر قنوات ومنصّات مختلفة

من خلال سلسلة "المرأة الأسطورة” في بودكاست تحت الهوا، وبتناغم مع رسالة ماري كلير العربية، كيف ترين دور الإعلام في إعادة كتابة السردية الخاصة بالمرأة العربية؟
النساء، بتجاربهن، وخبراتهن، وحضورهن، وصدقهن — هنّ المحتوى مسؤوليتنا هي أن نمنح هؤلاء النساء المساحة والمنصات التي يستحقنها، ليصعدن إليها، ويُضيئن تحت أقوى الأضواء يمكن للإعلام أن يكون قوة دافعة للنساء وحين نروي قصص القيادات النسائية بصدق وإنصاف، نُصبح نحن الداعم الحقيقي للمرأة القائدة الأصيلة والصادقة هناك كمّ هائل من التصوّرات الخاطئة عن النساء العربيات بدءاً بالمستشرقين الذين صورونا كراقصات أو كأجساد خاملة نصف عارية، مستلقيات في أروقة الحريم لكن الواقع مختلف تماماً. في العالم العربي، عدد خريجات الجامعات يفوق عدد الذكور القضية ليست منافسة بين الرجل والمرأة بل الحقيقة أننا، مثلما نحتاج إلى إعادة تصميم بيئة العمل — تلك التي صُمِّمت أصلاً من الرجال وللرجال — لتُناسب حياة المرأة، وجسدها، ومسؤولياتها، فإننا نحتاج كذلك إلى إعادة كتابة قصة المرأة العربية بصفتها مساهمة فعّالة في الاقتصاد والمجتمع.

اقرئي أيضاً: جيهان الشماشرجي:" أميل أكثر إلى الدراما، لما تمنحه من مساحة أوسع للتعبير"

اكتب الكلمات الرئيسية في البحث