في كلّ زمن، هناك نساء لا يكتفينَ بتخطّي الحدود، بل يُعدنَ رسمها. نساء يخترنَ أن يكتبنَ أسماءهنّ في مساحات لم تكُن مخصصة لهنّ تقليديّاً، فيخترقنَ هذه المجالات والمهن ويمضينَ نحوها بعزم، ويشرّعنَ بذلك الأبواب أمام شابّات أخريات ليحذونَ حذوهنّ. هؤلاء النساء غيّرنَ العالم من خلال ثقتهنّ ومبادرتهنّ، فلم يدعنَ أيّ صورة نمطيّة تقف في وجههنّ؛ فلا يرتبط النّجاح والريادة والقيادة بالجندر، بل بعزيمة الإنسان وجرأته واتّساع أحلامه. في هذا التقرير نتعرّف إلى آمنة يوسف العوضي التي حققت حلمها في مجال غير تقليديّ وجعلت من النّجاح أثراً يمتدّ إلى ما هو أبعد من قصتها!

آمنة يوسف العوضي لاعبة المنتخب الوطني الإماراتي، وتحمل الرقم القياسي الوطني لدولة الإمارات. وهي تمثّل اليوم نادي الشارقة الرياضي للمرأة، التابع لمؤسسة الشارقة لرياضة المرأة، وقد شاركت في العديد من البطولات المحليّة والخليجيّة والعربيّة والإقليميّة والدوليّة، وحصلت على 73 ميداليّة بينها 52 ذهبيّة. تعرّفي إليها عن قرب في ما يلي.
في البداية كانت رياضة القوس والسهم مجرّد تجربة بالنسبة لآمنة يوسف العوضي، لكن سرعان ما اكتشفت أنّ هذه الرياضة تمتلك خصوصية مختلفة عن كثير من الرياضات. وتشرح لنا بالقول: “فهي لا تعتمد على القوة البدنية فقط، بل تتطلب تركيزاً عالياً، وثباتاً ذهنياً، وقدرة على التحكّم في التفاصيل الدقيقة تحت الضغط. هذا ما جذبني إليها، ومع مرور الوقت أصبحت شغفاً حقيقياَ.” قبل أن تضيف: “أكثر ما أحبّه في هذه الرياضة أنّها تدفعني إلى تطوير نفسي باستمرار، فكلّ تدريب وكلّ منافسة يمنحانني فرصة للتعلّم وتحسين أدائي، ويجعلان المنافسة الحقيقية مع نفسي قبل أي منافس آخر.”
ما الذي يدفعها دائماً لمواصلة السعي نحو أهدافها، والتطوّر المستمرّ لرفع اسم الوطن عالياً؟ تعتبر اللاعبة الموهوبة أنّ تمثيل دولة الإمارات مسؤولية كبيرة وشرف تعتزّ به في كلّ بطولة تشارك فيها، وهو أكبر دافع للاستمرار في تطوير مستواها والسعي إلى تحقيق نتائج أفضل. وتؤكّد: “وأشعر أنني محظوظة بتمثيل نادي الشارقة الرياضي للمرأة، التابع لمؤسسة الشارقة لرياضة المرأة، والعمل ضمن منظومة احترافية متكاملة لا يقتصر فيها الدعم على التدريب الفنيّ فقط، بل يشمل مختلف الجوانب التي تحتاجها اللاعبة للوصول إلى أعلى المستويات. فمن خلال العمل مع الأجهزة الفنيّة المتخصصة، والاستفادة من المراكز التخصصية في الطب الرياضي، والتغذية الرياضية، والإعداد الذهني، إلى جانب برامج المتابعة وتطوير الأداء، أصبحت كلّ مرحلة من مسيرتي مبنية على أسس علميّة واضحة. هذا التكامل يمنحنا كلاعبات الثقة للتركيز على التطوّر والمنافسة، ويجعل كلّ بطولة فرصة جديدة للتقدّم. لذلك أعتبر أنّ كلّ إنجاز أحققه هو ثمرة عمل جماعي ضمن منظومة تؤمن بإمكانات اللاعبات، وتعمل على إعدادهنّ للمنافسة وتمثيل دولة الإمارات بأفضل صورة ممكنة.”
أثبتت اللاعبات الإماراتيات قدرتهنّ على المنافسة
تعتقد آمنة يوسف العوضي أنّ أهمّ فكرة يجب أن تتغيّر هي أنّ بعض الرياضات لا تناسب المرأة. وتقول: “الواقع يثبت العكس، فالرياضة أصبحت مجالًا تستطيع فيه المرأة أن تحقق الإنجازات في مختلف الألعاب متى توفرت لها الفرصة والبيئة المناسبة.” قبل أن تضيف: “رياضة القوس والسهم خير مثال على ذلك، فهي تعتمد على الدقة والتركيز والانضباط بقدر اعتمادها على المهارة، وقد أثبتت اللاعبات الإماراتيات قدرتهنّ على المنافسة وتحقيق نتائج مميزة على المستويين الإقليمي والدولي.”

وقد سألنا اللاعبة المتميّزة ماذا علّمتها هذه الرحلة عن نفسها وهي لا تزال في عمر 22 عاماً فقط، تجيبنا بالقول: “علّمتني الرياضة أنّ الإنجازات الكبيرة تبدأ بخطوات صغيرة تتكرّر كلّ يوم. كما تعلمت أهمية الانضباط وإدارة الوقت وتحمل المسؤولية، خاصة مع التوفيق بين الدراسة الجامعية والمشاركات الرياضية الدولية. وأدركت أنّ التطوّر الحقيقي لا يأتي من النجاحات فقط، بل من التحديّات أيضاً، لأنّها تمنح الرياضي خبرة أعمق وتدفعه للعودة بصورة أقوى وأكثر نضجاً.” وهي تركّز حاليّاً على الاستعداد للاستحقاقات المقبلة، ومواصلة تمثيل دولة الإمارات في البطولات الدولية بأفضل مستوى ممكن، مع العمل على تحسين التصنيف العالمي وتحقيق نتائج تسهم في تعزيز حضور رياضة القوس والسهم الإماراتية على الساحة الدولية. كما تطمح إلى مواصلة تطوير مستواها والاستفادة من كلّ تجربة تنافسيّة، بما يسهم في تحقيق إنجازات جديدة، ويعكس التطوّر الذي تشهده رياضة المرأة في دولة الإمارات.
وفي الختام سألنا آمنة العوضي، ما الرسالة أو الفكرة الأهمّ التي تتمنّى أن تأخذها فتاة عربيّة من قصتها؟ وتختتم بالقول: “أتمنّى أنّ تؤمن بأنّ طموحها يستحق أن تسعى إليه مهما بدا بعيداً، وأن تدرك أنّ النجاح لا يرتبط بعمر أو بمجال معيّن، بل بالإصرار والاستمراريّة. أنصح كلّ فتاة بأن تتحلّى بالصبر، وأن تمنح نفسها الوقت الكافي للتطوّر، وألاّ تقارن رحلتها برحلة الآخرين. فالإنجازات لا تتحقق في يوم واحد، وإنّما هي نتيجة عمل متواصل وثقة بالنفس، مع الاستفادة من كلّ فرصة للتعلّم والتقدم.”







