في كلّ زمن، هناك نساء لا يكتفينَ بتخطّي الحدود، بل يُعدنَ رسمها. نساء يخترنَ أن يكتبنَ أسماءهنّ في مساحات لم تكُن مخصصة لهنّ تقليديّاً، فيخترقنَ هذه المجالات والمهن ويمضينَ نحوها بعزم، ويشرّعنَ بذلك الأبواب أمام شابّات أخريات ليحذونَ حذوهنّ. هؤلاء النساء غيّرنَ العالم من خلال ثقتهنّ ومبادرتهنّ، فلم يدعنَ أيّ صورة نمطيّة تقف في وجههنّ؛ فلا يرتبط النّجاح والريادة والقيادة بالجندر، بل بعزيمة الإنسان وجرأته واتّساع أحلامه. في هذا التقرير نتعرّف إلى سهام القصير التي حققت حلمها في مجال غير تقليديّ وجعلت من النّجاح أثراً يمتدّ إلى ما هو أبعد من قصتها!

التصوير: Bernard Khalil
الموقع: Shogun Gym Lebanon
درست سهام القصير الحقوق والتربية البدنية، وهي تعمل منذ أكثر من 13 عاماً كـمدرّبة لياقة بدنية معتمدة، ومدرّبة دفاع عن النفس، ومتخصصة في الأمن والحماية. هي صاحبة لقب أقوى امرأة في العالم العربي منذ عام 2016 ولقب المرأة الحديديّة. إلى جانب المجال الرياضي، كرّست مسيرتها المهنية للأمن وتمكين المرأة. وقد أسّست أوّل فريق حماية شخصية نسائي في لبنان. تحمل سهام القصير 18 شهادة دولية معتمدة من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة في مجالات الحماية الشخصية، والدفاع عن النفس، والتدريب على الأسلحة والأمن. كما درّبت فريق الراميات في المملكة العربية السعودية، حيث حققن المراكز الثلاثة الأولى في أول بطولة IPSC للرماية في المملكة. تعرّفي إليها عن قرب في ما يلي.
منذ صغرها آمنت سهام القصير أنّ القوة ليست حكراً على الرجال، بل هي وسيلة لحماية النفس وخدمة الآخرين. ودخلت مجال القوة البدنية والتدريب الدفاعي لأنّها أرادت أن تثبت أنّ المرأة تستطيع أن تكون قوية جسدياً وذهنياً في الوقت نفسه. وتقول: “أكثر ما أحببته هو أنني لا أدرّب النساء على القتال فقط، بل أراهُنّ يكتسبن الثقة بالنفس ويغيّرن نظرتهنّ إلى قدراتهنّ.”
سألنا المدرّبة المتميّزة إذا كان هناك من لحظة معيّنة في مسيرتها شعرت فيها أنّها تحمل رسالة أكبر من الإنجاز الشخصي؟ تجيبنا: “كانت تلك اللحظة عندما بدأت أرى نساء يخبرنني أنّ حياتهن تغيّرت بعد التدريب، وأنّهنّ أصبحن أكثر ثقة وأقلّ خوفاً. عندها أدركت أنّ رسالتي تتجاوز البطولات والأرقام القياسية. لذلك أسّستُ أكاديمية للدفاع عن النفس لتكون مساحة آمنة تمنح النساء المهارات العملية والثقة التي يحتجنها في حياتهن اليومية، وليس فقط داخل قاعة التدريب. وانطلاقاً من وجود العديد من ضحايا العنف، بدأت فكرة التدريب والوعي الامني تتبلور في ذهني. ومنذ ذلك الوقت، وأنا أخطّط لكيفيّة مساعدة كلّ شخص ضعيف عبر الوسائل والتدريبات والمعلومات التي أعرفها.”

وقد علّمت هذه المسيرة سهام القصير أنّ الإنجازات الكبيرة تبدأ بالإيمان بالنفس قبل القوة الجسدية. وتقول: “حصولي على لقب “المرأة العربية الخارقة” ل 10 سنوات منذ عام 2016 جاء بعد أن تمكّنت من سحب طائرة تزن 6 أطنان و300 كيلوغرام، والأجمل بالنسبة لي أنّني أنجزت هذا التحدي وأنا أرتدي فستاناً، في رسالة أردت من خلالها أن أوضح أنّ القوة والأنوثة لا تتعارضان، بل تكمل إحداهما الأخرى. كنت أريد أن أغيّر الصورة النمطيّة التي تربط القوة بالمظهر أو بالجندر. بالنسبة لي، يمكن للمرأة أن تكون أنيقة، واثقة، قوية، وقادرة على تحقيق إنجازات استثنائية في الوقت نفسه. هذه التجربة أكّدت لي أنّ الحدود التي نعتقد أنّها موجودة غالباً ما تكون في عقولنا. وعندما تؤمن المرأة بنفسها وتعمل بإصرار وانضباط، تستطيع أن تحقق ما كان يبدو مستحيلاً. ولهذا أصبحت رسالتي اليوم أن أستخدم إنجازاتي لإلهام النساء وتشجيعهنّ على اكتشاف قوتهنّ الحقيقية، سواء كانت جسدية أو ذهنية أو نفسية.”

تساهم مسيرة المدرّبة اليوم في كسر الصورة النمطيّة عن المرأة، وتقول: “أريد أن أغيّر فكرة أنّ القوة والأنوثة لا تجتمعان. المرأة تستطيع أن تكون قوية، ناجحة، أنيقة، حنونة وقائدة في الوقت نفسه. هدفي أن ترى كلّ فتاة نفسها قادرة على تحقيق أيّ حلم مهما بدا غير تقليديّ.”
الدفاع عن النفس لا يتعلق بالقوة الجسدية فقط. فما هي المهارات التي تحرص سهام القصير على تعليمها؟ تخبرنا: “أركّز أوّلاً على الوعي بالمحيط، والثقة بالنفس، وإدارة الخوف واتّخاذ القرار الصحيح تحت الضغط. أفضل مواجهة هي التي يمكن تجنبّها، لذلك أعلمّ النساء كيف يقرأن المواقف، ويضعن الحدود، ويحافظن على سلامتهنّ قبل الوصول إلى المواجهة الجسدية.” كيف تساعد النساء على بناء هذه الثقة؟ تؤكّد: “أبدأ دائماً بتغيير طريقة التفكير. عندما تؤمن المرأة بأنّها قادرة، يصبح الجسد قادراً على مواكبة ذلك. أضع المتدرّبات أمام تحديّات صغيرة ينجحنَ في تجاوزها، ومع كلّ نجاح تنمو ثقتهنّ بأنفسهنّ حتى يكتشفن قوة لم يكنّ يعلمن أنّها موجودة داخلهنّ. وعن التغيير الذي تعيشه النساء اللواتي يتدرّبن معها، تشاركنا سهام القصير: “أجمل ما أراه هو التحوّل في الشخصية. كثيرات يدخلن التدريب وهنّ خائفات أو متردّدات، وبعد أشهر يصبحن أكثر حضوراً وثقة في العمل والحياة. أكثر قصة أثّرت بي كانت لسيدة قالت لي: “لم أتعلّم فقط كيف أدافع عن نفسي، بل تعلّمتُ كيف أؤمن بنفسي.” هذه الجملة كانت بالنسبة لي أكبر جائزة.”
وتختتم بهذه الرسالة لكلّ فتاة عربيّة: “لا تدعي أحداً يحدّد حدودك. لا تخافي من دخول مجالات يعتقد الآخرون أنّها ليست للنساء. اعملي بجد، آمني بنفسك، ولا تتوقفي عند أوّل عقبة. القوّة الحقيقية ليست في العضلات، بل في الشجاعة، والانضباط، والإصرار على تحقيق أحلامك.”








