بعد 8 سنوات من بدء النساء قيادة السيارات في المملكة العربية السعودية، أصبحت حرية التنقل والقيادة مهمة اساسية في حياة المرأة السعودية اليومية، بدءاً من التوصيل إلى أبواب المدارس، إلى الذهاب للعمل، وصولاً إلى تنسيق كافة المواعيد. تزامناً مع شهر التوعية بسرطان الثدي، أطلقت شركة هيونداي موتور الشرق الأوسط وأفريقيا حملة “تقود اليوم.. تصنع الغد” في الرياض، التي تركز على صحة المرأة ورفاهيتها وتنقلها.
في هذا السياق، أجرينا هذه المقابلة مع شيرين القرى مديرة التسويق في هيونداي موتور الشرق الأوسط وأفريقيا، التي تمتلك خبرة كبيرة في تطوير استراتيجيات العلامات التجارية، والتسويق الرقمي، وإدارة الحملات التسويقية المتكاملة على مستوى المنطقة. وتؤمن بأهمية توظيف قوة العلامات التجارية لإحداث أثر إيجابي يتجاوز المنتجات والخدمات، من خلال مبادرات وشراكات تسهم في تعزيز جودة الحياة ودعم رفاه المجتمعات. كما تحرص على إبراز الدور المتنامي للمرأة في مختلف جوانب الحياة، وتشجيع المبادرات التي تساعدها على تحقيق التوازن بين طموحاتها الشخصية والمهنية واهتمامها بصحتها ورفاهيتها.
1- بعد مرور ثماني سنوات على السماح للمرأة بقيادة السيارة في السعودية، كيف غيّرت حرية التنقل حياتها اليومية، وما الذي لا تزال غير قادرة على توفيره لها؟
شكّل السماح للمرأة بالقيادة في المملكة العربية السعودية نقطة تحول مهمة امتدت آثارها إلى ما هو أبعد من التنقل بحد ذاته. فقد منح المرأة قدراً أكبر من الاستقلالية والمرونة، وسهّل عليها إدارة مسؤولياتها اليومية، ومتابعة طموحاتها المهنية، واتخاذ قراراتها وفقاً لأولوياتها وظروفها الخاصة.
ومن خلال عملي في قطاع السيارات، شهدت عن قرب كيف أسهمت هذه الخطوة في توسيع الخيارات المتاحة للمرأة وفتح آفاق جديدة أمامها. وفي هيونداي، كنا ولا نزال نؤمن بأن دورنا يتجاوز توفير وسائل التنقل، ليشمل دعم أسلوب حياة يمنح الأفراد مزيداً من الحرية والمرونة في تحقيق أهدافهم.
ومع ذلك، فإن حرية التنقل وحدها لا تكفي لمعالجة جميع التحديات. فالمرأة اليوم تستطيع الوصول إلى وجهتها بسهولة أكبر، لكنها لا تزال تواجه تحدياً آخر يتمثل في إيجاد الوقت الكافي للاهتمام بنفسها وسط متطلبات العمل والأسرة والحياة اليومية. لذلك أرى أن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بحرية الحركة، بل بتهيئة بيئة تساعد المرأة على منح صحتها ورفاهها القدر نفسه من الاهتمام الذي تمنحه للآخرين.
2- أصبحت المرأة أكثر قدرة على تنظيم وقتها، ومع ذلك لا تزال كثيرات يواجهن صعوبة في تخصيص وقت لأنفسهن. لماذا تستمر هذه المفارقة؟
هناك فرق كبير بين امتلاك القدرة على إدارة الوقت، وبين الشعور بأن من حقنا تخصيص جزء منه لأنفسنا. فالمرأة اليوم تتمتع بفرص أكبر وتؤدي أدواراً أكثر تنوعاً، إلا أن الكثيرات ما زلن يضعن احتياجات الآخرين في مقدمة أولوياتهن قبل التفكير في احتياجاتهن الشخصية.
كما أن هناك توقعات اجتماعية راسخة تدفع المرأة إلى أن تكون دائماً حاضرة ومنتجة وقادرة على تلبية متطلبات الجميع. ونتيجة لذلك، غالباً ما يصبح الاهتمام بصحتها وراحتها أمراً قابلاً للتأجيل إلى حين الانتهاء من باقي المسؤوليات، وهي لحظة قد لا تأتي أبداً.
من وجهة نظري، نحن بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم العناية بالنفس. فهي ليست رفاهية أو مكافأة نمنحها لأنفسنا بعد إنجاز كل المهام، بل عنصر أساسي للحفاظ على صحتنا الجسدية والنفسية وقدرتنا على الاستمرار. ولا ينبغي أن تنتظر المرأة الوصول إلى مرحلة الإرهاق حتى تمنح نفسها ما تحتاجه من وقت واهتمام.
3- أظهرت الدراسة أن 17% فقط من النساء المشاركات أجرين فحص الكشف عن سرطان الثدي خلال العام الماضي. هل يعكس ذلك نقصاً في الوعي أم مشكلة أوسع تتعلق بضيق الوقت وصعوبة الحصول على الخدمات؟
أعتقد أن هذه النتيجة تعكس مزيجاً من العوامل. فالوعي بأهمية الفحص عنصر أساسي، لكنه لا يعني بالضرورة اتخاذ الخطوة اللازمة لإجرائه. فقد تكون المرأة مدركة تماماً لأهمية الكشف المبكر، إلا أن ضغوط العمل ومسؤوليات الأسرة وصعوبة إيجاد الوقت أو الوصول إلى الخدمات الصحية قد تدفعها إلى تأجيل الفحص.
كما أن هناك جانباً نفسياً مهماً لا يمكن تجاهله. فالفحوصات الوقائية قد تثير القلق أو الخوف من مواجهة نتيجة غير متوقعة، ما يدفع البعض إلى التأجيل رغم إدراكهن لأهميتها.
ولهذا حرصنا من خلال حملة “تقود اليوم.. تصنع الغد”، وبالتعاون مع مستشفيات السعودي الألماني الصحية، على تحويل رسائل التوعية إلى خطوة عملية ملموسة. فقد أتاحت المبادرة 600 فحص ماموغرام مجاني للنساء المؤهلات في المملكة، بهدف إزالة بعض العوائق التي قد تمنعهن من اتخاذ هذه الخطوة المهمة.
وبرأيي، فإن التوعية وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع تسهيلات عملية تشجع المرأة على اتخاذ القرار. فالمطلوب ليس فقط تذكير النساء بأهمية الفحص، بل أيضاً مساعدتهن على الوصول إليه بسهولة.
4- ما الخطوات العملية التي يمكن أن تساعد النساء على التوقف عن تأجيل الاهتمام بصحتهن، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالفحوصات الوقائية؟
أولاً، يجب أن تصبح الرعاية الصحية الوقائية أكثر سهولة وملاءمة لواقع الحياة اليومية. ويتحقق ذلك من خلال توفير مواعيد مرنة، وتسهيل إجراءات الحجز، وزيادة إمكانية الوصول إلى مراكز الفحص والخدمات الصحية.
كما يمكن لأصحاب العمل أن يلعبوا دوراً فاعلاً من خلال تشجيع الموظفات على إجراء الفحوصات الدورية، وترسيخ بيئة عمل تدعم الاهتمام بالصحة باعتبارها جزءاً من الإنتاجية والاستدامة المهنية، وليس عبئاً إضافياً.
ومن جانب آخر، تستطيع العلامات التجارية أن تسهم في تقريب الخدمات من الجمهور عبر شراكات هادفة، وهو ما سعينا إليه من خلال حملة “تقود اليوم.. تصنع الغد”، حيث لم يقتصر دورنا على نشر الرسائل التوعوية، بل امتد إلى توفير فرصة حقيقية للاستفادة من خدمات الكشف المبكر.
وأؤمن كذلك بأهمية تطبيع الحديث عن الفحوصات الوقائية، بحيث تصبح جزءاً طبيعياً من نمط الحياة الصحي، لا أمراً مرتبطاً بوجود أعراض أو مخاوف صحية.
وفي النهاية، لا يمكن تحميل المرأة وحدها مسؤولية إيجاد الوقت لكل شيء. فمقدمو الرعاية الصحية وأصحاب العمل والمؤسسات المختلفة والعلامات التجارية جميعهم شركاء في توفير الظروف التي تساعدها على الاهتمام بصحتها من دون أن تضطر إلى الاختيار بين ذلك وبين مسؤولياتها الأخرى.
5- كيف يمكن لشهر التوعية بسرطان الثدي أن يتجاوز الحملات التقليدية ويُحدث تغييراً عملياً ومستداماً؟
يمثل شهر التوعية بسرطان الثدي فرصة مهمة لفتح الحوار حول صحة المرأة، لكن أثر هذه الجهود يجب ألا يتوقف مع نهاية شهر أكتوبر. فالنجاح الحقيقي لأي حملة لا يقاس فقط بحجم الوصول أو عدد المشاهدات، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في السلوك وتحفيز الناس على اتخاذ خطوات عملية.
ويبدأ ذلك بربط التوعية بالخدمات المتاحة على أرض الواقع، سواء عبر تسهيل الوصول إلى الفحوصات، أو توفير معلومات موثوقة، أو تشجيع النساء على اتخاذ قرارات استباقية لحماية صحتهن.
ومن هذا المنطلق جاء تعاوننا مع مستشفيات السعودي الألماني الصحية ضمن حملة “تقود اليوم.. تصنع الغد”، حيث سعينا إلى تحويل الرسائل التوعوية إلى فرصة حقيقية للاستفادة من خدمات الكشف المبكر، من خلال توفير 600 فحص ماموغرام مجاني للفئات المؤهلة.
كما أن الاستمرارية لا تقل أهمية عن المبادرة نفسها. فالحفاظ على أثر الحملة يتطلب استمرار الحوار والتثقيف والتشجيع على الالتزام بالفحوصات الدورية طوال العام، وليس خلال موسم التوعية فقط.
وأؤمن بأن العلامات التجارية قادرة على لعب دور إيجابي في المجتمع عندما تستخدم حضورها وتأثيرها لدعم قضايا حقيقية. فالنجاح لا يتمثل فقط في إثارة النقاش، بل في المساهمة في إحداث تغيير ملموس يدوم أثره بمرور الوقت.
6- مع تزايد دور المرأة في اتخاذ القرار النهائي بشأن شراء سيارات الأسرة، كيف ينبغي للعلامات التجارية أن تطوّر فهمها لاحتياجات المستهلكات؟
على العلامات التجارية أن تتجاوز النظرة التقليدية إلى المرأة باعتبارها مجرد شريحة مستهدفة، وأن تنظر إليها بوصفها مستهلكة تمتلك أولوياتها وتفضيلاتها ومعاييرها الخاصة عند اتخاذ القرار.
فالمرأة اليوم لا تؤثر فقط في قرارات الشراء داخل الأسرة، بل تقود هذه القرارات في كثير من الأحيان، وتبحث وتقارن وتقيم الخيارات المختلفة قبل اختيار ما يناسب احتياجاتها.
وفي قطاع السيارات تحديداً، يتطلب ذلك فهماً أعمق لتجربة امتلاك السيارة بكل جوانبها، بدءاً من السلامة والتكنولوجيا والراحة، وصولاً إلى الاعتمادية وسهولة الاستخدام والدور الذي تؤديه السيارة في الحياة اليومية.
ومن المهم أيضاً الابتعاد عن الافتراضات العامة، لأن النساء ليست لديهن احتياجات أو أولويات موحدة. فلكل امرأة نمط حياة مختلف وتوقعات مختلفة، وهو ما يتطلب استماعاً حقيقياً وفهماً أكثر دقة لتجاربهن المختلفة.
وفي هيونداي، أتاحت لنا المبادرات الموجهة للمرأة فرصة لفهم علاقتها بالتنقل بصورة أشمل، ليس فقط من منظور السيارة نفسها، بل من منظور الدور الذي تؤديه في تمكينها من تحقيق أهدافها وإدارة حياتها اليومية.
وفي النهاية، لا تحتاج المرأة إلى علامة تجارية تخبرها بما يجب أن تريده، بل إلى علامة تجارية تستمع إليها وتفهم أولوياتها وتقدم لها حلولاً وتجارب تتوافق مع احتياجاتها الحقيقية.
7- بوصفك امرأة تعمل في قطاع السيارات، كيف تطورت نظرتك الشخصية إلى استقلالية المرأة وحرية تنقلها؟
علّمني العمل في قطاع السيارات أن التنقل لا يقتصر على الوصول من نقطة إلى أخرى، بل يرتبط بالفرص والخيارات والقدرة على رسم المسار الذي نرغب في أن تسير عليه حياتنا.
ومع مرور الوقت، أصبحت أكثر اقتناعاً بأن التمكين ليس محطة نصل إليها ثم نتوقف، بل مسيرة مستمرة تقوم على توفير الفرص وإزالة العوائق. فالقدرة على القيادة تمثل جانباً مهماً من الاستقلالية، لكنها ليست الجانب الوحيد. الاستقلالية الحقيقية تشمل القدرة على اتخاذ القرارات، وبناء المسار المهني، والعناية بالصحة، وتحقيق التوازن بين مختلف جوانب الحياة.
وقد عززت المبادرات التي عملنا عليها في هيونداي هذا الفهم، لأنها أظهرت كيف يمكن للعلامات التجارية أن تلعب دوراً أوسع من مجرد تقديم المنتجات، وأن تسهم في دعم القضايا التي تؤثر مباشرة في حياة الناس.
ولهذا كان من الطبيعي أن نربط في حملة “تقود اليوم.. تصنع الغد” بين مفهوم التقدم والعناية بالصحة، لأن بناء المستقبل لا يكتمل من دون الاهتمام بالإنسان وصحته ورفاهه.
وبالنسبة لي، فإن القيمة الحقيقية لأي مبادرة تكمن في قدرتها على تمكين الأفراد من الاستفادة من الفرص المتاحة لهم والاستمتاع بالنتائج التي يسهمون في تحقيقها.
8- لو كان بإمكانك منح كل امرأة ساعة إضافية في يومها، فكيف تتمنين أن تستفيد منها؟ وما الذي تتمنين أن تتوقف عن الشعور بالذنب حياله؟
أتمنى أن تستخدم كل امرأة تلك الساعة بالطريقة التي تحتاجها فعلاً، دون أن تشعر بأنها مطالبة بتبرير اختيارها. فقد تخصصها إحداهن لإجراء فحص طبي طال تأجيله، بينما تستغلها أخرى لممارسة الرياضة أو قضاء وقت مع عائلتها أو الاستمتاع بهواية تحبها، أو حتى للراحة والهدوء بعيداً عن أي التزامات.
كما أتمنى أن تتوقف المرأة عن الشعور بالذنب عندما تمنح نفسها الأولوية. فنحن كثيراً ما نحتفي بقدرتها على العطاء وتحمل المسؤوليات وإدارة أدوار متعددة في الوقت ذاته، لكن من المهم أيضاً أن نمنح الاهتمام نفسه بحقها في الراحة والعناية بنفسها وطلب الدعم عند الحاجة.
قد لا نتمكن دائماً من إضافة ساعة جديدة إلى اليوم، لكن يمكننا أن نساعد في خلق بيئة تجعل الحصول على الدعم والوقت والمساحة الشخصية أمراً أكثر سهولة.
وإذا كانت هناك رسالة واحدة أود أن تتذكرها كل امرأة، فهي أن الاهتمام بالنفس ليس أنانية، بل ضرورة. فصحتها ووقتها ورفاهها لا تقل أهمية عن أي مسؤولية أخرى، وأحياناً تكون أهم رحلة تخوضها المرأة هي تلك التي تعيدها إلى الاهتمام بنفسها.









