جهود نورة الجبر لإعادة إحياء تقاليد الفروسية العربية

جهود نورة الجبر لإعادة إحياء تقاليد الفروسية العربية
23 سبتمبر 2026 • إعداد: أرزة نخلة

هي فارسة سعودية ومدرّبة فنون قتاليّة من على ظهر الخيل وناشطة في مجال حماية التراث. حيث تكرّس نورة الجبر جهودها لإعادة إحياء تقاليد الفروسية العربية وصون إرثها الثقافي. تعرّفي إليها عن قرب في ما يلي.

التصوير: Buthaynah AlHarthi

Nora Aljabr: ” أتمنّى أن يرى الناس في الفارسة السعودية صورة امرأة تعرف تاريخها وتحبّه وتفتخر به”.

ما الذي جذب نورة الجبر للمرّة الأولى إلى الفروسية والرماية على ظهر الخيل رغم اعتبارها رياضة “غير تقليدية” للنساء؟ تقول:” لم أبحث عن رياضة… بل كنت أبحث عن جذوري. كلّما قرأت التاريخ، وجدت أنّ الخيل كانت شاهدة على أعظم محطات حضارتنا. عليها ارتحل أجدادنا، وبها دافعوا عن أوطانهم، وحملوا العلم والبيان قبل أن يحملوا السلاح. لذلك لم تكن الفروسية بالنسبة لي هواية، بل وسيلة لفهم جزء من هويّتي العربية والإسلامية. أمّا الرماية، فهي ليست مجرّد إصابة هدف، بل تدريب على تهذيب النفس؛ فهي تعلّم الصبر والتأني. وهذا هو المعنى الذي أبحث عنه في كلّ تدريب”. وتضيف عن أكثر ما تحبّه فيها، مؤكّدةً: “أجمل ما في الفروسيّة أنّها تذكّر الإنسان بأنّ القوّة الحقيقية لا تقوم على السيطرة، بل على الرحمة والاحترام. فالخيل لا تمنح ثقتها إلاّ لمن يستحقّها، وربما لهذا بقيت رمزاً للنبل في ثقافتنا عبر القرون”.

الفروسية والرماية بالسهام من الفنون المرتبطة بتاريخ الجزيرة العربية. كيف ترى الفارسة الماهرة دورها في إعادة إحياء هذا التراث؟ تشرح لنا: “التراث لا يعيش في الكتب… بل في الإنسان الذي يمارسه. أرى أنّ مسؤوليّتي ليست أن أعرض مهارة قديمة، وإنّما أن أعيد إليها معناها. كثير من الناس يعرفون أنّ العرب أحبّوا الخيل، لكن قليلين يعرفون لماذا كانت الخيل بهذه المكانة، أو كيف ارتبطت بالقيم والأخلاق والكرم والشجاعة. لهذا أحرص أن يكون كلّ عرض، وكلّ تدريب، وكلّ محتوى أقدمه نافذة على حضارتنا، لا مجرّد استعراض للمهارات.” فكيف توازن بين احترام الإرث وتقديم صورة جديدة للفارسة العربية؟ تؤكّد نورة الجبر: ” لا أرى التوازن بين الأصالة والمعاصرة صراعًا أصلًا. فالأصالة ليست أن نبقى أسرى الماضي، والمعاصرة ليست أن نتخلّى عن هويتنا. بل أن نُحسن تقديم تراثنا بلغة يفهمها العالم ويحترمها، دون أن نفقد روحه. وأتمنّى أن يرى الناس في الفارسة السعودية صورة امرأة تعرف تاريخها وتحبه وتفتخر به”. 

حين تتحوّل الهواية إلى رسالة، يصبح التوقف مستحيلًا

لا تتدرّب نورة الجبر لتكون أفضل من غيرها، بل لتكون أوفى لما تمثّله. فهي تشعر أنّها تحمل جزءاً من ذاكرة هذه الأمّة، ومن واجبها أن تقدّمه بصورة تليق بها. وتقول: “كلّ مهارة جديدة أتعلّمها، وكلّ مخطوطة أقرأها، وكلّ تدريب أخوضه، يقرّبني أكثر من فهم هذا الإرث العظيم. وأؤمن أنّ الإنسان إذا توقف عن التعلّم، توقف عن العطاء. لذلك ما زلت أرى نفسي طالبة في مدرسة الفروسية، مهما حققت من إنجازات.”

لا تحاول مدرّبة الفنون القتالية من على ظهر الخيل أن تغيّر التاريخ، بل تحاول أن تذكّر الناس به. فتؤكّد أنّه في حين هناك اعتقاد أنّ المرأة دخلت هذه المجالات حديثًا، يخبرنا التّاريخ أنّ المرأة المسلمة والعربية كانت حاضرة في ميادين العلم، والإدارة، والأدب، وحتى في المواقف التي احتاجت إلى شجاعة ومسؤولية. وتتابع: “وجودي اليوم ليس محاولة لإثبات أنّ المرأة تستطيع، فالمرأة أثبتت حضورها عبر التاريخ، وإنّما هو دعوة لإعادة اكتشاف هذا التاريخ. وأطمح أن أقدّم صورة للمرأة السعودية تجمع بين القوة والخلق، وبين الاعتزاز بهويتها والانفتاح على العالم. فالقوّة لا تعني التخلي عن الأنوثة، كما أنّ المحافظة على الهوية لا تعني الانغلاق.”

وهي تشير إلى أنّ النجاح الحقيقي ليس في كسر الصور النمطيّة فحسب، بل في بناء نماذج جديدة. وتضيف: “أتمنّى أن يرى الناس المرأة الرياضية بوصفها إنسانة تحمل رسالة، وتبني أجيالاً، وتحفظ تراثاً، وتمثّل وطنها، لا مجرّد شخص يحقق إنجازاّ فرديّاَ. فالرياضة تصنع الشخصية قبل أن تصنع البطولات، وهذه هي القيمة التي أؤمن بها.”

أكثر تواضعاً أمام العلم، وأقرب إلى فهم نفسي

ونتابع بسؤال نورة الجبر عمّا علّمتها هذه المسيرة عن نفسها؟ وتجيبنا: “الخيل لا تكشف قوتك… بل تكشف حقيقتك. علّمتني الفروسية أنّ الإنسان لا يقود غيره حتى يتعلّم قيادة نفسه. وعلّمتني أنّ الثقة تُبنى بالصبر، وأنّ الاحترام يُكتسب بالأفعال لا بالكلمات. كما علّمتني أنّ النجاح ليس لحظة وصول، بل رحلة مستمرّة من التعلّم والتواضع. وكلّما ظننت أنّني تعلمت الكثير، اكتشفت أنّ أمامي أبواباً جديدة من المعرفة. ولعلّ هذا أجمل ما منحته لي هذه المسيرة؛ أنّها جعلتني أكثر تواضعاً أمام العلم، وأقرب إلى فهم نفسي.”

ما الدرس الذي تتمنّى نورة الجبر أن تأخذه كّل فتاة عربيّة تقرأ قصتّها؟ تقول: ” لا تبحثي عن مكانك في العالم… اصنعيه بهويتك. لا أريد للفتيات أن يقلّدن تجربتي، بل أن يكتشفن رسالتهنّ الخاصة. لدينا حضارة عظيمة، وتراث غني، وقيم قادرة على أن تلهم العالم إذا أحسنا تقديمها. أنصح كلّ فتاة أن تبدأ بالعلم، وأن تتمسّك بأخلاقها، وأن تعمل بإتقان، لأنّ النجاح الذي يقوم على القيم يبقى، أمّا النجاح الذي يقوم على الشهرة وحدها فهو عابر. وأؤمن أنّ المرأة التي تعرف من تكون، لن تحتاج يوماً إلى أن تقلّد أحداً.

وتختتم بهذه الرسالة إلى المملكة وشعبها بمناسبة اليوم الوطني السعودي، وتقول: “في اليوم الوطني، أشعر بالفخر لأنّني أنتمي إلى وطن أعاد الاعتبار لتراثه، وجعل من هويته مصدراً للقوّة والطموح. ما نشهده اليوم من اهتمام بالخيل العربية، وبالفروسية، وبالتراث الوطني، يؤكّد أنّ المملكة العربية السعودية لا تبني مستقبلها بعيدًا عن جذورها، بل تنطلق منها. أسأل الله أن يحفظ وطننا وقيادتنا، وأن يديم علينا نعمة الأمن، وأن يوفّق أبناء وبنات المملكة ليكونوا سفراء لقيمها وثقافتها أينما كانوا، لأنّ أجمل ما نقدّمه للعالم ليس ما نملكه… بل من نحن”.

آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً