النساء اللواتي شكّلن أزياء العالم العربي وفنّه وصورته أمام العالم

النساء اللواتي شكّلن أزياء العالم العربي وفنّه وصورته أمام العالم
31 أكتوبر 2026 • إعداد: لين عبد الرحيم

من هنّ النساء اللواتي صنعن جزءاً من تاريخ الموضة في العالم العربي، ثم بقيت أسماؤهنّ خارج الحكاية التي نرويها اليوم؟ بدأت فكرة هذا التقرير من مشهد في فيلم “الست”، الذي يروي جانباً من حياة أم كلثوم. في أحد المشاهد عن بداياتها في القاهرة، تصل أم كلثوم إلى حفلة لأبناء المجتمع الراقي لتغني أمامهم، مرتدية الملابس التي اعتادت الظهور بها في تلك الفترة. وها إنّ بعض الحاضرين يركّزون على مظهرها ويسخرون منه قبل أن يمنحوا صوتها فرصة حقيقية. تلاحظ “فريال”، الشخصية التي تؤدّيها أمينة خليل، ما يحدث، فتأخذ أم كلثوم جانباً وتساعدها على اختيار ملابس أقرب إلى ما كانت ترتديه نساء ذلك الوسط. وعندما تعود إلى الحفل وتبدأ الغناء، يتغيّر كلّ شيء: تتّجه الأنظار إليها، يصمت الحضور، ويبدأ الجميع بالاستماع. لم يتغيّر صوتها، بل تغيّر مظهرها فقط، ومعه تغيّرت الطريقة التي نظر بها الآخرون إليها.

“فريال” ليست شخصيّة حقيقية من حياة أم كلثوم، بل شخصيّة خياليّة أضيفت إلى الفيلم لتجسّد مرحلة تغيّر مظهر أم كلثوم بعد انتقالها إلى القاهرة. بالنسبة إليّ، أصبحت فريال رمزاً لنساء كثيرات نجد أثرهنّ في تاريخ الموضة، لكننا لا نجد أسماءهنّ دائماً بالوضوح نفسه. امرأة افتتحت مشغلاً قبل أن تصبح أسماء المصممّين معروفة على نطاق واسع، وأخرى صمّمت لفنانة أو أميرة، وثالثة غيّرت شكل الملابس على المسرح أو في السينما. نرى النتيجة في الصور والأفلام والقطع التي بقيت، لكنّنا نادراً ما نتوقف عند المرأة التي كانت وراءها.

حين نتحدّث عن تاريخ الموضة العربية، نبدأ الحكاية غالباً من منتصفها: من المصمّمين الذين وصلوا إلى باريس، ودور الأزياء التي حققت شهرة عالمية، والفساتين التي ظهرت على السجادة الحمراء. لكن قبل ذلك بسنوات طويلة، كانت هناك مصممات يفتتحن مشاغلهنّ، ويصمّمن للملكات والفنانات ونساء المجتمع. كما كان هناك نساء يقدّمن أشكالاً جديدة للملابس على المسرح وفي السينما، وفنّانات يحوّلن بعض القطع إلى جزء ثابت من صورتهنّ أمام الجمهور. المشكلة ليست في غياب هذا التاريخ، بل في أنّ جزءاً منه لم يُروَ بالاهتمام نفسه. بقيت الفساتين والصور والقطع الشهيرة، بينما أصبحت أسماء بعض النساء اللواتي صمّمنها أو ساهمن في تقديمها أقلّ حضوراً. 

لذلك، في ما يلي لا نبحث عن أجمل فساتين الماضي، ولا عن قائمة بأيقونات الأناقة. بل نعود إلى النساء اللواتي صمّمن، وافتتحن المشاغل، وغيّرن طريقة تقديم الملابس، وساهمن في كتابة فصول مبكرة من تاريخ الموضة في المنطقة قبل الجيل الذي نبدأ منه عادة رواية هذه الحكاية. فيما نعرف كثيراً عمّا تركنه خلفهن، لنتعرّف سويّاً إلى هؤلاء النساء أنفسهنّ.

رئيفة صالحة… 22 متراً سبقت شهرة الأزياء اللبنانية

في عام 1961، كان فستان مصنوع في لبنان يتصدّر الصحافة بسبب رقم يصعب تجاهله: 22 متراً. هذا كان طول ذيل فستان زفاف لمياء الصلح، ابنة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رياض الصلح، في زفافها من الأمير مولاي عبد الله، شقيق الملك الحسن الثاني. احتاج الذيل وحده إلى ثلاث فرق، تضمّ كلّ واحدة منها 25 عاملة، تناوبن على تنفيذه طوال ثلاثة أسابيع. أمّا المرأة خلف الفستان فكانت رئيفة صالحة، المعروفة بمدام صالحة، إحدى أوائل المصمّمات اللواتي أسّسن عملاً متخصصاً في الأزياء الراقية في لبنان.

لكن الـ22 متراً ليست كلّ القصة. ولدت رئيفة صالحة في عاليه عام 1926، وبدأ اسمها يبرز من خلال تصميم أزياء عروض مهرجانات بعلبك الدولية، أحد أهمّ المهرجانات الفنية في لبنان. ثم اتّسعت دائرة زبوناتها لتشمل العائلات الملكية ونجمات الغناء؛ فصمّمت لفيروز وصباح وأم كلثوم، كما صمّمت فستان زفاف فيروز. وفي سنّ الحادية والعشرين سافرت إلى باريس، حيث تعرّفت إلى عالم الأزياء الراقية عن قرب، وأقامت علاقات مع دار التطريز الفرنسية Lesage، والمصمّمة Madame Grès، ودار Balmain. ما يبدو اليوم طبيعياً، أي أن يصمم لبناني للعائلات الملكية والنجمات، كان يحدث بالفعل في الخمسينيات والستينيات. وكانت امرأة من أوائل من وضعوا أساس هذه المكانة!

لوريس سروجي… المشغل الذي أخذته النكبة

لكن ليس كلّ من عمل في تلك الفترة ترك وراءه فساتين محفوظة وصوراً يمكن الرجوع إليها. في يافا، خلال الثلاثينيات، كانت المصممة الفلسطينية لوريس سروجي تدير مشغلاً ناجحاً لتصميم الملابس حسب الطلب. كانت النساء يأتين إليها من مناطق مختلفة في فلسطين لتجهيز ملابس العروس وفساتين المناسبات، كما كانت زوجات ضباط بريطانيين خلال فترة الانتداب من زبوناتها. وتروي العائلة أنّها كانت تحقق دخلاً كبيراً من عملها، في وقت كان فيه امتلاك امرأة عربية مشروعاً مستقلاً بهذا الحجم أمراً غير معتاد. بل إنّ عائلتها تروي أيضاً أنّ زوجها كان يكسر آلات الخياطة محاولاً دفعها إلى التوقف عن العمل، لكنها استمرّت.

ثم جاءت النكبة عام 1948. اضطرت لوريس إلى مغادرة فلسطين وترك مشغلها، وضاع معه معظم ما كان يمكن أن يوثّق أعمالها اليوم. ما بقي لدى العائلة من سنوات يافا هو صورة واحدة وحقيبة تضمّ بعض الشرائط وقطعاً صغيرة من الأقمشة. لكنّها واصلت العمل بعد انتقالها إلى لبنان، واستمرّ هذا الإرث داخل العائلة حتى وصل إلى سينتيا مرهج، ابنة الجيل الثالث من صانعات الأزياء في الأسرة. مرهج هي مؤسسة Renaissance Renaissance، علامة أزياء نسائية أطلقتها عام 2016، تعمل اليوم بين بيروت وباريس، فيما تُصنع مجموعاتها في لبنان بالتعاون مع حرفيين ومصانع عائلية محلية. فجأة، لا تعود Renaissance Renaissance مجرّد اسم معاصر؛ بل تصبح امتداداً لحكاية بدأت في مشغل فلسطيني قبل نحو قرن.

بهيجة حافظ… حين كانت البطلة تصمّم عالم الفيلم أيضاً

وإذا كانت النكبة قد أخذت معها جزءاً كبيراً من أرشيف لوريس سروجي، فإنّ السينما المصريّة حفظت لنا اسماً آخر بطريقة مختلفة. في عام 1932، لم تكن بهيجة حافظ تؤدّي دور البطولة في فيلم “الضحايا” فقط؛ كانت منتجته، ومحرّرة الفيلم، وملحّنته، ومصمّمة أزيائه أيضاً. أي أنّ الوظائف التي تتوزّع اليوم على فريق كامل كانت تحمل في شارة الفيلم اسماً واحداً. وكانت “فنار فيلم”، شركة الإنتاج التي أسّستها مع زوجها محمود حمدي، وسيلتها لصناعة أفلامها بالشكل الذي تريده في وقت كانت فيه السينما المصرية نفسها لا تزال في مرحلة التأسيس.

وهنا تصبح الملابس أكثر من فساتين جميلة أمام الكاميرا. في فيلم بالأبيض والأسود، كان الزيّ يساعد على تعريف الشخصية: مستواها الاجتماعي، والبيئة التي جاءت منها، والفترة التي تعيش فيها. بهيجة حافظ لم تكن تنتظر من شخص آخر ليحدّد هذه الصورة؛ كانت تشارك في صنعها بنفسها. والأكثر إثارة أنّ النسخة الأصلية من “الضحايا” فُقدت لسنوات، قبل العثور على نسخة منها عام 1995. حتى العمل الذي يثبت حجم ما فعلته كاد هو نفسه أن يختفي من التاريخ.

بديعة مصابني… المسرح الذي غيّر شكل ملابس الراقصة

وفي القاهرة نفسها، كانت امرأة أخرى تغيّر شكل ما يراه الجمهور على المسرح. وصلت بديعة مصابني، المولودة في دمشق عام 1892، إلى القاهرة بعد تجارب في التمثيل والاستعراض، وافتتحت في عشرينيات القرن الماضي صالتها الشهيرة في شارع عماد الدين، الذي كان مركز المسارح والحياة الفنية في العاصمة. لم تكن الصالة مجرّد مكان للرقص؛ كانت تقدم فرقاً موسيقية كاملة، ومقاطع تمثيلية واستعراضية، وعروضاً راقصة أُعدَّت خصيصاً للمسرح.

ومع تغيّر العرض، تغيّرت الملابس أيضاً. أصبحت الراقصة تتحرّك على مساحة أكبر وتحت إضاءة مسرحية، فدخلت إلى أزيائها قطع أقصر، وتطريزات وترتر وريش وتفاصيل تلتقط الضوء ويمكن رؤيتها من آخر الصالة. هذا الشكل لم يكن الزيّ التقليدي للرقص في مصر، بل تطوّر مع المسرح والاستعراض والسينما. ومن صالة بديعة مصابني خرجت تحية كاريوكا وسامية جمال، اللتان أصبحتا لاحقاً من أشهر نجمات الرقص والسينما ونقلتا هذه الصورة إلى جمهور أوسع. لذلك، عندما نرى اليوم الشكل المعروف لبدلة الرقص الشرقي، فنحن نرى نتيجة تطوّر طويل كانت بديعة مصابني واحدة من النساء الأساسيات فيه.

سميرة توفيق… حين أصبحت العباءة توقيعاً

ثمّ نصل إلى فنّانة لم تصمّم الملابس بنفسها، لكنّها أثبتت أنّ اختيار قطعة واحدة وتطويرها باستمرار يمكن أن يصنع صورة كاملة. بدأت سميرة توفيق بفساتين شرقية وكلاسيكية من تصميم مدام صالحة وشفيق خوري، قبل أن تبدأ تعاونها مع المصمّم اللبناني وليم خوري. ومعه أخذت العباءة مكانها الأساسي في إطلالاتها. لم تكن العباءة جديدة على المنطقة، لكنّهما أعادا تقديمها للمسرح بأقمشة وألوان وتطريزات مختلفة، من بينها “عباءة الطاووس”، حتى قالت سميرة توفيق لاحقاً إنّ العباءة أصبحت جزءاً من هويتها الفنية، لا مجرد زي ترتديه.

وتقدّر مصادر صحافية عدد القطع التي صمّمها وليم خوري لها بنحو 1500 رداء، كان معظمها من العباءات المطرّزة. ومن أغربها فستان أسود زُين بـ1800 قطعة معدنية بدت كالليرات الذهبية. كان الوهم مقنعاً إلى درجة أنّ قائد الشرطة السياحية عرض توفير حماية لها خوفاً من سرقة “الذهب”، قبل أن يكتشف أنّ الليرات ليست ذهباً أصلاً. هنا نفهم حجم العمل على الصورة: القطعة لم تكن مجرّد عباءة، بل كانت في كلّ ظهور فرصة لتقديمها من جديد بطريقة يعرف الجمهور صاحبتها فوراً.

صباح… خزانة ملابسها كانت قادرة على إطلاق مسيرة مصمم

أما صباح، فكانت تعرف أنّ شهرتها يمكن أن تؤثر في مسيرة المصمّم نفسه. يروي المصمّم المصري هاني البحيري أنّها كانت أوّل فنانة يصمّم لها، بعدما رأته في بداياته وهو في الثامنة عشرة وأثنت على عمله. وصف دعمها له لاحقاً بأنّه كان بمثابة “إعلان بالملايين”، لأنّ ظهور فنّانة بحجم صباح بتصميم لمصمّم جديد كان كفيلاً بأن يجعل الجمهور يسأل عن اسمه. وبعدها بدأ يعمل مع فنانات أخريات من الصف الأول.

وعلاقتها الأهمّ في عالم الأزياء كانت مع المصمم اللبناني وليم خوري، الذي صمم لها أكثر من 400 قطعة خلال تعاون امتدّ أكثر من أربعة عقود. وخلال الحرب اللبنانية، حين كانت صباح تقيم خارج البلاد لفترات طويلة، احتفظ خوري في مشغله بمجسم مصنوع وفق قياسات جسمها، حتى يتمكّن من تنفيذ الفساتين بدقة وإرسالها إليها في الولايات المتحدة من دون أن تكون موجودة لإجراء القياسات في كلّ مرة. هذه ليست فقط قصة فنانة أحبّت الملابس؛ إنّها مثال مبكر على قوة المشاهير في تقديم المصمّمين إلى الجمهور قبل عقود من وسائل التواصل الاجتماعي والحملات التي نعرفها اليوم.

أم كلثوم… لفتت انتباههم ثم وضعت هي القواعد

وفي النهاية، نعود إلى أم كلثوم، لكن إلى حقيقة أكثر تعقيداً من المشهد الذي بدأ منه هذا التقرير. عندما وصلت أم كلثوم إلى القاهرة في أوائل العشرينيات، كانت تظهر بالمعطف والعقال، وتحيط بها فرقة من الرجال بالعمائم والجلباب. ومع تطوّر مسيرتها واحتكاكها بمجتمع القاهرة، تغيّرت ملابسها تدريجياً، وبحلول عام 1927 كانت قد تخلّت عن هذا المظهر واتّجهت إلى الفساتين التي ستصبح لاحقاً جزءاً من صورتها المعروفة.

ومع السنوات، استقرّ أسلوبها أكثر: فساتين طويلة بقصات محتشمة، ونظارات داكنة، ومنديل يكاد لا يفارق يدها على المسرح. لم تكن تتبع كلّ ما هو رائج أو تحرص على أن تتطابق التفاصيل بالطريقة التقليدية؛ الأهمّ أنّها صنعت أسلوباً يعرفه الجمهور فوراً. وهنا يظهر الجانب الأكثر جرأة في صورتها. في بداياتها، اضطرّت إلى تعديل مظهرها حتى تجد مكانها في مجتمع القاهرة الفني والاجتماعي. لكن بعد أن فرضت صوتها ومكانتها، لم تعد بحاجة إلى أن تتكيّف مع توقعات الآخرين. أصبحت ترتدي النظارات على المسرح، وتحمل المنديل طوال الحفل، وتختار ما يناسبها هي. حتى المنديل لم يبدأ كعلامة مدروسة؛ تشير روايات إلى أنّها كانت تستخدمه بسبب التوتر وتعرّق اليدين أثناء الغناء، قبل أن يتحوّل مع الوقت إلى جزء لا ينفصل عن صورتها.

لهذا، عندما ننظر اليوم إلى أم كلثوم، لا نرى فقط مطربة ترتدي فساتين أنيقة، بل امرأة انتقلت من مرحلة كان مظهرها فيها سبباً للحكم عليها، إلى مرحلة أصبحت هي من يحدّد كيف يريد الجمهور أن يراها. لفتت انتباههم أولاً، ثم أصبحت أقوى من أن تحتاج إلى طلبه.

ما تكشفه هذه القصص هو أنّ تاريخ الموضة في العالم العربي لم يبدأ عند لحظة واحدة، ولا مع جيل واحد من المصمّمين. سبق ذلك مشاغل مستقلة، ونساء يصمّمن للملكات والفنانات، ومسرح وسينما يختبران أشكالاً جديدة للملابس، وفنانات فهمن مبكراً أنّ ما يرتدينه يمكن أن يؤثر في صورتهنّ أمام الجمهور وفي مسيرة المصمّم الذي يقف خلف الإطلالة.

المشكلة لم تكن في غياب هذه البدايات، بل في أنّ توثيقها لم يكن دائماً بالقدر نفسه. بعض الأرشيفات فُقدت، وبعض الأسماء بقيت مرتبطة بالفنّ أكثر من الموضة، فيما استمرّت قطع وصور نعرفها جيداً من دون أن نعرف دائماً من صنعها أو من ساهم في تقديمها للمرة الأولى.

لذلك، ربما يحتاج تاريخ الموضة العربية إلى أن يُقرأ من بدايته من جديد. ليس لإضافة أسماء إلى قائمة “الأوائل”، بل لفهم أنّ ما نعرفه اليوم عن الأزياء في المنطقة بُني على عمل نساء كثيرات سبقن الشهرة العالمية ودور الأزياء الكبرى والسجادة الحمراء. بعضهنّ نتذكّر أسماءهنّ، وبعضهنّ ما زلنا نكتشفها، لكن أثرهنّ كان موجوداً طوال الوقت.

أزياء العالم العربي

إقرئي أيضاً:  لماذا أصبح الجميع فجأة مهووسين بالثمانينيات …S’80؟

آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً