هبّات الحرارة، تغيّر في المزاج، تقلّب في الدورة الشهريّة... عوارض يُهمَس بها في الأروقة وليس في العلن... من الغريب كيف أنّ هناك تعتيم مجتمعي وإعلاميّ حول مرحلة حياتيّة يمرّ بها نصف سكّان الأرض. فيما تحظى مرحلتا البلوغ والحمل باهتمام كبير وتوعية تطال الأسرة والمدرسة والمجتمع، تبقى مرحلة ما قبل انقطاع الطمث Perimenopause ضبابيّة يسودها الغموض. فهل يعود ذلك إلى الخوف من ربط هذه العوارض بتقدّم المرأة في السنّ، وفي هذا الإطار حصر قيمة النساء في إطار زمنيّ معيّن يتعلّق بدورهنّ في الإنجاب؟ ففي بعض المجتمعات هناك وصمة لا تزال تلاحق النساء اللواتي يتخطيّن الأربعين من العمر... بالإضافة إلى ذلك، نلحظ أحيانًا تعاطي بعض أفراد المجتمع مع الموضوع بسخرية، أو على نحو فكاهي مبالغ فيه يُضخِّم الأعراض ويُهمِّش بالتالي أثرها النفسي والمعنوي على النساء. تلك النساء اليوم قائدات، ومبدعات، ورائدات في مجالات مختلفة. هنّ يشكّلن مجتمعاتهنّ ويدفعن عجلة التقدّم في العالم على كلّ الأصعدة وذلك في مختلف مراحل حياتهنّ العمريّة. فيضحي اليوم تغيير السردية بما يتعلّق بمرحلة ما قبل انقطاع الطمث أهمّ من أي وقت مضى!
بشكل عام، يحدث انقطاع الطمث عند النساء بين سنّ 45 و55 عاماً. وغالباً ما لا يحصل الأمر بطريقة مفاجئة، بل هناك مؤشرات علميّة واضحة تشعر بها النساء خلال مرحلة انتقاليّة هرمونيّة مدّتها من سنتين إلى أربع سنوات تسبق ذلك. نخصص هذا التحقيق لتناول مرحلة ما قبل انقطاع الطمث بكلّ وجوهها من خلال خبرات خمس نساء عايشن كلّ على طريقتها هذه الحقبة الحياتيّة. كيف أدركن أنهنّ دخلن هذه المرحلة؟ ما هي العوارض التي واجهنها؟ وأيّ استراتيجيّات ساعدتهنّ على تخطيها؟ ما الذي تغيّر في داخلهنّ عند عيش هذه المرحلة وماذا تعلّمن عن ذواتهنّ؟ وماذا يتمنيّن أن تعرف النساء قبل دخولهنّ هذه المرحلة؟ نناقش كلّ من هذه الأسئلة مع Rania Masri El Khatib الخبيرة العالمية في قطاع التجزئة مع أكثر من 20 عاماً من الخبرة في هذا المجال، و Zina Khair، رائدة الأعمال في مجال الموضة ومؤسسة علامة Le Marais 101 و Mimi Raad الخبيرة المتمرّسة في استشارات الصورة والإنتاج الإعلامي وNat Morcos رائدة الأعمال الإبداعية المتعدّدة التخصّصات ومؤسِّسة Goshá Flowers وGoshá Buro و SKOONI Arts Foundation & Residences و Ruth Bradley، المؤسّسة والمديرة العامّة لشركة Ruth Bradley Consulting للإسشارة واستراتيجيّة العلامة التجاريّة والعلاقات العامّة وإدارة المحتوى الإبداعي. فتابعينا في هذه السطور حيث نشاركك كلّ ما يجب أن تعرفيه عن هذه المرحلة.
التعتيم المجتمعي والإعلامي
لم تخف يوماً Zina Khair من التقدّم في السنّ. بالنسبة إليها، لطالما كان العمر علامة على الخبرة والنموّ والتحوّل إلى أفضل نسخة من نفسها. لكنّ ما يخيفها هو الطريقة التي يحاول بها المجتمع وضع النساء في قوالب، واختزال العمر في التدهور بدلاً من تكريمه باعتباره استمراراً للحياة. وتؤكّد قائلة: "بقيت حياة النساء لفترة طويلة جداً محصورة بين حاجزين: الحيض وانقطاع الطمث. يتم الاحتفاء بكلّ ما بينهما، بينما يهمَل كل ما يأتي بعد ذلك. وقد حان الوقت لإنهاء هذه السردية وكتابة واحدة جديدة"... هذه الكلمات التي تشاركنا بها Zina Khair تلقى صدى لدى النساء الأخريات حيث اجتمعن على عدم رواج الحديث عن فترة ما قبل انقطاع الطمث في مجتمعهنّ وحتى في عائلاتهنّ. حيث تجزُم Mimi Raad أنّ أحداً لم يخبرها من قبل عن مرحلة ما قبل انقطاع الطمث. عندما كانت مراهقة وفي مرحلة متقدّمة من حياتها، رأت والدتها وهي تعاني من هبّات الحرارة وتقلّبات المزاج بسبب استئصال كامل للرحم خضعت له في الأربعينات من عمرها. لكنّها لم تتحدّث أبداً معها أو مع أختها عن انقطاع الطمث وما يمكن توقّعه... كذلك لم يكن لدى Nat Morcos أشخاص يتحدّثون معها عن مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، ويعود ذلك جزئياً إلى أنّ معظم صديقاتها أصغر منها بكثير. ولهذا السبب، دخلت هذه المرحلة بدون الكثير من المحادثات أو الإرشاد من المحيطين بها. أمّا Ruth Bradley فكانت قد سمعت عن كلٍّ من فترة ما قبل انقطاع الطمث وانقطاع الطمث، لكنّها لم تُعر الموضوع اهتماماً حقيقياً، حتى أدركت أنّ ذلك قد يحدث معها." وتشرح: "وضعتُ ذلك الموضوع في خانة الأمور التي تحدث للسيّدات المتقدّمات في السنّ وأهملته. وكان ذلك خطأً كبيراً".
Rania Masri El Khatib:"هذا الصمت يجعل النساء يشعرنَ بالوحدة أكثر ممّا يجب"

"هذا الصمت يجعل النساء يشعرنَ بالوحدة أكثر ممّا يجب، في حين أنّها في الحقيقة تجربة مشتركة تستحقّ الصراحة والوضوح"، تقول Rania Masri El Khatib. فقد بحثت عن الموضوع بنفسها، فقط لأنّها كنت دائماً فضوليّة حول صحة المرأة وطول عمرها. تتذكّر أنّها استمعت إلى بودكاست Huberman Lab مع الدكتورة Sara Gottfried، التي أجرت أبحاثاً واسعة حول هذا الموضوع. وتؤكّد أنّها قد عانت لفترة في العثور على طبيب عام يفهم مرحلة ما قبل انقطاع الطمث ومستعدّ لدعمها. ففي كثير من الأحيان، ينتظر الأطبّاء حتى تصل المرأة إلى مرحلة انقطاع الطمث "رسمياً" ليبدأوا في وصف العلاجات، ممّا يترك سنوات من حياة النساء بدون دعم.
الوصمة والفكاهة بعيداً عن الواقع
كما أنّ الأمر اللافت الذي تشير إليه Rania Masri El Khatib أيضاً، هو أنّ انقطاع الطمث غالباً ما يتمّ تحويله إلى مزحة؛ حيث يضحك الرجال على "زوجاتهم المتقلّبات المزاج". وتتابع: "هذا النوع من الفكاهة يعزّز الوصمة، في حين أنّ هذه التغيّرات في المزاج والنوم والطاقة هي نتيجة لتغيّرات بيولوجية عميقة. ما تحتاجه النساء هو التعاطف والدعم، وليس الإهمال". وتضيف: "تُظهر الدراسات أنّ معدّلات الطلاق ترتفع في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات: أي في الوقت الذي تكون فيه معظم النساء في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث. هذه المرحلة ليست مجرّد تغيّرات هرمونية؛ بل هي لحظة من الصفاء غالباً ما تكشف عما يكمن في الأعماق."
Zina Khair: " كلّما ربطنا أنفسنا بالساعة البيولوجية، كلّما شعرنا بثقلها أكثر "

وتؤكّد Zina Khair من جهتها أنّ مصطلح "مرحلة انقطاع الطمث" يُشار إليه في اللغة العربية غالباً بعبارة "سنّ اليأس" حيث تعتبر أنّ لغتنا نفسها تعكس مدى تجذّر هذه الوصمة الاجتماعية: فبدلاً من أن يُعتبر التقدّم في السنّ استمرارية وحكمة، يُصوَّر على أنه تدهور ويأس. وتشرح: "الأمر لا يتعلّق بالبيولوجيا أو العلم. بل يتعلّق بالإدراك والقصص. على مدى أجيال، تمّ تعريف النساء بشكل أساسي بقدرتهنّ على الإنجاب، وكانت علامات التقدّم في السنّ مرتبطة بفكرة "تاريخ انتهاء الصلاحية". في المقابل، ارتبط الرجال بأدوار السلطة والقيادة وطول العمر. كان تقدّمهم في العمر مرتبطاً بالمكانة، بينما كان تقدّمنا مقتصراً على البيولوجيا". وترى Zina Khair أنّ هذه السرديات الموروثة تقلّل من قيمتنا، في حين أنّ واقعنا اليوم أوسع بكثير. وتوضح قائلة: " كلّما ربطنا أنفسنا بالساعة البيولوجية، كلّما شعرنا بثقلها أكثر. وكلّما تحرّرنا منها، كلّما أصبحنا أكثر حريّة في رؤية هذه المرحلة كجزء من إيقاع الحياة الطبيعي، وليس كحدّ نهائي." وتضيف: "يجب أخذ أعراض هذه المرحلة على محمل الجد، علمياً وطبياً. لكن لا ينبغي التعامل معها على أنّها تمثّل قيوداً أو مؤشرات للنهاية. فإنّ تصويرها بهذه الطريقة يضيف وصمة اجتماعية على حقائق بيولوجية، ويحوّل ما يمكن أن يكون انتقالاً طبيعياً إلى قصة عن القيود." وتتساءل: "لماذا يساوي المجتمع بين تقدّم الرجل في السنّ والنمو، وبين تقدّم المرأة في السنّ والتدهور؟ وتجيب: "لأن القصص التي نرويها غير متكافئة. والسردية التي تربط انقطاع الطمث بالضعف لم تعد تعكس الواقع. التحدّي الآن هو إعادة كتابة القصة بحيث يتمّ تقدير تقدّم النساء في العمر على أنّه عمق واستمرارية وقوة."
الدخول في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث
كيف تدرك المرأة أنّها تدخل في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث؟ تخبرنا Nat Morcos: "إنّها مرحلة في حياة المرأة لا يستطيع أحد أن يخبرك متى ستبدأ أو متى ستنتهي. دائماً ما تشعرين أنّها بعيدة - ليس أنا، ليس الآن، ما زلت صغيرة جداً، هذا لن يحدث لي، ليس بعد. لكن في حالتي، لاحظت فجأة تحوّلاً في طريقة إدراكي لنفسي. استيقظت ذات صباح وبدأت أتساءل: من هي هذه المرأة؟ ما هي الموسيقى التي تحبّها؟ ما هو الطعام الذي تستمتع به؟ ما الذي تفعله حقاً في الحياة؟ هل هي سعيدة؟ هل هي راضية؟ شعرت بانفصال عميق، وكأنّني لم أعد أعرف نفسي من الداخل. وفي الخارج، بدأ جسدي يعكس هذا الشعور. تغيّر شعري، فأصبح أصفر وجافاً وهشاً، ولم يعد كما كان. تغيّر شكل جسدي أيضاً: زاد وزني رغم أنّني كنت أتناول نفس الطعام وأمارس النشاط الجسدي. فقدت بريقي، وفقدت ثقتي بنفسي. كان الأمر وكأنّ شخصاً قد أطفأ النور بداخلي. في تلك اللحظة عرفت أن شيئاً عميقاً يحدث، وبدأت أفهم أنّ هذه المرحلة قد حلّت، لتغيّرني من الداخل والخارج."
أمّا من جهة Rania Masri El Khatib، فقد بدأ الأمر بهدوء: صباح ضبابي، انخفاضات غير اعتيادية في الطاقة، وتقلّبات مزاجية لم تستطع تفسيرها. تتذكّر: "في البداية، كنت ألوم التوتر ونمط الحياة وحتى التنقّل المستمرّ إلى أبوظبي من أجل العمل. لكنّني ربطت هذه الأعراض لاحقاً بمرحلة ما قبل انقطاع الطمث. كان التأثير الأكبر بالنسبة إليّ على طاقتي وتركيزي. لقد ذكّرني ذلك بأنّ جسدي كان يغيّر سرعته، وكان عليّ أن أجاريه بدلاً من أن أقاومه."
Mimi Raad: " أكثر ما عانيتُ منه كان ضبابية الذاكرة "

من الأعراض الشائعة أيضاً عدم انتظام الدورة الشهريّة، وهذا ما اختبرته Mimi Raad، التي تشاركنا: "عندما أصبحت دورتي الشهرية غير منتظمة، ذهبت إلى الطبيب النسائي الذي أوضح لي أنّني في طريقي إلى بلوغ مرحلة انقطاع الطمث. كنت في السابعة أو الثامنة والأربعين من عمري." وتضيف: "لا أعتقد أنّني كنت مدركة تماماً لتأثيرات مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، حيث كنت بصحة جيدة وأنام جيداً وأتمرّن بانتظام ونشيطة ومفعمة بالطاقة. رغم أنّني كنت أشعر في بعض الأيام بالتعب والاكتئاب، لكنّني كنت أظنّ أنّ الأمر مرتبط بضغط العمل... لقد عانيت طبعاً من هبّات ساخنة متقطّعة وإرهاق خفيف، لكن أكثر ما عانيت منه كان ضبابية الذاكرة. ولم يكن لدي أي فكرة أنّ ذلك مرتبط بمرحلة ما قبل انقطاع الطمث إلّا بعد فترة طويلة عندما ذكرت إحدى الصديقات ذلك."
كذلك الأمر بالنسبة ل Ruth Bradley. فتقول: "كانت الدورات الشهرية غير المنتظمة المؤشّر الأوّل، وكانت متقلّبة بشكل لا يمكن التنبؤ به على الإطلاق، ولا تزال كذلك. نحن نتذمّر من الدورة الشهرية كنساء، ولكن عندما بدأت تنقطع، شعرت بحزن كبير، لأنها إشارة إلى انتهاء سنوات الإنجاب. ما زلت أحزن على هذا الأمر. لم أكن مستعدّة. لكن قد يكون أبرز أعراضها هو فقدان الذاكرة الذي يسبّب لي إرباكاً كبيراً. ويمكن أن يحدث ذلك في أي وقت، فقد أنسى ما كنت أقوله في منتصف الجملة، أو أدخل غرفة لأنسى سبب وجودي فيها. لطالما كنت أتمتّع بذاكرة قوية، لذا هناك شعور بأنك تفقدين نفسك قليلاً. كما هناك نوبات القلق غير المنطقيّة تماماً والشعور بالخطر الوشيك. إنه أمر مزعج جداً. ولا أتحدث عن ذلك كثيراً، لأنّنا في الواقع تعلّمنا ألّا نفعل!" وتتابع: "الأعراض اليومية الأكثر شيوعاً بالنسبة إليّ هي الأعراض الجسديّة وليس النفسيّة، على الرغم من أنّ الجانب النفسي بدأ أيضاً يظهر. إنّ النقص الكبير في الطاقة هو أبرز الأعراض التي ما زلت أعاني منها، إلى جانب الأوجاع والآلام في أجزاء من جسدي التي تؤثّر كثيراً على حياتي اليومية وممارسة التمارين الرياضية، مثل وركي الأيمن. لقد قضيت حوالى 50 عاماً من حياتي كأكثر شخص حيوية ونشاطاً في عائلتي، لذا كان من الصعب عليّ الانتقال من كوني مغامِرة نشطة تستيقظ مع بزوغ الفجر، إلى شخص يكافح من أجل البقاء مستيقظة يومياً، مع وجود مشكلة في وركي. وممّا لا شكّ فيه أنّ ذلك قد أثّر على مزاجي وهو أمر ما زلت أحاول معالجته. ما زلت أستيقظ مع بزوغ الفجر، لكن أصبح الأمر أصعب أكثر مؤخراً".
مسيرة التأقلم مع الأعراض
ما هي الاستراتيجيّات التي اتّبعنها للتّأقلم مع هذه العوارض وتخطيها؟ تخبرنا Rania Masri El Khatib أنّها اضطرت إلى إعادة تنظيم روتينها للتعامل مع الأعراض: انضباط أفضل في النوم، وتدريب منتظم للحفاظ على مرونة جسدها، وتناول المغنيسيوم لمساعدتها على الاسترخاء. كما أصبحت أكثر حرصاً على الطعام الذي تتناوله وعلى الحدّ ممّا يستنزف طاقتها. من الناحية الطبّية، تعلّمت أهمية صحّة الهرمونات ليس فقط للراحة الفورية، بل للرفاهية على المدى الطويل. فلا يتعلّق الأمر فقط بالهبّات الساخنة وتقلّبات المزاج، بل يتعلّق بحماية مستقبلنا. وتضيف: "لا يزال الدعم المجتمعي نادراً، لكنّ المحادثات بين النساء تزداد قوة. وهذا وحده يُعتبر خطوة إلى الأمام." أمّا Mimi Raad من جهتها، تؤكّد أنّها لم تحظَ بأي دعم باستثناء دائرة صديقاتها وعائلتها. وتقول: "كنّا نتحدث عن جميع الأعراض التي نمرّ بها، ولكن بشكل سطحي وسريع، ثم ننتقل إلى اهتمامات أخرى."
كانت أهمّ استراتيجية اتّبعتها Nat Morcos للتعامل مع الأعراض هي أن تقارب مرحلة ما قبل انقطاع الطمث بفضول وأن تخلق نظامها الخاص. ثقّفت نفسها بالكامل - قرأت كتباً، واستمعت إلى بودكاست، ودرست كلّ ما استطاعت - ولكن في النهاية، أدركت أنّها بحاجة إلى تصميم طريقة حياة تناسبها وحدها. أصبحت هي تجربتها الخاصّة، ودراستها الخاصة، ولا تزال كذلك. وتشرح: "بنيت نظاماً شخصياً حول المجالات الرئيسة التي كنت بحاجة لمعالجتها: الوزن وتغيّرات الجسم، تقلّبات المزاج، ضبابية الدماغ، وصورة الذات. فعندما بدأ شعري بالترقّق مثلاً، أخذت على عاتقي مهمة جعله ينمو أقوى وأكثر صحة من أي وقت مضى. وجّهت طاقتي نحو كلّ ابتكار وعلاج متاح - وبعد ثلاث سنوات، أصبح لدي الآن أطول وأصحّ شعر في حياتي. وعندما تغيّر وزني، لم أقبل بالتدهور. أعدت صياغة نظامي الغذائي وتدريبي، وبمساعدة مدرّب شخصي، ربطت الجسد والعقل ليصبحا آلة رياضية واحدة. اليوم، أنا أقوى جسدياً ممّا كنت عليه في العشرينات من عمري. ومع ضبابية الدماغ، تحدّيت نفسي لأبقى فضولية. بدأت أعمالاً جديدة، وتسجّلت لتعلّم لغات جديدة، واكتسبت مهارات جديدة، وأحطت نفسي بالطاقة الشبابية والمعرفة الجديدة. أصبح كلّ عارض دعوة للنمو، وليس شيئاً يجب المعاناة منه."
Ruth Bradley: " التواجد في الهواء الطلق هو أحد أهم وسائل العلاج الذاتي "

أمّا Ruth Bradley فقد ركّزت على أمرين أساسيّين، وتقول: "أن أشغل عقلي وأحرّك جسدي باستمرار. هذه هي طريقتي الخاصّة في التعامل مع كلّ أعراضي تقريباً، سواء كانت جسديّة أو نفسيّة. فإذا شعرت بالإحباط، أتحرّك. وإذا شعرت ببعض الضعف أو الانتفاخ، أتحرّك. إذا كنت متوتّرة أو قلقة، أتحرّك أيضاً. التمارين الرياضية مهمّة جدًا للنساء لا سيما أنّنا نفقد كتلة عضليّة قيّمة، لذا فإنّ تمارين القوة مهمّة جدًا بالنسبة إليّ، كما أنّها تبعدني أيضاً عن التكنولوجيا، وهو أمر بالغ الأهمية لأسباب كثيرة، وأبرزها أنّها تعطّل أنماط نومنا." وتتابع: "فالتصفّح المفرط للمحتوى السلبيّ يرهق الذهن ويخلّ بالتوازن النفسي. ولكنّ التواجد في الهواء الطلق هو أحد أهم وسائل العلاج الذاتي. فأحاول أن أستعيد تواصلي مع الأرض يومياً. أمّا بالنسبة إلى النشاط الذهني، فأحاول الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي قدر الإمكان، وأقضي الكثير من الوقت في ممارسة التمارين الذهنية مثل لعبة Wordle والقراءة، على الرغم من أنّ الأمر يزداد صعوبة لأنّني أفتقر إلى التركيز. وخطوتي التالية هي التدخّل الطبّي والعلاج الهرموني، لقد كنت أؤجّل الأمر لفترة طويلة جداً، ولكن لحسن الحظ، لديّ الدعم المناسب وأعرف أين أتوجّه. فإنّ مجموعة السيدات اللواتي تعرفّتُ إليهنّ في دبي على مدار الـ22 عاماً الماضية، هنّ جميعاً في نفس عمري تقريباً، لذا لدي مجموعة رائعة من الصديقات يمكنني طلب النصيحة منهنّ واللواتي يتحدّثن عن هذا الأمر علناً على منصاتهنّ. لقد التقيتُ أيضاً بطبيبة رائعة متخصّصة في مرحلة انقطاع الطمث، الدكتورة Tamara في المستشفى الأميركي، وهي مصدر موثوق في ما يتعلّق بهذا الموضوع. لذا سألجأ إليها".
تغيير النظرة إلى الذات والتعلّم من هذه الخبرة
كيف تغيّر مرحلة ما قبل انقطاع الطمث شعور المرأة تجاه نفسها أو جسدها أو هوّيتها كامرأة؟ تفسّر لنا Rania Masri El Khatib قائلة: "كانت تجربة تبعث على التواضع والقوة في آن واحد. التواضع لأنّ جسدي كان يطلب منّي أن أبطئ وأستمع. والقوّة لأنّني بدأت أرى هذه المرحلة كفصل جديد، يتجاوز تعريفه بالخصوبة، ليتجذّر في الحرّية والحكمة والقوة. على عكس سنوات مراهقتنا، عندما ظهرت الهرمونات لأوّل مرة ولم يكن لدينا الأدوات لفهمها، الآن لدينا الحكمة للاستماع إلى أجسادنا والترحيب بالتغيير. هذا يجعل مرحلة ما قبل انقطاع الطمث لا تبدو كخسارة، بل كتطوّر نحو مرحلة أكثر حرية وعمقاً في رحلتنا كنساء." وما الذي تعلّمته عن نفسها خلال هذه المرحلة؟ تقول لنا: "أعظم درس تعلّمته هو أنّ المرونة لا تعني بذل المزيد من الجهد، بل التكيّف بلباقة. تعلّمت أن أتعاطف مع نفسي وأن أتخلّى عن فكرة الكمال. علّمتني مرحلة ما قبل انقطاع الطمث أنّه بينما لا أستطيع التحكّم بالبيولوجيا، يمكنني التحكّم باستجابتي. أحياناً يعني ذلك أخذ قيلولة، أو تناول وجبة خفيفة لتعزيز طاقتي، وبدلاً من الشعور بالذنب، أرى ذلك على أنه ازدهار لنوع جديد من القوة. هناك قوة حقيقية في السكون، وأنا أتعلّم كيف أحتضنها."
أمّا Mimi Raad فتؤكّد من جهتها بالقول: "أعتقد أنّني خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث لم يكن لدي وقت للتفكير في الأمر والتساؤل عمّا يمكن فعله. لم أكن أظنّ جدياً أنّ الأمر مرتبط بمرحلة ما قبل انقطاع الطمث... بل مجرّد أعراض عابرة، وأنّ ما يحدث لي كان بالتأكيد نتيجة ضغط العمل. وبما أنّني شخص مرِن، واصلت ما أقوم به وعزّزت معنوياتي بمساعدة الأنشطة الجسدية وإحاطة نفسي بعائلة وأصدقاء مهتمّين." وفي خلال هذه المرحلة، أتقنت الإستماع بعناية أكبر لما يحاول جسدها أن يخبرها به.
Nat Morcos: " للمرّة الأولى في حياتي، منحت نفسي الإذن بإعطاء الأولوية لاحتياجاتي "

وقد علّمت هذه المرحلة Morcos Nat حبّ الذات غير المشروط. وتقول: "جعلتني أبدأ في احترام نفسي واحتياجاتي بطريقة لم أفعلها من قبل. اليوم، حبّ الذات أصبح هو أولويّتي. فأحرص على أن أتناول أفضل الأطعمة، وأتنفّس بأفضل طريقة، وأستحقّ الأفضل. وبذلك، تعلّمت أن أستمتع فعلاً بتجربتي كامرأة، أكثر بكثير من أي وقت مضى. أرى هذه المرحلة على أنّها تحوّل، وفرصة للنموّ في جسد مختلف وشخصية مختلفة. إنها خطوة نحو النضج والثبات والاتزان. الآن، أشعر بالاستقرار والأنوثة والتكامل. وبطرق متعدّدة، أستمتع بكوني امرأة الآن أكثر من أي وقت مضى في حياتي." وتتابع أنّ أعظم درس تعلّمته هو أنّ الروتين والتنظيم هما أساس استقرارها في الحياة. فبدونهما، يصبح كلّ شيء غير مستقرّ - مزاجها، طاقتها، ووضوحها. وبوجودهما، تشعر أنّها متحكّمة ومتوازنة ومفعمة بالحياة. وتضيف: "تعلّمت أن أخصّص فترات الصباح للشمس وتمارين التنفّس، ممّا يخلق لي مساحة لتنظيم أفكاري، وتهدئة جسدي، وتحديد نواياي. أصبحت حريصة جداً على الطعام الذي أتناوله، فأركّز على البروتين عالي الجودة والكولاجين والعناصر المغذّية، وأحمي سلامي الداخلي من خلال الوضوح الشديد بشأن ما يستحقّ طاقتي. أنا حريصة على كمية الكافيين التي أتناولها، ولم أعد أضحّي بالنوم أو بالرفاهية من أجل أي شيء لا يفيدني. أصبحت طقوس العلاج الحراري مثل الساونا وحمّامات الثلج والعلاج بالتبريد ضرورية أيضاً، فهي تساعدني على تنظيم جسدي وإعادة ضبط ذهني. لكنّ أكبر اكتشاف كان الحركة. لم يعد الأمر يتعلّق بإجبار نفسي على ممارسة الرياضة؛ بل أصبح يتعلّق بالرغبة في الفرح والقوة والقدرة والثقة التي تأتي من الحركة. والأهمّ من كلّ ذلك، علّمتني مرحلة ما قبل انقطاع الطمث أن حبّ الذات ليس خياراً. إنّه الأساس. للمرّة الأولى في حياتي، منحت نفسي الإذن بإعطاء الأولوية لاحتياجاتي، وهذا التحوّل لم يجعل هذه المرحلة محمولة فحسب، بل ومجزية للغاية."
وتشاركنا Ruth Bradley خبرتها بالقول: "لن أكذب وأقول إنّ الحياة رائعة، إذ لديّ تقلّبات نفسيّة متكرّرة، ولحظات من الشكّ الذاتي في العمل وليالٍ لا أستطيع فيها النوم، وأيّام أرغب فيها بالصراخ. لكن هناك الكثير من الأمور المذهلة التي يجب الاحتفاء بها مع التقدّم في السنّ، وأعتقد أنّ المجتمع ككلّ بحاجة إلى تغيير السردية المتعلّقة بالمرأة والتقدّم في السنّ، لأنّنا فقط نتحسّن مع الوقت. أنا في الخمسين من عمري، ويمكنني فعل الكثير من الأشياء التي لا تستطيع النساء في نصف عمري فعلها، لذا نعم، أعتبر نفسي رائعة جداً. لا أخجل من الاحتفاء بإنجازاتي الجسديّة، أو بإنجازات صديقاتي، وقد تعلّمت أن أكون لطيفة مع نفسي بشكل عام في ما يتعلّق بجسدي. لقد اكتسبت ذلك مع التقدّم في السنّ والخبرة، ولم أعد ألوم نفسي على أي شيء بل العكس هو الصحيح. لقد حقّق جسدي الكثير، وأنا فخورة بما يزال يحقّقه اليوم. فهذا الصيف مثلاً، سبحتُ عبر بحيرة كومو مع ابني، وكنت واحدة من 800 شخص فقط أكملوا هذا السباق. كان هذا الإنجاز مذهلاً. من الناحية الجسدية، قد لا أستطيع رفع 110 كيلوغرامات بعد الآن، لكنّني أستمتع تماماً بكوني قادرة على المشاركة في سباق الخيل والإبحار بالقارب والغوص في المحيطات في جميع أنحاء العالم. وأنوي الاستمرار في فعل ذلك حتى عندما أتقدّم أكثر في السنّ!" في هذه المرحلة من حياتها، تعلّمت أنّ ما حقّقته وما تعلّمته بين سنّ الأربعين والخمسين يفوق ما حقّقته في الأربعين سنة الأولى من حياتها! وتوضح قائلة: "أعتقد أنّ أكبر درس تعلّمته هو أنّ الحياة لم تنتهِ بمجرّد وصولي إلى "منتصف العمر"، بل إنّها بدأت للتو. ما زال أمامي النصف الثاني من حياتي، وإذا كانت السنوات العشر الماضية قد علّمتني شيئاً، فهو أنّني قادرة على تحقيق أكثر بكثير ممّا حققته في الخمسين سنة الأولى. "
ماذا عليك أن تعرفي قبل الدخول في هذه المرحلة؟
"انقطاع الطمث هو مرآة ثقافية تعكس طريقة تقييم المجتمع للتقدّم في السنّ، وطريقة تعريفه المرأة، وطريقة روايته قصّة مراحل الحياة. ما يتغيّر هو السردية التي نختار أن نرويها"، تختتم Zina Khair. فما الذي ينبغي أن تعرفيه قبل أن تخوضي هذه المرحلة؟
تتمنّى Rania Masri El Khatib أن تتعلّم النساء أنّ هذه المرحلة ليست عبارة عن نهاية، بل إنّها انتقالية. وتختتم قائلة: "بشكل عام، تبدأ هذه المرحلة في منتصف الأربعينات من العمر، وأحياناً قبل ذلك، ويمكن أن تستمرّ لسنوات. قد تؤثّر على النوم والمزاج والطاقة، ولكنّها ليست "مجرّد حالة نفسية"، بل هي مسألة بيولوجية. أتمنّى لو قيل للنساء أن يتابعنَ دوراتهنّ الشهرية مبكراً، ويبنينَ كثافة العضلات والعظام، ويهيّئنَ أجسادهنّ للتغيّرات الهرمونية القادمة. لا يتعلّق الأمر بالتقدّم في السنّ، بل بالحفاظ على صحّتنا وحيويّتنا لأطول فترة ممكنة. بمجرّد أن تفهمي الجانب العلميّ، تدركين أنّ المخاطر أكبر من مجرّد تقلّبات مزاجية. إذ يتعلّق الأمر بحماية صحّة الدماغ والقلب والعظام للعقود القادمة." وكلّما جعلنا هذه المحادثات أكثر طبيعية، كلّما شعرت النساء بأنهنّ أكثر استعداداً وتمكيناً لدخول هذا الفصل من حياتهنّ."
أمّا Mimi Raad تتمنّى أن تتعلّم النساء قبل دخولهنّ هذه المرحلة من الحياة أن يكنّ على دراية تامّة بما يمكن توقّعه، من إيجابيّات وسلبيّات، وبالأعراض وكيفية التعامل معها ليشعرنَ بالراحة ويحافظنَ على استمرارية حياتهنّ بسلاسة. وتتمنّى بالتأكيد أن تكون لديهنّ صورة كاملة عمّا هو قادم وعن أفضل وأصحّ الطرق للتعامل مع هذا الفصل الجديد في حياة المرأة. تختتم قائلة: "عندما وصلت إلى مرحلة انقطاع الطمث، أوصاني الطبيب النسائي بالعلاج بالهرمونات البديلة الذي ألتزم به منذ 8 أو 9 سنوات. وأخضع لمتابعة طبّية دقيقة كلّ 6 أشهر. إلى جانب العلاج بالهرمونات، أتناول الفيتامينات المتعدّدة، وأتبع نظاماً غذائياً صارماً وأمارس التمارين الرياضية. لقد استعدت طاقتي وحماسي. ومع ذلك، هناك أيام أشعر فيها بالتعب والاكتئاب، وبضبابية الدماغ طبعاً."
ومن جهتها تؤكّد Nat Morcos: "كانت الأربعينات من عمري حتى الآن أجمل مرحلة في حياتي، وأنا أتطلّع حقاً إلى الخمسينات، وأعتقد أنّها ستكون أجمل. للنساء في الثلاثينات أو منتصف الثلاثينات من العمر، اللواتي يشعرنَ بأن هذه المرحلة بعيدة ولكنّها ليست ببعيدة جداً، أقول: إنّها مجرّد رحلة مثل كلّ الرحلات الأخرى التي مرّت بها أجسادنا. كنساء، عشنا الكثير من التحوّلات - البلوغ، والدورات الشهرية، والحمل، وفترة ما بعد الولادة، وغيرها. مرحلة ما قبل انقطاع الطمث هي ببساطة مرحلة أخرى من تلك المراحل. قد تكون الأطول، نعم، لكنّها تحمل أيضاً جمالها وحكمتها الخاصّة. تترافق مع دموعها، ومع التساؤلات العميقة عن الذات، ومع لحظات من إعادة الاكتشاف. ولكن من كلّ هذا، تولد ذات جديدة، مثل فراشة تخرج من شرنقتها. هكذا أرى هذا الفصل: ليس كشيء يجب الخوف منه، بل كشيء يجب الترحيب به. إنّها فرصة لتصبحي نسخة مختلفة من نفسك، أكثر نضجاً وأكثر إشراقاً وأكثر اكتمالاً."
وتوجّه Ruth Bradleyرسالة لكنّ وتقول: "أولاً، لا تنتظرنَ حتى تصلنَ إلى هذه المرحلة من حياتكنّ لتثقيف أنفسكنّ عنها. فأتمنّى لو كنتُ شخصياً مستعدّة بشكل أفضل. ولكن في الوقت نفسه، لا داعي للهلع لأنّ الأمر ليس كلّه كآبة ويأس. أنظر حولي إلى جميع النساء من جيلي، وأشعر بالدهشة كلّ يوم. الجمال والذكاء والإنجازات؛ أنا محاطة بأروع النساء اللواتي يمررنَ بنفس مرحلة الولادة الجديدة التي أمرّ بها. قد يكون الأمر مخيفاً في البداية، حين تحاولين التكيّف مع هذه النسخة الجديدة منك جسدياً وعقلياً، لذا فإنّ آخر شيء تحتاجين إلى فعله بالإضافة إلى كلّ هذا هو الاعتذار عن ذلك أيضاً!"
إقرئي أيضاً: مرحلة ما قبل انقطاع الطمث... لنكسر الصمت