ما هو الأسلوب الشخصي؟
قد يبدو الأسلوب الشخصي في أبسط تعريفاته طريقة نختار بها ملابسنا: ألوان نحبها، قصّات نرتاح إليها، وقطع نعود إليها أكثر من غيرها. لكن ما نسميه “أسلوباً شخصياً” لا يبدأ من الخزانة وحدها، بل من العلاقة التي نبنيها مع أنفسنا ومع صورتنا ومع الطريقة التي نريد أن نظهر بها أمام العالم. فالملابس من أكثر الأشياء التي نختارها بشكل متكرر في حياتنا، ومع تكرار هذه الاختيارات تبدأ بعض القرارات في الظهور من دون أن نخطط لها بالضرورة: لون نختاره دائماً، نوع معين من القمصان، طريقة محددة في ارتداء الحقيبة، أو قطعة نشعر أنها تشبهنا مهما تغيّرت الصيحات من حولنا. ومع الوقت، تتحول هذه التفاصيل الصغيرة إلى شيء أكبر من مجرد ذوق؛ تصبح لغة خاصة بنا.


ولهذا لا يُبنى الأسلوب الشخصي في يوم واحد، ولا يمكن شراؤه دفعة واحدة مع خزانة جديدة. هو يتكوّن ببطء، من الأشياء التي نختار أن نبقيها معنا ومن الأشياء التي نتركها. قد ننجذب إلى صيحة معينة، ونجرّبها، ثم نكتشف بعد أشهر أنها لم تكن قريبة منا فعلاً. وفي المقابل، قد تبقى قطعة بسيطة في خزانة الملابس لسنوات لأنها أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية. هنا يظهر الفرق بين أن نحب شيئاً، وأن نشعر أن هذا الشيء يشبهنا. فليس كل ما يعجبنا يجب أن يصبح جزءاً من أسلوبنا، وليس كل ما هو رائج يجب أن يجد مكاناً في خزانتنا.
ولهذا أيضاً يختلف الأسلوب الشخصي عن الصيحات. فالصيحة تخبرنا بما هو حاضر الآن، أما الأسلوب فيكشف ما الذي نختاره حتى بعد أن يختفي هذا الحضور. قد نرى إطلالة جميلة على شخص آخر ونرغب في تقليدها بالكامل، لكن هذا لا يعني أنها ستشعر بالطبيعية علينا. فقد يعجبنا فستان جريء من بعيد، لكننا لا نشعر بالراحة عندما نرتديه، بينما قد نعود إلى قميص أبيض بسيط عشرات المرات لأنه يناسب طريقتنا في الحركة والحياة. الأسلوب الشخصي، في النهاية، لا يتعلق فقط بما نراه جميلاً، بل بما نشعر أنه صادق علينا.
وفي الوقت نفسه، لا يعني امتلاك أسلوب شخصي أن نبقى على الشكل نفسه طوال حياتنا. فالإنسان يتغير، وطبيعي أن تتغير ملابسه معه. ما نختاره في بداية العشرينات قد لا يكون هو نفسه ما نريده بعد سنوات، ليس لأن اختيارنا السابق كان خاطئاً، بل لأن حياتنا نفسها تغيّرت. العمل، والسفر، والعمر، والثقة بالنفس، والعلاقات، وحتى المدن التي نعيش فيها، كلها تدخل بطريقة أو بأخرى إلى خزانة الملابس. قد تأتي مرحلة نبحث فيها عن حضور أكثر جرأة، ثم نصل إلى مرحلة أخرى نفضّل فيها البساطة والهدوء. وفي الحالتين، يبقى الأسلوب الشخصي حاضراً لأنه لا يقوم على شكل ثابت، بل على طريقة مستمرة في الاختيار.



ولهذا يمكن لخزانة الملابس أن تصبح مع الوقت نوعاً من السيرة الذاتية الصامتة. هناك قطع نحتفظ بها لأنها تذكرنا بمرحلة معينة، وأخرى نشتريها عندما نشعر أننا نريد بداية جديدة، وقطع نتوقف عن ارتدائها رغم أننا أحببناها لسنوات، ليس لأنها تغيّرت، بل لأن علاقتنا بها تغيّرت. أحياناً تخبرنا خزانة الملابس عن أنفسنا أكثر مما نلاحظ: ما الذي تمسكنا به، ما الذي تجاوزناه، وما الذي أصبح يمثلنا اليوم.
ومن هنا أيضاً نفهم لماذا يصعب تقليد الأسلوب الشخصي بشكل كامل. يمكن لشخصين أن يرتديا القطعة نفسها، لكن النتيجة لن تكون واحدة. قد يلف أحدهما أكمام القميص بينما يتركها الآخر كما هي، وقد ينسقه أحدهما مع سروال رسمي والآخر مع جينز قديم. القطعة واحدة، لكن طريقة التعامل معها مختلفة، لأن الأسلوب لا يوجد في الملابس وحدها، بل في الشخص الذي يرتديها. وغالباً ما يظهر هذا الفرق في التفاصيل الصغيرة أكثر من القطع الملفتة: في طول البنطال، وفي المجوهرات التي لا نخلعها، وفي ميلنا إلى الأقمشة الناعمة أو القصّات الواضحة، وفي الطريقة التي نكرر بها قطعة معينة من دون أن نشعر بالحاجة إلى استبدالها.


لكن تكوين هذا الأسلوب أصبح اليوم أكثر تعقيداً. فنحن نعيش في وقت نرى فيه مئات الصور والإطلالات يومياً، من Instagram وPinterest إلى TikTok والمنصات المختلفة. نرى القطعة نفسها على أكثر من شخص، ونرى طريقة التنسيق نفسها تتكرر، ونرى صيحات تظهر وتنتشر وتختفي بسرعة كبيرة. هذه الوفرة تمنحنا الكثير من الأفكار، لكنها قد تجعل معرفة ما نحبه فعلاً أكثر صعوبة. فكلما رأينا الشيء نفسه مرات كثيرة، قد نبدأ في الاعتقاد أننا نريده، بينما نحن في الحقيقة اعتدنا فقط على رؤيته.
وهنا ربما تكمن فكرة “الأسلوب الشخصي المفقود”. المشكلة ليست في أننا لم نعد نملك ذوقاً، بل في أن الأصوات حولنا أصبحت أعلى. أصبح من السهل أن نرى إطلالة كاملة ونشتري كل ما فيها، وأن نكرر طريقة شخص آخر في ارتداء القطع نفسها. ومع كثرة الصور والمراجع، قد يصبح من الصعب أن نعرف أين ينتهي التأثر وأين يبدأ اختيارنا نحن. هل اخترنا هذه القطعة لأنها تناسبنا فعلاً، أم لأننا رأيناها عشرات المرات هذا الأسبوع؟ هل أحببنا هذا اللون، أم اعتدنا فقط على رؤيته في كل مكان؟
وهذا لا يعني أن الأسلوب الشخصي يجب أن يتكوّن بعيداً عن التأثيرات. نحن جميعاً نتأثر، وهذا جزء طبيعي من تكوين الذوق. نتأثر بالأشخاص حولنا، بالمدن التي نعيش فيها، بالأفلام، بالموسيقى، بصورة قديمة، بوالدتنا أو جدتنا، وبأول شخص جعل قطعة معينة تبدو مختلفة في أعيننا. لكن الأسلوب يبدأ فعلاً عندما نأخذ كل هذه التأثيرات ونختار منها ما يبقى معنا. ليس المطلوب أن نكون مختلفين لمجرد أن نبدو مختلفين، ولا أن نبحث عن الغرابة حتى يقال إن لدينا أسلوباً خاصاً. أحياناً يكون الأسلوب شديد البساطة، لكنه واضح.
وقد تكون هذه هي النقطة الأهم. فالأسلوب الشخصي لا يحتاج دائماً إلى التنوع، بقدر ما يحتاج إلى الوضوح. قد ترتدي امرأة الأسود معظم الوقت، لكنها تعرف تماماً أي قصّات تحب وأي أقمشة تختار. وقد يكرر شخص القميص الأبيض نفسه لسنوات، لكن بطريقة أصبحت جزءاً من صورته. هنا لا يأتي الأسلوب من كثرة القطع، بل من معرفة ما يناسبنا وما نريد أن نستمر فيه.
ومع الوقت، يصبح الشخص الذي يعرف أسلوبه أقل حاجة إلى إثباته. لا لأنه توقف عن التجربة، بل لأنه أصبح يعرف نفسه أكثر. يعرف ما الذي سيبقى في خزانته، وما الذي سيمل منه بسرعة، وما الذي يمكنه أن يجرّبه من دون أن يشعر أنه يرتدي شخصية شخص آخر. وهنا يصبح الأسلوب أقل ارتباطاً بالسؤال: ماذا يجب أن أرتدي؟ وأكثر ارتباطاً بسؤال آخر: ماذا كنت سأختار لو لم أرَ ماذا يرتدي الجميع؟
وربما تبدأ الإجابة الحقيقية من هنا. فالأسلوب الشخصي ليس شكلاً ثابتاً نصل إليه ونبقى داخله، بل طريقة نعرف بها أنفسنا ونحن نتغير. هو القدرة على أن نتأثر من دون أن نختفي داخل تأثيرات الآخرين، وأن نجرّب من دون أن نفقد ما يشبهنا، وأن نختار من كل ما نراه ما يمكن أن يصبح جزءاً منا فعلاً.
لهذا قد لا يكون الأسلوب الشخصي فناً فقدناه تماماً، بقدر ما هو فن أصبح يحتاج إلى انتباه أكبر. وفي زمن يخبرنا كل يوم بما يجب أن نحب، قد تصبح أكثر علامة على الأسلوب الحقيقي هي أن نعرف ما الذي نحبه نحن.
إقرئي أيضاً: “صنعه إنسان”… كلمتان تختصران الرفاهية الجديدة








