لا يُعدّ منزل ماتيو الخضر في بيروت مجرّد مساحة مصمّمة بعناية، بل هو أشبه ببورتريه ذاتي للمغنّي الأوبرالي والرسّام، يتجدّد باستمرار. يمثّل هذا المنزل ملاذ جامع تحفٍ، غنيّاً بالتفاصيل المتعدّدة الطبقات، تتداخل فيه أنماط الـArt Deco مع اللمسات العثمانية والاستشراقية والبورتريهات الأوروبية والقطع الكلاسيكية وتفاصيل من منتصف القرن الماضي، إلى جانب السجّاد الفارسي والسيراميك والمنسوجات والكتب وأعمال فنّية وفيرة. وفي ظلّ غناه البصري، يروي هذا المنزل حكايات عدة في آنٍ واحد. فهو لم يصمَّم ليظهر كمشهد متكامل، بل تراكمت عناصره بتأنٍّ، تماماً كما تتراكم الذكريات على مدى الحياة. إنّه بيت ينبض بالحياة، يجتمع فيه الأصدقاء تحت اللوحات والثريات، وتتعايش فيه القطع الفنّية من ثقافات وأجيال مختلفة بتناغم عفويّ. وقد سنحت لنا فرصة زيارته، فوجدنا أنفسنا أمام مساحة شخصيّة بامتياز، مسرحية الطابع دون تكلّف، مشبعة بالحنين دون أن تتجمّد في الماضي!
مديرة المحتوى: Jessica Bounni
مديرة التحرير والإعداد: Arzé Nakhlé
التصوير: Bernard Khalil
ما هي الجوانب المشتركة بين التصميم الداخلي لهذا المنزل وشخصيّتك؟
أعتقد أن منزلي هو الصورة الأكثر دقّة لشخصيتي. فهو انتقائي ويتميّز بنزعة مسرحية، وربما بقليل من الجرأة غير التقليدية، لكنّه في الوقت ذاته يعبق بدفء كبير. لم أحبّ يوماً التصاميم الداخلية التي تبدو محسوبة ومدروسة أكثر من اللازم، أو تلك التي تنتمي بأكملها إلى عصر واحد. فأنا أعشق أنماط الـArt Deco والتناسب الكلاسيكي واللمسات الشرقية والأناقة الإيطالية والفرنسية، لكنّني في الوقت نفسه أحبّ تلك القطعة غير المتوقّعة التي تكسر المألوف وتغيّر المشهد برمّته.
وأظنّني أمتلك السمات نفسها. فأنا مغنٍ أوبرالي ورسّام، قد أكون شديد الانضباط في عملي، لكنّني عفويّ للغاية في كلّ شيء آخر. بالطبع، هناك حسّ دراميّ واضح يبرز في المنزل – ولا أدّعي عكس ذلك – لكن ثمة أيضاً مساحة للدعابة والحنين، وتعلّقاً كبيراً بالجمال. لا توجد قطعة واحدة هناك لمجرّد أنها معاصرة وتحاكي الموضة، بل لا بد أن تحرّك فيّ إحساساً ما.
القطع المبهرة التي نراها تمتدّ عبر أجيال وثقافات متنوّعة. ما هي الحكايات التي يرويها هذا المنزل، وكيف تتلاقى معاً؟
يروي هذا المنزل حكايات عدة في آنٍ واحد، وهو تماماً ما كنت أريده. فثمة أغراض تنتمي لأجيال متعاقبة، وقطع تذكّرني بعائلتي، وأخرى جمعتها، إلى جانب أعمال فنّية وتحف نادرة وتذكارات حصلت عليها أثناء رحلاتي، بالإضافة إلى قطع جذبتني ببساطة دون أن أعرف أين سأضعها.
لا أؤمن حقاً بأنّ القطع الجميلة بحاجة إلى أن تنتمي إلى العصر نفسه لتتعايش في مكان واحد، إذ يمكن لقطعة من طراز الـArt Deco أن تتواجد بجانب تحفة ذات طابع شرقي، أو لقطعة أوروبية جداً أن تجاور أخرى ذات هوية لبنانية أصيلة. ومع مرور الوقت، تبدأ هذه العناصر في خلق حوار خاصّ في ما بينها. أمّا الخيط الذي يربط بينها جميعاً فهو رؤيتي الخاصّة، والأهمّ من ذلك، علاقتي العاطفية بها. لم يصمَّم هذا المنزل ليظهر كمشهد متكامل، بل تراكمت عناصره بتأنٍّ، تماماً كما تتراكم الذكريات على مدى الحياة.
نشأت محاطاً بالفنّ والموسيقى والهندسة والقطع الجميلة، إلى أي مدى يُعدّ هذا المنزل امتداداً للبيت الذي نشأت فيه؟
إلى حدّ كبير، وإن لم يكن ذلك بطريقة حرفية. فقد نشأت وأنا أدرك أن المنزل ليس مجرّد مكان وظيفي، بل مساحة مليئة باللوحات والموسيقى والأغراض الجميلة والأحاديث الخاصة حول الموائد. كان الجمال جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وليس مفهوماً مخصصاً للمتاحف أو المناسبات الخاصة. وأعتقد أن أكثر ما ورثته هو تلك الحساسية والذوق. صحيح أنّ منزلي لا يشبه تماماً القصر التراثي المهيب من عشرينيات القرن الماضي الذي نشأتُ فيه في بيروت والذي بناه أجدادي اليونانيّون، لأنّني ابتكرت لغتي الخاصّة بطبيعة الحال، لكن الحدس يبقى واحداً: يجب أن يكون للمنزل جوهر، وأن يعكس شيئاً عن الأشخاص الذين يسكنون فيه. وأظنّ أن شغفي بالمقتنيات والحرفية والقطع القديمة، ولا سيما تلك التي تحمل ذكريات، ينبع أساساً من الطريقة التي نشأت عليها.
ما هي القطعة التي تحمل أكبر قيمة عاطفية بالنسبة لك في هذا المنزل، ولماذا؟
هناك قطع كثيرة يمكنني اختيارها، لكن الغريب أنّ بعض الأغراض ذات القيمة العاطفية الأكبر ليست بالضرورة الأغلى ثمناً. فبعد انفجار مرفأ بيروت، حين تدمّر منزلي بالكامل، فضّلتُ الاحتفاظ ببعض أعمالي الفنّية ومقتنياتي المتضرّرة بدلاً من ترميمها أو التخلّص منها. لقد أصبحت تلك القطع بالنسبة إليّ شواهد حيّة. فهي لا تحمل ذكرى ما حدث فحسب، بل تحمل أيضاً مفهوم النجاة وإعادة الإعمار. لقد قمت بترميم المنزل، لكنّني لم أرغب في محو كلّ الندوب. فهناك بُعد إنساني عميق جداً في أن ندع القطعة تحمل تاريخها. لذا، عندما أنظر إلى تلك القطع اليوم، لا أرى أشياء مكسورة، بل أرى كلّ ما حدث قبل تلك اللحظة، وكلّ ما أتى بعدها.
هلّا تشاركنا ذكرى خاصة عشتها أثناء عملك على ديكور هذا المنزل الداخلي؟
أكثر ما أتذكّره هو تلك المرحلة التي تلت الانفجار. فقد وجدت نفسي مضطراً لإعادة بناء منزل أعرفه حتى أدقّ تفاصيله، لكنّني أصبحت فجأة أمتلك الفرصة – والمسؤولية أيضاً – لإعادة ابتكاره من جديد.
كانت لحظة غريبة تلك التي انتهت فيها أعمال الترميم المعماري، وبدأت بإعادة اللوحات والأثاث والمقتنيات إلى أماكانها. هناك تحديداً توقّف الأمر عن كونه مجرّد مشروع ترميم، ليعود منزلي إليّ مجدداً. أتذكّر كيف كنت أنقل القطع باستمرار وفي أوقات متأخرة، فأُعلّق لوحة على جدار ما، ثمّ أستيقظ في الصباح التالي مقتنعاً أنّ مكانها الأنسب على جدارٍ آخر. في الواقع، ما زلت أفعل ذلك حتى اليوم! فمنزلي لا يصل أبداً إلى مرحلة “الاكتمال النهائي”، ولا أعتقد أنّ المنزل ينبغي أن يكون كذلك أبداً.
ما بين الألوان والطبعات والتحف الثمينة، هل ثمة ركن محدّد تجد فيه نفسك أكثر من غيره؟
ربما تكون تلك المساحات التي تتعايش فيها لوحاتي الفنّية جنباً إلى جنب مع القطع التي جمعتها. فأنا أحبّ الجلوس في مكان أستطيع منه رؤية طبقات متعدّدة من حياتي في آن واحد – لوحة، مصباح جميل، قطعة قديمة، كتب، أزهار، وغرض فخم بعض الشيء بجانب قطعة أخرى في غاية البساطة.
تلك الأركان هي الأقرب إلى شخصيّتي لأنها لم تُصمَّم من أجل إبهار أحد، بل تطوّرت بشكل طبيعي. كما أنّني أحبّ الزهور والطبيعة الصامتة، ولعلّ ذلك يعود لكوني رسّاماً، لذا تجدين دائماً شيئاً ينبض بالحياة أو يتغيّر باستمرار داخل المنزل. فالضوء يتبدّل، والأزهار تذبل لتفسح المجال لغيرها، وقطعة ما تغيّر مكانها. أنا أحبّ المساحات التي تتنفّس.
لقد مثّلت وغنّيت الأوبرا ورسمت ولديك شغف كبير بالتصميم والديكور الداخلي. أيّ جانب من شخصيتك يبرز عندما تكون بمفردك تماماً في المنزل؟
كلّها مجتمعة – وربما ولا واحدة منها. عندما أكون بمفردي في المنزل، لا أفصل حقاً بين المغنّي والرسّام أو الممثّل. فقد أكون مستمعاً إلى الموسيقى، ثم ألاحظ فجأة سقوط الضوء بشكل رائع على زاوية ما، فأبدأ بالتفكير كرسّام. قد أتدرّب على الغناء، أو أحرّك قطعة أثاث، أو أطهو، أو أقرأ، أو أقضي وقتاً طويلاً في التردّد حول نقل غرض ما عشرة سنتيمترات نحو اليسار! لكنّني أعتقد أنّ الجانب الذي يخرج إلى النور أكثر من شخصيتي حين أكون وحدي هو المراقب ببساطة. فأنا أكثر هدوءاً ممّا قد يتخيّله الناس. حياتي المهنية مكشوفة للغاية – المسرح، الكاميرات، الجمهور، ووسائل التواصل الاجتماعي – لذا يُعدّ المنزل ملاذي الذي لا أكون فيه مضطراً لتقديم أي عرض، بل المكان الذي أعود فيه إلى نفسي.
أنت تمتلك خامة صوتيّة استثنائية وفريدة من نوعها. هل تنظر إلى صوتك كآلة موسيقية أم كهوية؟ وما هي الأغنية أو المعزوفة التي تجد أنها تناسب منزلك؟
بدأ صوتي كآلة موسيقية كان عليّ فهمها وإتقانها، خاصّةً وأنّ صوت الـ Countertenor أي الصوت الرجالي الحادّ، يُعدّ آلة دقيقة وفريدة من نوعها. لكن بعد كلّ هذه السنوات، أصبح بطبيعة الحال جزءاً أصيلاً من هويتي. فهو الذي أخذني حول العالم، وعرّفني على شخصيات استثنائية، وسمح لي بالتعبير عن أشياء ما كان للّغة العادية أن تشرحها أبداً. أمّا بالنسبة إلى المنزل، فسأختار موسيقى الباروك، ربما إحدى مقطوعات Vivaldi، إذ تجتمع في موسيقى الباروك توليفة أعشقها: الانضباط مع الترف، والهندسة المعمارية مع العاطفة. كلّ شيء فيها يمتلك هيكلاً متماسكاً، ومع ذلك نجد داخل هذا الهيكل مساحة هائلة من الحرية والدراما. وأعتقد أنّ منزلي يتمتّع بشيء من ذلك أيضاً.
ما الذي يتيحه لك الرسم للتعبير عنه ولا تستطيع الموسيقى منحك إياه؟
الموسيقى تعيش في الزمان. فأنت تغنّين جملة موسيقية، تتردّد، ثم تتوارى وتختفي، وهذا تحديداً جزء من جمالها. أمّا الرسم فيمنحني شعوراً يناقض ذلك تماماً: إنه يتيح لي قدرة إيقاف الزمن.
فحين أرسم، أكون في عزلة تامّة مع اللوحة. لا وجود لأوركسترا، ولا مايسترو، ولا جمهور، ولا تصفيقٍ فورّي. إنّها علاقة أكثر صمتاً مع ذاتي. إذ يمكنني قضاء ساعات طويلة مع لون واحد، أو تدمير ما رسمته أمس لإعادة بنائه من جديد. ولعلّ الرسم يكشف عن نوعٍ آخر من الخصوصية. فصوتي يعبّر من خلال مؤلّف موسيقي، وكلمات نصّ، وشخصية أؤدّيها، بينما لا مكان للاختباء على اللوحة، فكلّ حركة هي حركتي الخاصّة.
هل هناك أي مشاريع مستقبليّة مشوّقة تودّ مشاركتنا إيّاها؟
نعم، إنّها لحظة مشوّقة بشكل خاصّ بالنسبة إليّ على الصعيد الموسيقي. فقد سجّلت مؤخراً ألبوماً جديداً في مدريد بمشاركة موسيقيين من عالم Buena Vista Social Club، في مشروعٍ يجمع بين لغتين موسيقيتين قريبتين جداً إلى قلبي: الأوبرا والموسيقى اللاتينية. لقد كانت تجربة رائعة أن آخذ صوت الـ Countertenor – وهي خامة ارتبطت في أذهان الجمهور بموسيقى الباروك الكلاسيكي – لأضعها في هذا العالم المختلف تماماً المليء بالإيقاع والدفء والحفاوة. أنا أفضّل دائماً المشاريع التي تخلق تقاطعات غير متوقّعة بدلاً من الاكتفاء بتكرار ما يعرفه الناس عنّي. يمثّل هذا الألبوم فصلاً جديداً في مسيرتي، وثمة تطوّرات واعدة تحيط به على المستوى الدولي سأكشف عنها قريباً. وبالطبع، أواصل الرسم. ففي الواقع، تبدو الموسيقى والرسم وكأنهما يتبادلان الأدوار باستمرار في الاستحواذ على حياتي – ولا أظنّني سأتمكّن يوماً من الاختيار بينهما.





















