ياسمين الدباغ: أملي أن نستخدم الفرص التي أُتيحت لنا للإسهام إيجابياً في وطننا

ياسمين الدباغ: أملي أن نستخدم الفرص التي أُتيحت لنا للإسهام إيجابياً في وطننا
23 سبتمبر 2026 • إعداد: أرزة نخلة

في كلّ زمن، هناك نساء لا يكتفينَ بتخطّي الحدود، بل يُعدنَ رسمها. نساء يخترنَ أن يكتبنَ أسماءهنّ في مساحات لم تكُن مخصصة لهنّ تقليديّاً. فيخترقنَ هذه المجالات والمهن ويمضينَ نحوها بعزم. ويشرّعنَ بذلك الأبواب لشابّات أخريات لحذو حذوهنّ. هؤلاء النساء غيّرنَ العالم من خلال ثقتهنّ ومبادرتهنّ، فلم يدعنَ أيّ صورة نمطيّة تقف في وجههنّ. فلا يرتبط النّجاح والريادة والقيادة بالجندر، بل بعزيمة الإنسان وجرأته واتّساع أحلامه. في هذا التقرير نتعرّف إلى الرياضية السعودية  ياسمين الدباغ التي جعلت من النّجاح أثراً يمتدّ إلى ما هو أبعد من قصتها. تابعينا في هذه السطور حيث تشاركنا أيضاً رسالتها في اليوم الوطنيّ السعوديّ. 


بدأ شغف ياسمين الدباغ الحقيقي بألعاب القوى خلال دورة الألعاب الأولمبيّة في بكين عام 2008. في ذلك الوقت، كانت سباقات السرعة لا تزال تُعَدّ خياراً غير مألوفاً للنساء في السعودية، لكنّ ذلك لم يثنيها يوماً عن المضي قدماً. حيث شاركت في الألعاب الأولمبية وفازت بالميدالية الذهبية في النسخة الأولى من دورة الألعاب السعودية. كما أضحت أوّل امرأة سعوديّة تشارك في بطولة العالم لألعاب القوى، وأوّل امرأة سعوديّة تحمل علم المملكة في دورة أولمبية، كما حقّقت عدة أرقام قياسية وطنية. تعرّفي إليها عن قرب في ما يلي. 

عندما تسترجع ياسمين الدباغ البدايات، تعتقد أنّ حبّها لسباقات السرعة بدأ قبل وقت طويل من دخولها إلى مضمار ألعاب القوى. فمن أقدم ذكرياتها التسابق مع إخوتها وأصدقائها لمجرّد متعة معرفة من سيصل إلى خط النهاية أوّلاً. وحتى اليوم، تعيدها سباقات السرعة إلى ذلك الشعور؛ فثمّة شيء في الجري بأقصى سرعة يجعلها تشعر وكأنّها طفلة من جديد، حرّة تماماً ومفعمة بالحياة. فالسرعة بالنسبة لها تحديداً لها إحساس لا يشبه أي شيء آخر. مع بداية شغفها الحقيقي بألعاب القوى، كانت تريد للفتيات الصغيرات أن يعرفن أنّ القوة والأنوثة لا تتعارضان، والأهمّ من ذلك أن يتحلّين بالشجاعة لملاحقة ما يحببنه بصدق، بصرف النظر عمّا يتوقعه المجتمع منهنّ. وتقول: “ألعاب القوى رياضة صريحة وقاسية بطبيعتها؛ فلا توجد فيها طرق مختصرة. إمّا أن تحضري وتبذلي الجهد، أو لا تفعلي. وقد علّمتني سباقات السرعة الانضباط والصلابة النفسية، لكنّها علمتني قبل كلّ شيء أن أسعى إلى التميّز، وأن أتوكّل على الله في النتيجة، وأن أستمتع بالرحلة التي كتبها لي.” 

تأكّدي من أنّكِ لن تكوني الأخيرة

أن تُعَدّ من رائدات ألعاب القوى النسائية السعودية هو شرف كبير بالنسبة للدباغ، لكنّه مسؤولية أيضاً. وتضيف: “مع مرور الوقت، أدركت مدى قوّة التمثيل والقدوة، وكيف يمكن لإنجاز رياضية واحدة أن يوسّع آفاق ما تعتقد الفتيات الصغيرات أنّه ممكن، وأن يحوّل أحلامهنّ إلى أهداف تبدو في متناول اليد. وأنا لا أعتقد أنّ الأهمّ هو أن تكوني الأولى؛ بل الأهمّ هو أن تتأكدي من أنّكِ لن تكوني الأخيرة. أمّا اللحظة التي غيّرت نظرتي حقًا، فجاءت بعد سباقي في أولمبياد طوكيو. وبصراحة، بكيت بعده لأنّني كنت أتمنى أن أقدم أداءً أفضل. لكنني بدأت بعدها أقرأ رسائل من فتيات صغيرات ومن أولياء أمورهن، يخبرونني بمدى فخرهم، وما الذي عنته لهم رؤية شخص يمثلهم على أكبر منصة رياضية في العالم. عندها أدركت أنّ الرياضة تتجاوز بكثير الميداليات والأرقام القياسية. فإذا كانت رحلتي قد ساعدت شخصاً واحداً، ولو صغيراً، على أن يحلم بصورة أكبر، فهذا يعني لي أكثر من أي لقب.”

تعمل ياسمين الدباغ حالياً على عدد من المشاريع التي يجمعها هدف واحد: مساعدة الناس على بلوغ إمكاناتهم في مراحل مختلفة من حياتهم. وهي بصدد نشر كتابها الثاني للأطفال، «كوكو وروبي»، مع وجود المزيد من القصص قيد الإعداد بالفعل. وقد أصبح سرد القصص إحدى الوسائل التي تأمل من خلالها الوصول إلى الجيل المقبل، إلى جانب الرياضة. كما تواصل الاستثمار في مشاريع تدعم الجيل المقبل من الرياضيين وتلهمه، استكمالًا للمضمار المجاني الذي طوّرته مع عمّها في جدة، بعد أن اختبروا بأنفسهم مدى صعوبة العثور على مكان مناسب تتدرّب فيه النساء.

أن تكون أحلام الجيل المقبل أكبر من أحلام جيلها

أكثر ما تتمنّاه ياسمين الدباغ هو أن تشجّع رحلتها الرياضيين الشباب على الإيمان بأنّ لهم مكاناً في هذا المجال. كما تتمنّى أن تكون أحلام الجيل المقبل أكبر من أحلام جيلها. وإذا قرأت فتاة عربية صغيرة قصتها، تريدها أن تتعلّم ألاّ تسمح أبدًا لأحد بأن يضعها في قالب محدّد. وتقول لها: “سواء كنت تحلمين بأن تصبحي رياضية، أو عالمة، أو فنانة، أو رائدة أعمال، تحلّي بالشجاعة لملاحقة ما يثير شغفك بصدق. كما أتمنّى أن تدركي أنّ الفشل ليس شيئًا ينبغي الخوف منه. والأهّم من ذلك، تمسّكي بإيمانك. ثقي بخطة الله حتى عندما لا تبدو مفهومة في حينها. لقد تعلمت أن بعض الأحلام تحتاج إلى وقت أطول ممّا نتوقع، وأنّ ما يبدو أحيانًا انتكاسة قد يكون في الحقيقة إعدادًا لنا لشيء أعظم. وأخيرًا، تذكري أنّ هذه قصتك أنت. لست مضطرة إلى أن تعيشي نسخة شخص آخر من النجاح. حافظي على فضولك، وواصلي التعلم، وعاملي الناس بلطف، وتحلي بالشجاعة لتصبحي الإنسانة التي خلقك الله لتكونيها.”

وتختتم بتوجيه هذه الرسالة إلى الشعب السعودي بمناسبة اليوم الوطني، وتقول: “تشرّفت بتمثيل المملكة العربية السعودية على الساحة العالمية، وكان ذلك أحد أعظم الامتيازات في حياتي. فهي دولة ثرية بتاريخها وثقافتها، وتحتضن أقدس بقاع الإسلام، ويُعرف شعبها بالكرم وحسن الضيافة. وأشعر كذلك بامتنان عميق لكوني أعيش في زمن اتّسعت فيه الفرص بطرق لم تكن الأجيال السابقة تحلم بها. وإذا كان هناك وقت مناسب لنحلم، فهو الآن؛ في سعودية لم تعد فيها الأحلام بعيدة عن الواقع. وأملي أن نواصل الحلم بجرأة، وأن ندعم بعضنا بعضاً، وأن نستخدم الفرص التي أُتيحت لنا للإسهام إيجابياً في مجتمعاتنا ووطننا. كلّ عام ومملكتنا الحبيبة بخير بمناسبة اليوم الوطني. حفظ الله قادتنا وشعبنا ووطننا، وأدام عليهم نعمه وبركاته.”

آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً