رؤية مها طيبة لمفهوم جودة الحياة مع التقدّم في العمر

رؤية مها طيبة لمفهوم جودة الحياة مع التقدّم في العمر
15 أكتوبر 2026 • إعداد: أرزة نخلة

لطالما كانت مها خالد طيبة، المستشارة في الاستراتيجيّة والقيادة وجودة الحياة، شغوفة بالتعلّم والتطوّر الذاتي والسلوكيّات الإنسانيّة. فهي تعتبر أنّ التفكير بهذه الأسئلة يفتح لنا أبواباً لإعادة التفكير بجوانب هامّة في حياتنا قد نكون سلّمنا لها ولا تعمل لصالحنا. وقد أسّست شركة “رُمَّان” قبل أعوام عدّة لتحسين جودة حياة الموظّفين وصحّتهم النفسيّة وعافيتهم في مكان العمل. في ما يلي، نسألها عن رؤيتها لمفهوم العافية وجودة الحياة مع التقدّم في العمر.

Maha Taibah: “أنفق بسخاء على أي شيء له أثر حقيقي على جودة حياتي.”

“أرى التقدّم في العمر نعمة رزقني الله إيّاها لا عبئاً… فالعمر نعمة لا أريد أن أقضي نصفه الثاني وأنا أحاول يائسة أن أبدو وكأنّني ما زلت في نصفه الأول”، بهذه العبارات تختصر مها طيبة نظرتها عن التقدّم في العمر، قبل أن تضيف: “فالتقدم في العمر بالنسبة لي هو أن أصبح صادقة مع نفسي أكثر ومحققة لذاتي الأصيلة. أكثر وعياً بأين أصرف طاقتي. أكثر قدرة على قول “لا” دون تأنيب ضمير. أكثر فضولاً. أكثر إبداعاً. وربما، أقلّ حاجة لإثبات أي شيء لأي أحد. ما يشغلني اليوم ليس “مقاومة الشيخوخة”، بل الانحياز الكامل للحياة نفسها والفرق بينهما أوسع ممّا نظنّ… الأولى نابعة من خوف داخلي عميق والأخرى نابعة من وعي وامتنان لما هو آتٍ.” تظنّ مها طيبة أنّ طول العمر يتحوّل إلى شيء غير صحي في اللحظة التي يتحوّل فيها إلى مقياس أداء آخر. وتقول: “نحن نسعى دائماً إلى تحسين مسيراتنا المهنية، وجداولنا، وثرواتنا، والآن يُطلب منا أن “نحسّن” كلّ مؤشر بيولوجي في أجسادنا أيضاً. وأظنّ أنّنا يجب أن ننتبه ألا نحوّل العافية إلى مصدر قلق جديد. لا أريد أن أعيش حتى المئة فقط -بإذن الله- لأقول إنّني بلغتها… أريد أن تكون تلك السنوات مفعمة بالحياة نفسها ومليئة بالتجارب التي تستحق البقاء من أجلها.”

كونك “فعالة وعالية الأداء” لا يعني أبداً أنّك بخير

منذ تأسيسها لرُمّان، هل لاحظت مها طيبة علامات مشتركة للاحتراق النفسي والشيخوخة المتسارعة بين النساء؟ تجيبنا: “نعم، ولكن المثير في الأمر أنّ الاحتراق النفسي نادراً ما يبدأ بانهيار مفاجئ… إنّه أهدأ من ذلك بكثير. غالباً ما يبدو في تلك المرأة التي تؤدّي كلّ شيء بإتقان من الخارج، لكنّها فقدت القدرة على “إيقاف التشغيل” بداخلها.” وتتابع: “وما أصبحت واعية له تماماً من خلال عملي مع القيادات والنساء تحديداً، هو أنّ كونك “فعالة وعالية الأداء” لا يعني أبداً أنّك بخير. أحياناً نحتفي بقدرة المرأة على حمل أثقال هائلة دون أن نسأل أنفسنا: أي ثمن تدفع مقابل هذه القوة؟ وأظنّ أنّ أحد أهمّ مقاييس العافية المستدامة هو أن تملكي مساحات في حياتك لا تؤدّين فيها دوراً، ولا تنتجين فيها شيئاً، ولا تديرين فيها أمر أحد، مساحات يُسمح لك فيها أن تكوني أنت فقط بنسختك الأصيلة.”

تتمنّى المستشارة في الاستراتيجيّة والقيادة وجودة الحياة اليوم لو كانت أدركت مبكراً أنّ الجسد يحفظ كلّ تفاصيل الحياة التي نطلب منه أن يعيشها. تشرح لنا: “في الشباب، نتعامل مع الجسد وكأنه مجرّد “وسيلة نقل” لطموحنا… ندفعه، ونحرمه من النوم، ونتجاهل إشاراته، ونفترض أنّه سيواكبنا مهما فعلنا به. أمّا اليوم فأفهم جسدي بطريقة مختلفة تماماً، أراه نظاماً ذكياً يتحدّث معي باستمرار، لو أحسنت الإصغاء إليه. وأتمنّى أيضاً لو كنت أدركت مبكراً أنّ القوة الحقيقية لا تقاس بالعضلات وحدها، بل بتنظيم الجهاز العصبي، وجودة النوم، والتعافي، والصحة النفسية. وربّما الأهمّ من هذا كلّه… أتمنى لو تعلمت باكراً أنّ الراحة ليست مكافأة نستحقها بعد الإنهاك، بل هي جزء أصيل من استدامة العمل نفسه.”

الاستثمار في الوقاية بدلاً من الإصلاح

ما هي الطقوس أو العادات والممارسات الذهنية التي تحافظ عليها في روتينها اليومي؟ تؤكّد لنا: “إحداها هي الصمت لمدة ساعة في اليوم. أجهزتنا العصبية اليوم معرّضة لتحفيز شبه دائم: الهواتف، الرسائل، المحادثات، الأخبار، القرارات. وأنا أخلق عمداً لحظات لا يصلني فيها أي شيء على الإطلاق وقد قمت بإطفاء جميع المنبّهات في كلّ التطبيقات وفي بريدي الإلكتروني من جوالي منذ عام 2016 وحتى الآن.” وتتابع: “أحمي نومي أيضاً بجديّة أكبر مما اعتدت، وأشرب كمية مناسبة من الماء -زمزم تحديداً- وأحرّك جسدي، وأحاول أن ألاحظ متى أحمل التوتر جسديّاً بدلاً من التظاهر بأنّه غير موجود. وأصبح الفنّ والابتكار جزء من ممارسة العافية بطريقة مستدامة.” وهي تعتبر أنّ تعلّمها أن تستثمر في الوقاية بدلاً من الإصلاح، غيّر طريقة تفكيرها عن الصحة بالكامل. وتشرح لنا: “أريد أن أفهم ما يحدث في جسدي قبل أن يضطر إلى الصراخ ليُسمع. والاستثمار الآخر الذي غيّر حياتي هو تعلّم فهم جسدي بنفسي. لا أن أتبع كلّ موجة عافية بشكل أعمى، بل أن أسأل، وأفهم بياناتي، وأعمل مع مختصين جيدين، وأبني ما يكفي من “معرفة بجسدي” لأشارك بذكاء ووعي في رعاية صحتي. هذا الشعور بامتلاك زمام الأمر … قوة لا تقدر بثمن.”

لدى مها طيبة حبّ استطلاع كبير، لكنّها أيضاً حذرة بوعي. وتقول: “هناك الكثير ممّا يحدث في علم العافية اليوم، وبعضه مثير فعلاً للاهتمام. لكنّني لا أشعر بحاجة لأن أكون أوّل من يجرب كلّ جديد لمجرّد أنه أصبح رائجاً. أنا منفتحة تماماً على استكشاف علاجات مبنية على دليل علمي، وبإشراف طبي مناسب، حين يكون هناك فائدة واضحة.” وتختتم: “تبقى بعض أقوى الأدوات للحفاظ على الصحة غير مكلفة مثل النوم، والمشي، وضوء الشمس، والعلاقات الحقيقية، والقوة، وحدود واضحة، والضحك، والوقت بعيداً عن الهاتف. أنا أستثمر بسخاء في صحتي، لكنّني لا أريد للعافية أن تتحوّل إلى استهلاك. أحياناً، أكثر الأشياء صحة لا تكلّف شيئاً على الإطلاق.”

آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً