النساء البدويّات المنسيّات
  • 1 /5
  • 1 /5
  • 1 /5
  • 1 /5
  • 1 /5


الإعداد: Manon Querouil-Bruneel

التصوير: Catalina Martin-Chico

 

اعتدنَ تدبّر أمورهنّ من دون الاعتماد على أحد بينما انشغل الرجال في المحاربة إلى جانب جنود الشاه طوال أشهر. يمتطين الأحصنة ويحملنَ البنادق ويطلقنَ النار ولا يرتدينَ الشادور الأسود… إذ تتمتّع النساء البدويّات باستقلاليّة لا مثيل لها في إيران، إلّا أنّ حياتهنّ اليوم باتت مهدّدة. إليك هذا التقرير حول طرق الترحال الرعوي لنعود معاً إلى زمن الماضي.

تمرّ كالطيف برداء أسود على ظهر حصانها إلى جانب ضفّة النهر وكأنّها شخصيّة خارجة من كتاب “الشاهنامة” أو “كتاب الملوك” الذي ألّفه الشاعر أبي القاسم الفردوسي في القرن العاشر يروي فيه تاريخ الفرس. فمنذ ذلك الزمن وحتى اليوم لم يتغيّر الكثير بالنسبة إلى قبيلتَي البختياري والقشقاي المسيطرتين في إيران إذ ما زال أفرادها يسلكون الطريق الطويل نفسه مع قطعان الغنم من منطقة الرعي في شمال شيراز وصولاً إلى الأراضي المجاورة للخليج الفارسي. أمّا “عشائر”، وهي الكلمة الإيرانيّة للبدويّين، فتقترن بالصحارى القاحلة والجبال الشاهقة والوجوه التي تملؤها التجاعيد والتي خلّفها الزمن، وكأنّها آتية من عصور غابرة. هؤلاء البدويّون هم أبطال ثورة 1905 وقد وقفوا في وجه البريطانيين في الحرب العالميّة الثانية وحاربوا ضدّ الروس وصمدوا أمام هجمات الحكومة المركزيّة الإيرانيّة. هم يغارون من تأثير “الخان” في المنطقة ويخجلون من هذا المجتمع الذي تجاوزه الزمن ويتناقض مع المتغيّرات التي تطرأ على إيران. ومنذ أقلّ من قرن كان البدويّون يمثّلون حوالى نصف سكّان إيران. أمّا اليوم فبات عددهم لا يتجاوز الـ1.5 مليون نسمة وهم يحاولون مقاومة سياسات التوطين وموجات التحديث.

وجوه متوارية خلف الجبال

لا شكّ في أنّ التطرّق إلى مسألة وجود هؤلاء الأفراد المتصلّبين يشكّل تحديّاً كبيراً للصحافة. حتى أنّنا نتساءل عن صحّة هذه الأساطير: “فهل هم حقاً موجودون؟” وهذا هو السؤال المحيّر الذي قضّ مضجع المصوّرة الفرنسيّة الإسبانيّة Catalina Martin-Chico عندما بدأت بالاهتمام بهؤلاء الأشخاص المتوارين عن الأنظار. فتقول: “سمعت بعض الأخبار عنهم لكن عندما بدأت بالبحث الدقيق وجدت أنّ الدراسات الأخيرة حولهم تعود إلى سبعينات القرن الماضي”. وقد تمكّنت Catalina ابنة الـ47 ربيعاً بضربة حظ من تقّفي أثرهم والوصول إليهم. فقرّرت عندئذٍ أن تسلك الطريق المعتمدة لترحال الماشية لتكتشف حياة بدائية بالكاد تأثّرت بالحياة العصريّة. فباتت رنّة الهاتف المحمول تكسر الصمت السائد في الجبال، واستُبدلت الشاحنة الصغيرة بالحمير والأحصنة في الطرقات الوعرة التي تسلكها المواشي. لكنّ الترحال الرعوي يتطلّب جهداً جسديّاً كبيراً فيجب نصب الخيم كلّ مساء في مكان مختلف، بالإضافة إلى قطع الخشب وحمل المياه والحراسة ليلاً لردع لصوص الماشية. وفي هذه الملحمة البريّة لا مكان للنعومة والرقّة. وقد نجحت Catalina بالتقاط بعض الصور في لحظات مميّزة ومؤثّرة، كما عندما كان Hosseini زعيم قبيلة البختياري يلعب مع ابنته الصغيرة المفضّلة وهي تقفز بين يديه. هو ابن هذه الجبال ويعشقها من قلبه تماماً مثلما كان والده وجدّه قبله ولا يهمّه سوى حياته ووجوده ويمزح قائلاً: “إذا أراد فرداً من قبيلتي الاستقرار في مكان واحد، أقتله.” أمّا زوجته Zohra فهي تعاني حصى في الكلى والتهاب وتري في الكتف. وبالنسبة إلى زوجها ليس الأطبّاء حلّاً للأوجاع أبداً. فلا خيار لها إذاً غيرالبقاء مكتوفة اليدين تحمّل الأوجاع الجسديّة لكنّها تسرح في عقلها وتسافر إلى عالم الأحلام الجميلة والمرحة.

اقرأي أيضاً: قصّة نجاح امرأة عربيّة مفعمة بالتضحية

 

وجوه متوارية خلف الجبال

تمرّ كالطيف برداء أسود على ظهر حصانها إلى جانب ضفّة النهر وكأنّها شخصيّة خارجة من كتاب “الشاهنامة” أو “كتاب الملوك” الذي ألّفه الشاعر أبي القاسم الفردوسي في القرن العاشر يروي فيه تاريخ الفرس. فمنذ ذلك الزمن وحتى اليوم لم يتغيّر الكثير بالنسبة إلى قبيلتَي البختياري والقشقاي المسيطرتين في إيران إذ ما زال أفرادها يسلكون الطريق الطويل نفسه مع قطعان الغنم من منطقة الرعي في شمال شيراز وصولاً إلى الأراضي المجاورة للخليج الفارسي. أمّا “عشائر”، وهي الكلمة الإيرانيّة للبدويّين، فتقترن بالصحارى القاحلة والجبال الشاهقة والوجوه التي تملؤها التجاعيد والتي خلّفها الزمن، وكأنّها آتية من عصور غابرة. هؤلاء البدويّون هم أبطال ثورة 1905 وقد وقفوا في وجه البريطانيين في الحرب العالميّة الثانية وحاربوا ضدّ الروس وصمدوا أمام هجمات الحكومة المركزيّة الإيرانيّة. هم يغارون من تأثير “الخان” في المنطقة ويخجلون من هذا المجتمع الذي تجاوزه الزمن ويتناقض مع المتغيّرات التي تطرأ على إيران. ومنذ أقلّ من قرن كان البدويّون يمثّلون حوالى نصف سكّان إيران. أمّا اليوم فبات عددهم لا يتجاوز الـ1.5 مليون نسمة وهم يحاولون مقاومة سياسات التوطين وموجات التحديث.

وجوه متوارية خلف الجبال

لا شكّ في أنّ التطرّق إلى مسألة وجود هؤلاء الأفراد المتصلّبين يشكّل تحديّاً كبيراً للصحافة. حتى أنّنا نتساءل عن صحّة هذه الأساطير: “فهل هم حقاً موجودون؟” وهذا هو السؤال المحيّر الذي قضّ مضجع المصوّرة الفرنسيّة الإسبانيّة Catalina Martin-Chico عندما بدأت بالاهتمام بهؤلاء الأشخاص المتوارين عن الأنظار. فتقول: “سمعت بعض الأخبار عنهم لكن عندما بدأت بالبحث الدقيق وجدت أنّ الدراسات الأخيرة حولهم تعود إلى سبعينات القرن الماضي”. وقد تمكّنت Catalina ابنة الـ47 ربيعاً بضربة حظ من تقّفي أثرهم والوصول إليهم. فقرّرت عندئذٍ أن تسلك الطريق المعتمدة لترحال الماشية لتكتشف حياة بدائية بالكاد تأثّرت بالحياة العصريّة. فباتت رنّة الهاتف المحمول تكسر الصمت السائد في الجبال، واستُبدلت الشاحنة الصغيرة بالحمير والأحصنة في الطرقات الوعرة التي تسلكها المواشي. لكنّ الترحال الرعوي يتطلّب جهداً جسديّاً كبيراً فيجب نصب الخيم كلّ مساء في مكان مختلف، بالإضافة إلى قطع الخشب وحمل المياه والحراسة ليلاً لردع لصوص الماشية. وفي هذه الملحمة البريّة لا مكان للنعومة والرقّة. وقد نجحت Catalina بالتقاط بعض الصور في لحظات مميّزة ومؤثّرة، كما عندما كان Hosseini زعيم قبيلة البختياري يلعب مع ابنته الصغيرة المفضّلة وهي تقفز بين يديه. هو ابن هذه الجبال ويعشقها من قلبه تماماً مثلما كان والده وجدّه قبله ولا يهمّه سوى حياته ووجوده ويمزح قائلاً: “إذا أراد فرداً من قبيلتي الاستقرار في مكان واحد، أقتله.” أمّا زوجته Zohra فهي تعاني حصى في الكلى والتهاب وتري في الكتف. وبالنسبة إلى زوجها ليس الأطبّاء حلّاً للأوجاع أبداً. فلا خيار لها إذاً غيرالبقاء مكتوفة اليدين تحمّل الأوجاع الجسديّة لكنّها تسرح في عقلها وتسافر إلى عالم الأحلام الجميلة والمرحة.

اقرأي أيضاً: عندما يتّخذ عرض الأزياء طابعاً خيريّاً إنسانـيّا

 

بعيداً عن أنظار شرطة الفضيلة

“صعب؟ وما معنى الصعوبة؟ ما معنى الوجع؟ لا شيء صعب. نحن نعيش مع الواقع فحسب”. هذا هو جواب Masumé الغاضبة والمتفاجئة من تعاطفنا معها. فتضع هذه العجوز الوشاح على رأسها والبندقيّة على كتفها وتسير في طريقها حرّة متجرّدة من أيّ مشاعر أو حماسة. وقد اعتادت النساء البدويّات دائماً أن يتدبّرنَ أمورهنّ بدون مساعدة أحد عندما كان الرجال يذهبون للمحاربة إلى جانب جنود الشاه طوال أشهر. فيستعطنَ امتطاء الأحصنة واستخدام البنادق للصيد إذ يتمتّعنَ باسقلاليّة لا مثيل لها في إيران. هنّ لا يرتدينَ الشادور الأسود أيضاً بل ملابس البدويّات التقليديّة والملوّنة ويعشنَ بدون الانفصال عن الرجال، وإذا كان ممنوعاً على نساء المدن ركوب الدرّاجات، فهنّ يمطينَ الأحصنة بدون أيّ مشكلة بعيداً عن أنظار شرطة “الفضيلة” والملالي، وحتى الأطفال يتعلّمون منذ سنّ صغيرة أن يواجهوا قساوة الحياة. فتتذكّر Catalina Martin-Chico وتخبرنا: “كنت ألعب مع الصغيرة Mahsan ابنة الثمانية أعوام وقد أوجعتني فلم تكن تعرف كيفيّة التحكّم بقوتّها”. تتعلّم هذه الطفلة القراءة والكتابة طوال ستّة أشهر في السنة في “خيمة- مدرسة” برفقة مجموعة صغيرة من الأطفال البدويّين أيضاً. لكن بات من الصعب إيجاد معلّمين يحبّذون فكرة التنقّل والترحال مع الأطفال، وبما أنّ التعليم لا يتوفّر في الجبال للأطفال الذين تخطّوا العاشرة من عمرهم ، يُرسلون إلى مدارس في المدينة ويختارون غالباً الاستقرار فيها بعد الدراسة فيتركون الحياة البدويّة خلفهم. بالنسبة إلى Sajad مثلاً البالغ من العمر21  عاماً، تشكّل الجبال حاليّاً وجهة لقضاء العطلة فحسب فهو يزور قبيلته مرّة أو مرّتين سنويّاً فحسب. إذ انتقل للعيش في فيروز آباد في جنوب غرب البلاد ويعمل في مصنع بلاستيك. ويعترف الشاب بأنّه لم يخبر أصدقاءه بأنّ أهله من القبائل البدويّة.

اقرأي أيضاً: مريم فردوس المرأة العربيّة الأولى التي تغطس في القطب الشمالي

حلم يتحوّل إلى كابوس

يبتعد الجيل الجديد شيئاً فشيئاً عن أسلوب الحياة التقليديّ الذي ينبذه المجتمع الإيرانيّ. أمّاHava  ابنة الـ19 عاماً فهي أمّ لولدين وقد اعتادت أن تجلس في خيمتها بصمت وهدوء تتأمّل وتحلم بالتحضّر والتمدّن قبل أن تتسنّى لها الفرصة الانتقال إلى المدينة. لكن بعد مرور بضعة أشهر أجبرتها ظروف الفقر المدقع أن تعود أدراجها وتستسلم. ومن ناحية أخرى تعترف لنا Zeinab وMohzeinab وMounavar بينما يحصدنَ القمح قائلات: “نحن نكره هذه الحياة التي نعيشها لكن ما من خيار آخر أمامنا. إنّه عبء ثقيل نحمله منذ ولادتنا”.

لدى هؤلاء النساء الثلاث من قبيلة البختياري حلم واحد ألا وهو الزواج من أحد أبناء المدينة، فهذا طريقهنّ الوحيد للفرار من مصيرهنّ. ويشرح Thierry Coville الباحث في معهد العلاقات الدوليّة والاستراتيجيّة: “منذ حقبة الستينات ازداد النزوح من الريف في إيران. فيهرب الشباب من القرى والجبال إلى المناطق المدنيّة ويتمدّنون بسرعة”. فكان معدّل التحضّر قبل خمسين عاماً 50% ويصل اليوم إلى حوالى 80%. ينجح بعض البدويّين في إيجاد فرص العمل في المدن وينجرّون فيغرقون في مجتمع استهلاكي ويحملون الهواتف ويقودون السيارات الأجمل ويربّون أطفالاً بدناء بسبب الأطعمة السريعة التي يتناولونها. أمّا بالنسبة إلى البعض الآخر، فيتحوّل هذا الحلم إلى كابوس حقيقي. ولم تستطع أيّ من الحكومات التي تتالت منذ العام 1905 أن تقدّم المساعدة لهذه القبائل. فيشعر أفراد تلك “العشائر” غير المرغوب بهم بأنّهم منسيّون تماماً. فيستنكر Sabzali Mohammadi وهو جدّ لتسعة أحفاد يعيشون في ضواحي شيراز ويقول: “لا أحد يدعمنا”. وبين التقاليد والحداثة  قد يضيع البدويّون المتبقيّون في إيران على الطريق.

اقرأي أيضاً: عندما يجتمع الشغف والشجاعة يكون النجاح ثالثهما

الأوسمة

تعليقات