قبل هند رستم، وقبل فاتن حمامة، وقبل أن تصبح القفازات الطويلة جزءاً من أناقة أم كلثوم والشيخة موزا بنت ناصر والملكة رانيا العبدالله، كانت القفازات موجودة في مصر منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. فقد عُثر داخل مقبرة توت عنخ آمون”Tutankhamun” على قفازات من الكتان تعود إلى الفترة بين نحو 1343 و1323 قبل الميلاد، ويُرجّح أن أحد هذه القفازات استُخدم أثناء قيادة العربة للإمساك باللجام. وذلك يعني أنّ هذه القطعة التي نراها اليوم على منصات العروض والسجادة الحمراء بدأت بوظيفة عملية جداً، قبل أن تتحوّل عبر القرون إلى رمز للمكانة، والأناقة، والاحتفال، ثم تختفي تقريباً من الحياة اليومية… وتعود اليوم من جديد.


ومن هنا تصبح قصة القفاز أكثر إثارة من مجرّد عودة صيحة قديمة. ففي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لم يكن القفاز مجرّد تفصيل يكمّل الإطلالة، بل جزءاً من قواعد اللباس نفسها. كانت بعض النساء الثريات يغيّرن القفازات أكثر من مرّة خلال اليوم بحسب المناسبة، بينما ارتبطت القفازات الطويلة خصوصاً بملابس المساء. وحتى أنّ طول القفازات لم يكن اعتباطياً؛ فحين قُصرت أكمام فساتين السهرة، طالت القفازات للمحافظة على مقدار التغطية الذي كانت تفرضه قواعد الأناقة آنذاك.
ثمّ جاءت السينما العربية، وهنا تغيّرت القصة بالكامل. في العصر الذهبي للسينما المصرية، صار القفاز أداة لبناء الشخصية بصرياً. في فيلم “إشاعة حب” عام 1960، ظهرت هند رستم بفستان أسود طويل من تصميم Madame Vasso، المصمّمة المصرية من أصول أرمنية التي صمّمت أيضاً إطلالة لأم كلثوم، مع قفازات بيضاء طويلة وعقد أسود. لم تكن القفازات متطابقة مع الفستان، وهذا ما منحها حضورها؛ فاللون الأبيض جذب النظر إلى اليدين والحركة، وأصبح جزءاً من صورة هند رستم الجريئة والواثقة.


ولم يقتصر القفاز على فساتين السهرة. حيث ارتدته نعيمة عاكف مع فستان زفافها في “أربع بنات وضابط”، ونسّقته ليلى مراد مع فستانها وطرحتها في “ليلى بنت الأغنياء”، فيما ظهرت شادية بقفازات سوداء من الدانتيل. هكذا تغيّر القفاز مع الخامة والمناسبة والمرأة التي ترتديه، من الأبيض الرسمي إلى الأسود الأكثر حضوراً والدانتيل الأكثر نعومة.
أمّا المفارقة عند أم كلثوم هي أنّ يدها ارتبطت بالمنديل أكثر من القفاز، رغم وجود ثلاثة أزواج من القفازات بالأبيض والأسود والبني ضمن مقتنياتها في متحف أم كلثوم في القاهرة. وبعد عقود، عاد القفاز إلى قصتها بطريقة غير متوقعة: حيث استلهم Ryan Lobo وRamon Martin، مصمّما دار Tome، منها مجموعة خريف وشتاء 2014 في نيويورك، وعُرضت التصاميم على أنغام صوتها. وبين هذه التصاميم قفازات سهرة طويلة من الساتان الوردي.


وفي الخليج، نرى القفاز بصورة معاصرة مختلفة. عندما ارتدت الشيخة موزا بنت ناصر إطلالة رمادية بتوقيع دارDior مع قفازات باللون نفسه، بدت هذه القفازات امتداداً للكم والتكوين العام. أمّا الملكة رانيا العبدالله، فنسّقت في إحدى إطلالاتها فروة بيضاء من العلامة السعودية Abadia مع فستان أسود وقفازات جلدية سوداء وحقيبة من العلامة المصرية Okhtein. لم يعد القفاز هنا استعادة لصورة قديمة، بل جزءاً من أناقة إقليمية معاصرة.
واليوم، يعود القفاز إلى جيل جديد. حيث أعادت المصمّمة السعودية Alaa Balkhy تقديمه من خلال علامتها Alaa bint Hashim، وظهر مجدداً مع النجمات درة زروق ونجوى كرم، وكذلك على السجادة الحمراء مع Anne Hathaway وKate Hudson وVera Wang. لكن ما تغيّر ليس شكل القفاز فقط، بل سبب ارتدائه.



فمنذ منتصف الستينيات، بدأت قواعد اللباس الرسمية التي جعلت القفاز جزءاً متوقعاً من إطلالة المرأة بالتراجع. واليوم يعود من دون تلك القواعد: مع سترة محبوكة أو فستان بسيط أو معطف واسع، وحتى مع المجوهرات فوقه. كان القفاز في الماضي جزءاً من قواعد الأناقة، أمّا اليوم، فتكمن جاذبيته في أننا نختار كيفيّة ارتداءه.
من هند رستم وفاتن حمامة وأم كلثوم إلى الشيخة موزا بنت ناصر والملكة رانيا العبدالله وإطلالات اليوم، تغيّرت صورة القفاز مراراً. لكن قدرته بقيت واحدة: قطعة صغيرة تستطيع أن تقول الكثير عن المرأة التي ترتديها.
Tutankhamun وHind Rostom وإكسسوار واحد شديد الأناقة
إقرئي أيضاً: الكورسيه… الشكل الذي لم تنسه الموضة








