“صنعت حياتي لأنّ حياتي لم تكن ترضيني.” بهذه الجملة اختصرت Gabrielle Chanel شيئاً أساسياً في الأزياء الراقية: االقدرة على تخيّل واقع مختلف، ثم صنعه بيديك. وبعد عقود، وجد Matthieu Blazy المدير الإبداعي لدار CHANEL في مكتبتها كتاباً صغيراً بعنوان Les Fées, Contes des Contes. فتوقف عند سؤال بسيط: هل كانت حياة Gabrielle Chanel نفسها حكاية خرافية؟ ومن هذا السؤال، بدأت مجموعة الأزياء الراقية للدار لخريف وشتاء 2026. ليس كاستعادة حرفية لعالم الحكايات، بل كمحاولة لمعرفة ما يحدث عندما تتحوّل القصة إلى قطعة يمكن ارتداؤها.


بدأت الحكاية في ال Grand Palais قبل ظهور الإطلالة الأولى. حيث حوّل Blazy القاعة إلى غابة تمتدّ نباتاتها عبر المكان، وبينها زهور ضخمة تبدو أقلّ براءة كلما اقتربنا منها. وقد استوحى المشهد من قصة Jack and the Beanstalk ومن فكرة الغابة التي تقتحم المكان في فيلم Jumanji، فيما ظهرت أزهار الكاميليا بصور متحوّرة وصفتها العلامة بـ”زهور Gabrielle السامة”.
ثم ظهرت العارضة الأولى وهي تحمل كتاباً. لم يكن عنصراً صُنع خصيصاً للعرض، بل نسخة حقيقية من كتاب Les Fées, Contes des Contes مأخوذة من مكتبة Gabrielle Chanel نفسها. عندها أصبح واضحاً أنّ Blazy لا يستخدم عالم الحكايات كديكور، بل كنقطة انطلاق للمجموعة التي أطلق عليها اسم Gaby and the Beanstalk، والمؤلفة من 63 إطلالة.

وكان أوّل قرار مفاجئ أنّ العرض لم يبدأ بالتويد، أحد أكثر رموز علامة Chanel وضوحاً. بدلاً منه، جاءت بدلة من دانتيل الغيبور بزخارف تشبه أغصاناً تتسلق الجسد، يتخلّلها موسلين حريري شفاف. بقي بناء البدلة مألوفاً، لكنّ سطحها أصبح أكثر خفة وانفتاحاً على الضوء. ثم بدأت البراعم والأغصان والبتلات تظهر تدريجياً في الإطلالات التالية، كأنّ الحديقة المحيطة بالعرض بدأت تتسلل إلى الملابس نفسها. وعندما ظهر التويد، لم يقدّمه Blazy بصورته الأكثر انضباطاً. بل بقيت بعض السترات قريبة من الجسد، بينما اتسعت أخرى، أو فقدت أكمامها، أو ظهرت حوافها مهترئة عمداً. وهنا ظهر أحد محاور المجموعة الأوضح: الاحتفاظ برموز دار CHANEL، وفي الوقت عينه تغيير الطريقة التي نقرأها بها.
ويظهر ذلك أيضاً في سلسلة المثقّلة التي تُخاط داخل السترة الخاصة بالعلامة لتساعده على السقوط بطريقة صحيحة. بدلاً من إبقائها مخفية، أخرجها Blazy إلى الخارج، ولفّها حول الجسد، وعلّق بها ملاحظات وتذكارات صغيرة. حيث امتلأت الجيوب بالأشياء، فيما أخفت البطانات رسائل لا يراها الحضور. هنا، لا يعمل الزر كعلامة للدار فقط، ولا تبقى السلسلة مجرّد تفصيل تقني؛ بل يحمل كلّ عنصر جزءاً من قصة المرأة التي ترتدي القطعة.


وفي المقابل، منحت الحكايات المدير الإبداعيّ مساحة أوضح للمرح. فظهرت قصة Goldilocks and the Three Bears في حقيبة سهرة صغيرة على هيئة دبّ نائم، بينما تسلّقت النباتات كعوب الأحذية، وحلّت الفراشات والأغصان مكان المشابك في بعض التفاصيل. وفي واحدة من أكثر القطع تميّزاً، غطّت النباتات المطرّزة فستاناً كاملاً، ونُفذت بطبقات وأبعاد مختلفة جعلت الأزهار والأغصان تبدو كأنّها تنمو فعلاً فوق سطحه. وهنا ظهرت مهارات حرفيي le19M، المركز الإبداعي التابع للعلامة الذي يضمّ عدداً من دور الحرف المتخصصة، من التطريز وصناعة النسيج إلى تقنيات الزينة الأخرى.
وتتّضح الفكرة بصورة أكبر في الإطلالة 15، المستوحاة من شخصية Scarecrow في قصة The Wizard of Oz، ومن صورة لـGabrielle Chanel في الحقول. حيث جاءت السترة واسعة ومصنوعة من الرافيا، بأكمام مستديرة، ورافقها سروال من التويد يحاكي مظهر الدنيم، مع قميص أحمر مطرّز بنقشة المربّعات. وحمل كلّ زر مرصّع مرحلة من حياة زهرة دوار الشمس، من البذرة إلى البرعم ثمّ التفتح.


أمّا في الإطلالة 55، فتأخذ فكرة جمع الإكسسورات شكلاً أكثر ثراءً. حيث صنعت دار Maison Lesage قماش تويد مستوحى من عش العقعق باستخدام نحو 24 نوعاً من الخيوط، تتداخل معها الشرائط والدانتيل والسلاسل والخيوط المعدنية والترتر وعناصر تستحضر المجوهرات وضفيرة ذهبية منسوجة من خيط التويد نفسه. ويعكس هذا التنسيق المتعمّد مفهوم الـ bric-à-brac، أي جمع الأشياء المختلفة معاً، في إشارة إلى Gabrielle Chanel وولعها بتجميع القطع والذكريات من عوالم متعدّدة. لذلك لا يتبع سطح القطعة نمطاً متكرّراً، بل يبدو كأنّه تكوّن تدريجياً من أشياء جُمعت مع الوقت، حتى تصبح الذاكرة نفسها جزءاً من تصميم القطعة.
بعد منتصف العرض تقريباً، يبدأ اللون الأسود بالعودة، وتصبح الخطوط أكثر هدوءاً: معاطف طويلة، وسترات قصيرة، وفساتين مسائية لا تعتمد على البناء الثقيل. حتى الغابة المحيطة بالعرض تصبح أكثر قتامة؛ فالأزهار التي بدت في البداية جزءاً من حكاية خرافية هي في الحقيقة أزهار متحوّرة وسامة، لتذكّرنا بأنّ الحكايات الأصلية لم تكن دائماً لطيفة أو آمنة.



ثمّ تأتي إحدى أهمّ لحظات العرض عندما تظهر العروس قبل نهايته. ففي عروض الأزياء الراقية، اعتدنا أن يكون فستان الزفاف هو المحطة الأخيرة. لكنّ Blazy يقدّمه هنا من خلال فستان من الدانتيل الشفاف، بخصر منخفض وخطوط تستحضر عشرينيات القرن الماضي، ثمّ يستمر العرض بعده. والقرار ليس مجرّد تغيير في ترتيب الإطلالات. فبما أنّ Gabrielle Chanel لم تتزوج، كان إنهاء مجموعة تقوم على حياتها الخاصة بفستان عرس سيمنح قصتها نهاية لم تعشها. وهذا ما يؤكّد أنّه بالنسبة للمدير الإبداعي، كانت حكايتها تدور حول صناعة حياتها بنفسها، لا حول انتظار نهاية تقليدية لها.


وتشكّل الإطلالة 63 النهاية الحقيقية: فستان أسود مكشوف الكتفين ومحدّد الخصر، يحيط الريش بخط عنقه من دون أيّ زيادات. فبعد 62 إطلالة تراكمت فيها الحكايات والتفاصيل، تعود المجموعة إلى ما يقوم عليه عالم CHANEL في جوهره: حرفيّة الصنع نفسها. فخلف كلّ قماش تويد نُسج، وكلّ زر رُصّع، وكلّ تطريز بُني طبقة تلو الأخرى، كانت مشاغل الدار وحرفيو le19M يحوّلون خيال Blazy إلى قطع فنّية يمكن ارتداؤها.
بدأت الحكاية بالفعل بكتاب من مكتبة Gabrielle Chanel، لكنّها كُتبت فعلياً بالأيدي التي صنعت هذه المجموعة. وبين الخيال ورموز الدار، جعل Matthieu Blazy من الدراية الحرفية اللغة التي جمعت الحكاية كلّها معاً.
Gabrielle Chanel
إقرئي أيضاً: Jonathan Anderson لا يريدكِ أن تصفيه بالرومانسي









