هناك وجهات نضيفها إلى جداول رحلاتنا، وأخرى تفرض نفسها بهدوء لتصبح محطّة ثابتة نتوق للعودة إليها في كلّ رحلة. وبين فنجان القهوة الأول، والشوارع المألوفة، والخطط التي أضعها دون تفكير مسبق، أصبحت مجموعةThe Bicester Collection بالنسبة لي واحدة من تلك المحطّات الثابتة.
تُعدّThe Bicester Collection سلسلة من قرى التسوّق الفاخرة التي تتوزّع على مقربة من أكثر مدن العالم استقطاباً للزوار، حيث تجمع بين أشهر العلامات العالمية في مجالات الموضة، والجمال، وأسلوب الحياة ضمن أجواء مفتوحة في الهواء الطلق، مع مزايا وعروض توفيرية على مدار السنة. فهي تتجاوز كونها محطّة للتسوّق، لتتحوّل إلى وجهة للمسافر الفاخر، تدمج بين تجربة التسوّق الشخصي، والمطاعم الراقية، وقضاء يوم هادئ بعيداً عن صخب المدينة.


تصلين إلى مرحلة تدركين فيها أنك تعرفين المدينة جيداً لدرجة أنّ العودة إليها لم تعد تشعرك بأنك مسافرة. فأنت تعرفين تماماً أي رحلة طيران تختارين، وأين تريدين أن تحتسي فنجان قهوتك الأول، وأي شوارع ستسلكينها مجدداً حتماً. وقبل أن تفرغي حقائبك حتى، يطرح أحدهم ذلك السؤال الذي يتكرّر في كل رحلة: “هل سنذهب إلى Bicester؟” يحدث هذا في لندن بطبيعة الحال، لكنّني بدأت أدرك أنّ هذا الطقس يرافقك أينما ذهبت في أوروبا. فباريس تضمّ La Vallée Village، وميلانو تحضن Fidenza Village ، وبرشلونة لديها La Roca Village، ومدريد ترحب بك في Las Rozas Village. مدن مختلفة، وقرى متعدّدة، لكنّ الشعور يبقى مألوفاً بطريقة ما: فتغادرين وسط المدينة لبضع ساعات، لتصلي إلى مكان يشعرك من اللحظة الأولى أنه جزء من الرحلة.
إنّ وصفThe Bicester Collection بأنّها مجرّد وجهة للتسوّق يشبه إلى حدّ كبير وصف الموضة بأنها مجرّد ملابس. هو وصف دقيق تقنياً، لكنّه يفتقر إلى الجوهر الحقيقي. فعبر اثنتي عشرة قرية تتوزّع على ثلاث قارات، تضمّ The Bicester Collection نحو 1,500 متجر للموضة والجمال وأسلوب الحياة، مقدمةً مزايا وحسومات على مدار السنة. ولا شكّ في أنّ الأسعار مهمّة، لكنها نادراً ما تكون الشيء الوحيد الذي ينطبع في الذاكرة بعد المغادرة. إذ أذكر دائماً فنجان القهوة الأول قبل الانطلاق، والمتجر الذي كدت أتخطاه، والغداء الذي امتدّ لساعتين، وتلك القطعة الفاخرة التي لم أكن أنوي شراءها إطلاقاً حتى وقعت عيني عليها. فقائمة التسوّق قد تكون مفيدة، لكنّ الاكتشافات غير المتوقعة تبقى أفضل.


بدأت القصة في مقاطعة Oxfordshire في أبريل من العام 1995 مع انطلاقة Bicester Village، القرية الأم والاسم الذي بات، بالنسبة للكثيرين منّا ممّن يسافرون من منطقة الخليج العربي، بديهياً وحاضراً في أذهاننا. وفي العام الماضي، احتفلت القرية بالذكرى الثلاثين لتأسيسها مستحضرةً العقد الذي أبصرت فيه النور، حيث تحوّلت كبائن الهاتف الحمراء إلى أكشاك موسيقية، وتزيّنت بأكشاك الصحف الكلاسيكية، وقوائم طعام محددة بسعر 19.95 جنيهاً إسترلينياً. لم يكن الأمر مجرد حملة احتفالية بالذكرى السنوية، بل بدا وكأن القرية تستعيد تفاصيل طفولتها الخاصة. وربما هذا يفسّر جزءاً من سرّ جاذبيتها: فبعد ثلاثة عقود، أصبحت القرية جزءاً من ذكريات سفر الكثيرين. وللعائلات التي تعود إلى لندن في كلّ صيف، يصبح قضاء يوم في Bicester Village مألوفاً بقدر المدينة نفسها.
لكنّني أدركت معنى العودة بأوضح صورة ممكنة في مكانٍ آخر… في ميلانو، وفي قلب صخب أسبوع الموضة. تُعدّ هذه الفترة إحدى أكثر فترات السنة تشويقاً، حافلة بالعروض، والمواعيد، وجلسات القياس، والإيقاع المتسارع للتنقّل في أرجاء المدينة، وهو ما يجعل المرء يدرك سريعاً مدى روعة وجود مكان يجعل كل هذه التفاصيل أكثر سهولة. يمكنني القول بكل ثقة إن معرفتي بأن Fidenza Village موجودة هناك قد أحدثت فرقاً حقيقياً. استطعت مغادرة ميلانو لبضع ساعات، لأصل إلى هناك وأجد خبير تنسيق إطلالات في انتظاري لمساعدتي على استكشاف المتاجر والعثور على ما أحتاجه حقاً، والتسوّق دون التفكير المفرط، ثم الجلوس لتناول طعام الغداء قبل العودة مجدداً إلى صخب المدينة ومتابعة التزامات اليوم.
ولعلّ هذا هو الجانب الذي قدّرته أكثر من أي شيء آخر. فبين الأزياء، ومنسّق الإطلالات، والغداء، توقّفت Fidenza Village عن كونها مجرد موعد إضافي ضمن جدول أسبوع الموضة الحافل، لتتحوّل إلى استراحة حقيقية من كل ذلك. فلبضع ساعات، لم تكن هناك حاجة للركض من طرف إلى طرف آخر في ميلانو، ولا للتحقّق من الوقت بين العرض والآخر، ولا لمحاولة حلّ أزمة إطلالة عاجلة من المقعد الخلفي للسيارة. خلال أسبوع يتحرّك فيه كل شيء بسرعة هائلة، جعلت القرية كلّ شيء يبدو سهلاً بشكل غير متوقّع. لقد غادرت وفي حوزتي كل ما كنت أحتاجه، ومع شيء آخر لم أكن أدرك قط أنني بحاجة إليه بالقدر ذاته: استراحة.


جعلتني تلك التجربة أُدرك أيضاً السبب الذي يجعل هذه القرى فريدة ومتميزة عن بعضها البعض. فكل قرية منها تستمدّ طابعاً خاصاً من المكان المحيط بها. إذ باتت Fidenza Village، الواقعة بين ميلانو وبولونيا الإيطالية، تحمل طابعاً شخصياً بالنسبة لي. أمّا La Vallée Village، التي تبعد نحو 35 دقيقة عن باريس وقريبة من Disneyland Paris، فتُعدّ وجهة دبلوماسية استثنائية عند السفر برفقة العائلة، لا سيما حين تتفاوت تعريفات اليوم المثالي كثيراً بين أفرادها. وفي برشلونة، تتناغم La Roca Village مع إيقاع المدينة بدلاً من مخالفته: تسوُّق في الصباح، ثم اختفاء باتجاه الساحل بعد الظهر، والتظاهر بأن اليوم بأكمله مضى بعفوية تامة. وتصبحLas Rozas Village امتداداً سلسلاً لمدينة مدريد، بينما تحملKildare Village شيئاً من سحر إيرلندا الهادئ. أمّاMaasmechelen Village فتتوسط المسافة بين بروكسل وأنتويرب وكولونيا، في حين تندمج قريتاWertheim Village وIngolstadt Village بانسجام طبيعي ضمن الرحلات حول فرانكفورت وميونخ.
ولم تعد هذه السلسلة محصورة في حدود أوروبا، إذ حملت قريتا Shanghai Village وSuzhou Village هذا المفهوم إلى الصين، بينما قدّمت Belmont Park Village في لونغ آيلاند The Bicester Collection إلى الولايات المتحدة. والعضو الأحدث في هذه العائلة يستمدّ أجواءه من سحر قرية تعود للقرن التاسع عشر، لأنه كما يبدو، حتى يوم التسوّق في نيويورك يستحق لمسة سينمائية من التصميم المسرحي! وبعد اثنتي عشرة قرية، باتت الفكرة عالمية الانتشار، لكنّ متعتها تبقى ذات طابع شخصيّ بشكل مدهش: أن تخرجي من المدينة، وتبطئي إيقاع اليوم، وتتركي مساحة كافية لاكتشاف شيء لم تكوني بالضرورة تبحثين عنه.
وبطبيعة الحال، تصبح رحلة الاكتشاف أسهل بكثير عندما يكون هناك من يعرف سلفاً أين يبحث. ففي Bicester Village، تقدّم خدمة التسوّق الشخصي تجربة استثنائية عبر أكثر من 150 متجراً فاخراً للموضة، وأسلوب الحياة، والجمال. إذ يمكن للمتسوّق الشخصي إعداد تشكيلة لك داخل إحدى الأجنحة الخاصة، أو مرافقتك أثناء التجوّل في القرية، أو التواصل معك عبر تطبيق WhatsApp طوال رحلتك. وهو ما يصنع الفارق الحقيقي بين قضاء فترة ما بعد الظهر متسائلةً عمّا إذا كان مقاسك متوفراً، وبين أن تصلي لتجدي أنّ هناك من عثر على مقاسك، واقترح عليك بديلاً، وربما جلب لك تلك القطعة المثالية التي لم تعلمي حتى أنك بحاجة إليها. وفي قرى أخرى مثل Maasmechelen Village، تمتدّ هذه التجربة افتراضياً من قلب منزلك عبر جلسات تنسيق الإطلالة عن بُعد وتوصيل مشترياتك المختارة إليك مباشرةً. كما أن ثمة طابعاً فاخراً ينبع من حرية التنقل دون حمل حقائب التسوّق. إذ تتيح لك خدمة التسوّق بحرّية جمع حقائبك تلقائياً أثناء تجوّلك للاستلام لاحقاً، وهو تفصيل قد يبدو بسيطاً حتى تجدي نفسك تحاولين الموازنة بين عدة أكياس، وهاتفك، وفنجان القهوة، لتدركي حينها أنه أمر ضروري.



وتوفّر صالةThe Apartment ملاذاً خاصاً بدعوة حصرية لأكثر ضيوف المجموعة وفاءً، بينما تتيح الشراكات المبرمة مع برامج السفر اكتساب أميال طيران مقابل مشترياتهم. ثم يحين دور الغداء الذي لا ينبغي التعامل معه كاستراحة عابرة بين المتاجر. ففي Bicester Village، تجعل أسماء شهيرة مثل Cecconi’s وOttolenghi من السهل جداً للزيارة السريعة الموعودة أن تستغرق بقية فترة بعد الظهر.
وبعد زيارات متكرّرة، يطوّر المرء نظامه الخاص. الانطلاق باكراً، وأيام منتصف الأسبوع هي الأفضل إن كنت تفضّلين روئية الأزياء فعلياً. ومن لندن، استقلّي القطار المباشر من محطة Marylebone إلى Bicester Village، واجعلي الرحلة ذاتها جزءاً من طقوسك. احرصي على التسجيل في العضوية قبل وصولك لتطّلعي على الفعاليات والعروض والتجارب الحصرية. أحضري قائمة بمشترياتك بالتأكيد، لكن لا تتعلّقي بها كثيرا، فالموضة لم تكن يوماً مهتمة بشكل خاص بمخططاتنا.
ربما لهذا السبب أواصل العودة. فنحن نسافر مجدداً إلى المدن ذاتها لأنّنا نجد الراحة في معرفتها، غير أنّ الألفة وحدها لا تكفي، بل نريد دائماً شيئاً يفاجئنا. وتقع The Bicester Collection بين الاثنين: فأنت تعرفين بشكل عام كيف سيسير يومك، لكنك لا تعلمين أبداً ما القطعة التي ستغادرين بها.


والآن، عندما أفكّر في لندن أو باريس أو ميلانو أو برشلونة أو مدريد، لا أفكّر في وسط المدينة فحسب. فثمة عنوان آخر خارجها مباشرةً أصبح جزءاً من الخريطة في مخيلتي. ليس مجرّد محطة إضافية نضيفها إلى جدول الرحلة، وبالتأكيد ليس مكاناً أحتاج إلى من يقنعني بزيارته مجدداً. بل هو أقرب إلى تلك الوجهة التي تعودين إليها لأنها، بين فنجان القهوة الأول والغداء الممتدّ ومنسّق الإطلالات الذي يعرف ما تحتاجينه بدقّة والمشتريات غير المخطط لها تماماً، بدأت تشعرك بشيء يشبه العودة إلى الديار.
Bicester Collection
إقرئي أيضاً: أمينة خليل صورة تُجسّد مسيرة امرأة تتسلّق بثبات نحو مفهومها الخاص للنجاح!









