الكورسيه… الشكل الذي لم تنسه الموضة

الكورسيه… الشكل الذي لم تنسه الموضة
31 أكتوبر 2026 • إعداد: لين عبد الرحيم

قيل لنا أنّه بعدما ارتدت النساء الكورسيه لقرون، جاء القرن العشرون وحرّرهنّ منه. لكنّ التاريخ يقول شيئاً أكثر تعقيداً. فكلّما تراجعت طريقة لتحديد معالم الجسد، ظهرت طريقة أخرى مكانها. فقد تكون قد تغيّرت الصورة المطلوبة من حقبة إلى أخرى، من هيكل الجسد المستقيم إلى الخصر المحدّد ثم القوام الأقل انحناءً، لكنّ الموضة لم تتوقف عن إعادة رسم حدود الجسد.

بدأت الأشكال الأولى للكورسيه الغربي في أوروبا منذ القرن السادس عشر، لكنّها لم تكن تهدف بالضرورة إلى تشكيل صورة الخصر شديد النحافة الذي نربطه بهذه القطعة اليوم. ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر، كانت المشدّات تمنح الجسم شكلاً طويلاً يضيق تدريجيّاً نحو الخصر، وتثبت الوقفة لتصبح قاعدة تبنى فوقها الملابس. أي أنّ الكورسيه بدأ أقرب إلى بناء هندسي للجسد منه إلى مجرّد وسيلة لتصغير الخصر.

وحتى اسمه لم يبق ثابتاً. ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر، عرفت هذه القطعة بالإنجليزية باسم stays، قبل أن يصبح اسم corset أكثر شيوعاً مع تغيّر بنيتها في القرن التاسع عشر. ثمّ توزعت وظائفها لاحقاً على قطع مختلفة أبرزها ال girdle لتشكيل الخصر والوركين، وال waist cincher وshapewear بأشكالهما الحديثة. تغيّرت الأسماء والقطع، لكنّ فكرة إعادة تشكيل القوام بقيت حاضرة.

وكما تغيّر الاسم، تغيّرت المواد أيضاً. ومع انتشار الكورسيه، ترسّخت صورة الخصر شديد النحافة. إلا أنّ Valerie Steele، مؤرخة الموضة الأميركية ومديرة متحف الأزياء في Fashion Institute of Technology، تؤكد أنّ حالات الشد الأكثر تطرفاً لم تكن جزءاً من الاستخدام اليومي لجميع النساء. ففي كثير من الحالات، أدى الكورسيه وظيفة قريبة من ملابس تشكيل القوام الحالية: دعم الجسد وإعادة رسم خطوطه تحت الملابس. ولم تكن القطعة حكراً على النساء؛ فقد ارتداها بعض الرجال أيضاً حين كان الخصر الضيق والوقفة المستقيمة جزءاً من الصورة المرغوبة.

ولعل أكثر ما يكشف تعقيد العلاقة مع الكورسيه أنّ محاولة جعله أكثر راحة أنتجت واحدة من أغرب صوره. فقد طورت الطبيبة الفرنسية Inès Gâches-Sarraute، قرب مطلع القرن العشرين، مشداً بواجهة مستقيمة لتخفيف بعض الضغوط التي تفرضها التصاميم السابقة. لكن النتيجة جاءت مبالغاً فيها؛ فبرز الجزء الأعلى إلى الأمام واتجه الوركان إلى الخلف، لتظهر الهيئة المعروفة بانحناءة حرف S. وهكذا انتهت محاولة جعل الكورسيه أكثر راحة إلى واحد من أكثر أشكاله مبالغة.

ومع تغيّر الملابس في بداية القرن العشرين، لم تختفِ وظيفة الكورسيه بقدر ما بدأت تتوزع على قطع أخرى. فتولّت مشدات أخرى تشكيل الخصر والوركين. ثم جاءت العشرينيات بصورة مختلفة للجسد: قوام أكثر استقامة ومنحنيات أقل وضوحاً. لكنها لم تتخلّى عن تشكيل القوام. فاستخدمت النساء قطعاً للحدّ من المنحنيات للوصول إلى الشكل الجديد. ولم تستمرّ هذه الصورة طويلاً. ففي عام 1947، أعاد المصمّم Christian Dior الخصر المحدد إلى الموضة مع New Look، وهي الصورة التي ميّزتها الأكتاف المستديرة، والخصر الضيق، والتنانير الواسعة. ولتحقيق هذا الشكل، عادت النساء إلى المشدات التي تشكّل القوام. لم يعد الكورسيه بالشكل نفسه الذي عرفه القرن التاسع عشر، لكن وظيفته عادت: تشكيل الجسد من الداخل ليأخذ الفستان نسبه المطلوبة من الخارج. ثمّ حدث تحوّل آخر. فبعد قرون من إخفاء الكورسيه، جعل مصمّمون مثل Vivienne Westwood وJean Paul Gaultier بنيته جزءاً ظاهراً من التصميم. ووصلت الفكرة إلى إحدى أشهر صورها مع تصاميم Gaultier وإطلالة النّجمة Madonna في جولة Blond Ambition عام 1990. 

وفي عام 2026، لم يعد هذا الحضور يعتمد بالضرورة على الصورة التقليدية للكورسيه. كما ظهرت بنية الكورسيه في مواضع غير معتادة من الملابس، لتتحول من أداة لتضييق الخصر إلى وسيلة لإعادة بناء نسب الجسد نفسه. لهذا، لم يكن تاريخ الكورسيه انتقالاً بسيطاً من التقييد إلى الحرية. فقد تغير اسمه، والمواد المستخدمة في صناعته، ومكان ظهوره، والطريقة التي يُستخدم بها، وحتى شكل الجسد الذي يسعى إلى تشكيله. واليوم، قد لا يظهر بشكله التقليدي أو يهدف إلى تضييق الخصر، لكنه ما زال يعيد رسم نسب الجسد وبنيته. الكورسيه لم يختفِ، بل تغيّر دوره: من قطعة خفية تشكّل الجسد إلى عنصر ظاهر يعيد رسم ملامحه في التصميم نفسه.

الكورسيه

إقرئي أيضاً: BALENCIAGA Haute Couture لخريف وشتاء 2026–2027… أحجام Cristóbal وخفّة Piccioli

آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً