قبل أن تصبح حقيبة هيرميس من أكثر الحقائب المرغوبة في عالم الموضة، كانت الدار تصنع قطعاً لغرض مختلف تماماً. بدأت قصة هيرميس في باريس عام 1837، عندما افتتح تييري هيرميس ورشة متخصصة في صناعة لوازم الخيل والأحزمة. ومن هذه الخلفية جاءت مجموعة من المبادئ التي لا تزال واضحة في حقائب هيرميس حتى اليوم: جودة الجلد، دقة البناء، الاهتمام بطريقة الاستخدام، والتفاصيل التي تؤدي وظيفة فعلية قبل أن تصبح جزءاً من هوية التصميم.
وربما لهذا السبب لم تبدأ أشهر حقائب هيرميس بوصفها حقائب صممت لتصبح رموزاً للمكانة. واحدة جاءت من حاجة امرأة إلى حقيبة أكثر عملية، وأخرى ارتبط اسمها بأميرة بعد صورة شهيرة، وثالثة صممت للمسافرين، فيما تعود حقيبة أخرى مباشرة إلى عالم الفروسية. مع مرور الوقت، أصبحت أسماء مثل بيركين وكيلي وكونستانس وبوليد وإيفلين وبيكوتان جزءاً من قاموس حقائب هيرميس، ولكل منها قصة وتصميم ووظيفة مختلفة.

تأتي حقيبة بيركين في مقدمة أشهر حقائب هيرميس، لكن بدايتها كانت عملية أكثر مما قد يوحي حضورها الحالي. في عام 1984، التقى جان لوي دوما، الذي كان يتولى إدارة هيرميس آنذاك، بالممثلة والمغنية البريطانية جين بيركين خلال رحلة جوية بين باريس ولندن. تحدثت بيركين عن صعوبة العثور على حقيبة واسعة تناسب احتياجاتها كأم شابة، فرسم دوما تصميماً لحقيبة مستطيلة، مرنة وواسعة، يمكن استخدامها خلال اليوم والسفر. من ذلك اللقاء ولدت بيركين التي أصبحت لاحقاً واحدة من أكثر تصاميم الدار شهرة.


ولا تكمن شخصية بيركين في اسمها فقط. بنيتها الواسعة، المقابض القصيرة، الغطاء الجلدي، الأحزمة الجانبية والقفل جعلت منها حقيبة ذات ملامح واضحة يمكن التعرف إليها حتى مع تغير الجلد أو اللون أو الحجم. وهي مثال جيد على الطريقة التي تحول بها هيرميس التفاصيل العملية إلى عناصر تصميمية ثابتة.
أما حقيبة كيلي فتسبق بيركين بعدة عقود. صمم روبرت دوما الحقيبة في ثلاثينيات القرن الماضي، لكن الاسم الذي نعرفها به اليوم جاء لاحقاً. ففي عام 1956، انتشرت صورة للأميرة غريس كيلي وهي تحمل الحقيبة أمامها، فتحولت الصورة إلى لحظة مهمة في تاريخ التصميم، وسمتها هيرميس لاحقاً تكريماً لأميرة موناكو.



تختلف كيلي عن بيركين في حضورها البصري. شكلها شبه المنحرف أكثر تحديداً، ويمنحها المقبض العلوي والبناء المنظم طابعاً أكثر رسمية. ومع ذلك، طورت هيرميس الحقيبة على مر السنين بأحجام وطرق حمل مختلفة، من النماذج الصغيرة جداً إلى الأحجام الأكبر. وما بقي ثابتاً هو مجموعة التفاصيل التي تحدد هويتها، من الغطاء والأحزمة إلى القفل والمفتاح.
ثم تأتي حقيبة كونستانس، التي تقدم وجهاً مختلفاً لهيرميس. أطلقت عام 1967، وسميت باسم ابنة المصممة التي ابتكرتها، والتي كانت حاملاً أثناء العمل عليها. وأكثر ما يميز كونستانس هو القفل الأمامي على شكل حرف «H»، الذي لا يؤدي وظيفة الإغلاق فقط، بل يشكل أيضاً العنصر البصري الرئيسي في الحقيبة. كما يسمح حزامها القابل للانزلاق بحملها بطرق مختلفة، ما منحها منذ البداية طابعاً عملياً يناسب الحركة اليومية.



وإذا كانت بيركين وكيلي مرتبطتين اليوم بتاريخ طويل من الشهرة، فإن بوليد تكشف جانباً مهماً آخر من تاريخ هيرميس: اهتمام الدار بتغير أنماط الحياة. صممت الحقيبة عام 1923 للمسافرين وقائدي السيارات، في فترة كانت فيها السيارة نفسها تغير مفهوم السفر. واستفادت هيرميس من السحّاب الذي تعرف إليه إميل هيرميس في الولايات المتحدة في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين، ليصبح جزءاً أساسياً من بناء الحقيبة وشكلها ذي الزوايا المستديرة.



وهنا تظهر إحدى الأفكار المتكررة في تاريخ هيرميس: التصميم لا يبدأ بالزخرفة، بل بما يحتاج إليه الشخص الذي سيستخدم القطعة. في بوليد، ساعد السحّاب على الوصول إلى محتويات الحقيبة بسرعة، فيما جعل شكلها مناسباً لوضعها داخل حقائب السفر. وبعد أكثر من قرن، بقي التصميم ضمن مجموعات الدار بأحجام وصيغ مختلفة.
وتعود حقيبة إيفلين إلى جذور هيرميس في الفروسية بصورة أكثر مباشرة. فقد صممت في الأصل لحمل أدوات العناية بالخيل، ولهذا جاءت خفيفة وغير مبطنة، مع فتحات صغيرة تشكل حرف «H» في أحد جانبيها. وكان لهذه الفتحات غرض عملي في الأصل، إذ تسمح بتهوية الأدوات الموضوعة داخل الحقيبة. ومع انتقال إيفلين من الاستخدام المرتبط بالفروسية إلى الحياة اليومية، أصبح هذا التفصيل الوظيفي نفسه واحداً من العلامات التي تميز تصميمها.



أما بيكوتان فتستعيد بدورها مفردة من عالم الخيل ولكن بأسلوب أبسط. استوحي شكلها من أكياس العلف التي تحمل الشوفان للخيول، حتى إن اسمها مأخوذ من مصطلح فرنسي قديم يشير إلى كمية من الشوفان. بنيتها مفتوحة ومرنة، والجلد فيها غير مبطن في عدد من النماذج، ما يسمح للمادة نفسها بأن تكون العنصر الرئيسي في التصميم. ويضاف إليها قفل صغير يمنح الشكل البسيط تفصيلاً يمكن التعرف إليه بسهولة.



وهناك أيضاً حقائب مثل هيرباغ وغاردن بارتي التي تقدم قراءة أكثر يومية لفكرة حقيبة هيرميس. تجمع هيرباغ بين القماش والجلد وتستخدم عدداً من التفاصيل المرتبطة بتاريخ الدار في صناعة السروج، بينما تعتمد غاردن بارتي على حجم واسع وبناء أبسط يسمح باستخدامها كحقيبة يومية عملية.



لكن ما الذي جعل أشهر حقائب هيرميس تستمر كل هذه العقود؟ ربما يكون جزء من الإجابة في أن الدار لم تبن هويتها حول شكل واحد. بيركين واسعة وعملية، كيلي أكثر تنظيماً، كونستانس مصممة للحمل على الكتف، بوليد مرتبطة بالسفر، وإيفلين وبيكوتان تحملان إشارات واضحة إلى عالم الفروسية. تختلف الشخصيات، لكن المنهج واحد: يبدأ التصميم من وظيفة واضحة، ثم تأتي جودة الجلد والبناء والنسب والتفاصيل لتمنحه هويته.
وهذا ما يجعل تاريخ حقائب هيرميس أكبر من قصة حقيبتين شهيرتين. فمن ورشة لوازم الخيل التي افتتحت عام 1837 إلى حقيبة رسمت فكرتها على متن طائرة عام 1984، استمرت الدار في تحويل الاحتياجات اليومية إلى تصاميم تعيش لفترات أطول من الموسم الذي ظهرت فيه. وعند النظر اليوم إلى أشهر حقائب هيرميس، من بيركين وكيلي إلى كونستانس وبوليد وإيفلين وبيكوتان، يبقى الرابط بينها واضحاً: الشكل قد يتغير، لكن الحرفية والوظيفة تسبقان الزخرفة.
أشهر حقائب هيرميس
اقرئي ايضاً: “فينتج” … أم مجرد قديم؟ متى تتحوّل قطعة الأزياء إلى فينتج فعلاً؟









