ديكور منزل ٍShourouk Rhaiem في باريس 

15 سبتمبر 2026 • إعداد: أرزة نخلة

الدخول إلى منزل شروق رحيم في باريس يشبه الدخول إلى العالم الخفيّ وراء إبداعاتها: إنّها مساحة تلتقي فيها الألوان والعمل الحرفيّ بالجمال في انسجام تام. يقع المنزل في محترف فنّي قديم يعود لعشرينيّات القرن الماضي، حيث يغمره ضوء النهار الطبيعي، ليعكس الحسّ التصميمي الفريد للفنّانة المتميّزة: جريء لكن راقٍ، ومنسّق بدقة تفيض بلمسات شخصية. كلّ زاوية فيه تروي حكاية، من مقتنيات عائلية ثمينة إلى قطع فريدة جمعتها عبر السنين، بينما تخفّف النباتات الخضراء والأقمشة الناعمة من حدّة الفضاء المعماري المفتوح الذي تحبّه. إنه منزل مليء بالتناقضات الجميلة، حيث يتخفّى الترتيب وراء العفوية، وتنساب الأناقة دون تصنّع، وتصبح الأصالة هي الترف الحقيقي. وفي هذا الحوار الخاص، تفتح لنا شروق رحيم أبواب العالم الذي تعتبره أصدق انعكاس لشخصها.

التصوير: Loïc Rodriguez

المكياج: Sharbel Hasbany

ما هي النقاط المشتركة بين التصميم الداخلي لهذا المنزل وشخصيتك؟

أظنّ أنّ منزلي يعكس شخصيتي المليئة بالتناقضات. فأنا أحبّ البقاء في المنزل كثيراً، لكنّني لا أحتمل الشعور بالاحتباس في المساحات المغلقة. أعيش في محترف فنّي قديم يعود لعشرينيّات القرن الماضي، بأسقف شاهقة وواجهة زجاجية ضخمة تغمر المكان بالنور الطبيعي. لذا لم تجذبني يوماً الشقق النمطية بأسلوب Haussmann، بممرّاتها الطويلة وغرفها المغلقة. أحتاج دائماً إلى الاتساع، وإلى الضوء والمساحة كي أتنفّس. وفي الوقت نفسه، أحبّ إضفاء إحساس بالراحة. هناك نباتات مورّقة في كلّ مكان، إلى جانب الأقمشة الناعمة، والقطع المفعمة بالألوان، والمقتنيات العائلية المتوارثة، وكنوز صغيرة جمعتها على مر السنين. أحبّ الألوان، لكن دون أن تتحوّل إلى فوضى، وأعشق الجمال بعيداً عن الكمال. كلّ قطعة هنا مُنتقاة بعناية، لكنني لا أريد لبيتي أبداً أن يبدو وكأنّه يحتاج إلى جهد مفرط لتنسيقه.

أظنّ أن هذا يختصر شخصيتي: أحبّ التنظيم، لكنّني أخفيه وراء العفويّة. أعشق الأناقة، بشرط أن تبدو انسيابية دون تكلّف. منزلي هو على الأرجح أصدق صورة ذاتية قدّمتها لنفسي على الإطلاق.

ما هي القطعة التي تحمل أكبر قيمة عاطفية بالنسبة لك في هذا المنزل، ولماذا؟

أثمن ما أمتلكه في منزلي أغطية أسرّة كتّانية مطرّزة تعود لجدّتي. صنعتها بيدها لتكون ضمن جهاز العروس الخاص بها، باستخدام غرزة “نابل” التقليدية المنسوبة إلى مسقط رأسي في تونس. وكوني الحفيدة الكبرى، انتقلت هذه الأغطية إليّ، وهي تعيدني دائماً إلى طفولتي حين كنت أراقبها بشغف وهي تتأنّق. واليوم، أصبحت هذه الحرفة اليدوية نادرة جداً، ممّا يجعل هذه القطع أكثر قيمة بالنسبة إليّ.

الألوان، الطبعات، واللمسات البرّاقة لا تكتفي بتزيين منزلك، بل تصبح جزءاً من جوهره. كيف تتلاقى هذه العوالم بهذا التناغم الرائع؟

بالنسبة إليّ، يكمن السرّ في التوازن. المنزل أشبه بوصفة طهي: أي زيادة في أحد المكوّنات قد تطغى على المذاق بأكمله. أحبّ إدخال الألوان عبر المنسوجات، وتحديداً الوسائد، لأنها تستطيع تحويل أجواء الغرفة بالكامل. أغيّرها باستمرار مع تغيّر الفصول أو تقلّبات مزاجي، وحتى باقة الزهور أختارها أحياناً لتتناغم مع ألوان تلك الوسائد.

معظم المنسوجات في منزلي من متجر Liwan، وهو متجر لبناني راقٍ للمستلزمات المنزلية، له فروع في باريس وبيروت. وسائده وأغطية الأسرّة وأقمشته تجمع بين الأناقة والرفاهية والراحة. برأيي، لا ينبغي أبداً أن يكون المنزل جميلاً على حساب الراحة، بل يجب أن تشعري فيه بالارتياح أوّلاً.

أمّا أعمالي الفنّية فتضيف طبقة أخرى من الجمال، إذ إنها تحوّل القطع العادية إلى مقتنيات ثمينة. لكن أكثر ما يعجبني فيها هو تفاعلها مع الضوء الطبيعي. فعندما تتحرّك الشمس في أرجاء المنزل، تلتقط قطع الكريستال نورها لتملأ الغرف بإنعكاسات متلألئة، فيبدو المكان فجأة حيّاً ومتجدّداً باستمرار. وتأتي النباتات لتكمل الصورة، فهي تضفي الهدوء، وتجمع بين هذه العناصر المختلفة، وتمنح العين مساحة للراحة. كما أحبّ أنّها تنمو وتتطوّر مع الوقت، ممّا يجعل المنزل ينبض بالحياة بطريقة مختلفة كلّ يوم.

هلّا تشاركينا ذكريات خاصة عشتها أثناء عملك على التصميم الداخلي لهذا المنزل؟

تعود إحدى ذكرياتي المفضّلة إلى مرحلة طفولتي، حين كنت مذهولة بفيلم الخيال Peau d’Âne للمخرج الفرنسي Jacques Demy، وكنت أحلم دوماً بالعيش في عالمه الساحر بألوانه الهادئة. ثمّة مشهد بقي محفوراً في ذاكرتي للأبد: حين وقفت الممثّلة Delphine Seyrig بدور La Fée des Lilas أمام مرآة ضخمة تتوسّط الغابة، فأسرتني بفستانها ومجوهراتها.

وبعد سنوات طويلة، حين أصبحت قادرة على اقتناء قطعة خاصة لمنزلي، توجّهت إلى سوق Saint-Ouen للمقتنيات القديمة بحثاً عن مرآة زئبق عتيقة. وهناك، عثرت على مرآة زئبق رائعة من عهد Napoléon الثالث وأحطتها بالنباتات لأعيد ابتكار ذلك المشهد الخيالي في منزلي. وكلّما نظرت إليها اليوم، تذكّرني بإحساس الدهشة ذاته الذي شعرت به وأنا طفلة.

نلاحظ أن منزلك مليء بالسلال المصنوعة يدوياً. هلّا تحكي لنا القصة وراءها؟

غالباً ما يربط الناس بين Jane Birkin وحقيبة Birkin الشهيرة من دار Hermès، لكن بالنسبة إليّ، لم تكن إطلالاتها الأكثر تميزاً تتعلّق يوماً بالحقائب الفاخرة، بل بتلك السلّة البسيطة التي كانت تحملها معها في كلّ مكان. وبطريقة ما، هذه السلّة هي حقيبة Birkin الخاصة بي، فلطالما وجدتها أكثر أناقة من أي حقيبة فاخرة أخرى. أكثر السلال التي أحبّها تأتي من تونس، وتحديداً من علامة Hanout التي ينحدر مؤسِّسَها من مسقط رأسي نابل. تُنسج هذه السلال باستخدام تقنيات قديمة من نابل وجنوب تونس، على أيدي نساء ورثنَ هذه الحرفة عن أمّهاتهنّ وجدّاتهنّ. وما أحبّه بالقدر نفسه هو الإيقاع الذي يرافق صنعها. فنحن نعيش في عالم نتوقّع فيه الحصول على كلّ شيء فوراً، لكن هذه السلال تتبع فصول السنة. فتجني النساء التمور، ويقطفنَ الزيتون، ويحتفلنَ بالأعراس، وبعد كلّ ذلك فقط يأتي وقت الحياكة. أحياناً ننتظر أشهراً للحصول على سلّة واحدة، وأجد ذلك في غاية الروعة، فهذا يذكّرنا بأنّ الحرفية الحقيقية لا يمكن استعجالها.

هل هناك تفاصيل خاصة تحرصين على إضافتها إلى منزلك لجلب الطاقة الإيجابية؟

بالنسبة إليّ، الطاقة الإيجابية ليست شيئاً نشتريه من المتاجر، بل هي حالة نصنعها بأنفسنا. وأحبّ اللحظات إلى قلبي هي حين يشغّل زوجي أسطوانة لـ Aretha Franklin ويبدأ بطهي طبق كبير من المعكرونة، بينما أتولّى أنا ترتيب الطاولة لاستقبال الأصدقاء. أُشعل بضع شمعات، وأشغّل المصباح المعطّر من Maison Berger، ثم أضع باقة زهور نضرة في الوسط. إعداد العشاء في المنزل هو أحد طقوسي المفضّلة على الإطلاق. أمّا بالنسبة إلى الطاقة الإيجابية في المكان… فحتى قطّة الجيران تبدو متّفقة معنا! أطعمناها قطعة صغيرة من البوتارغا لمرة واحدة فقط، فوقعت في حبّ منزلنا وبدفء ضيافتنا، وقررت ألّا تغادر أبداً!

ما الذي تأملين أن يفهمه الناس عن رؤيتك الفنّية بعد رؤية منزلك؟

آمل أن يكتشف الناس أنّني أقلّ صخباً و”بهرجة” بكثير ممّا يتخيّلون. فنظراً أنّ عملي يدور حول الكريستال والبريق، يفترض الناس دائماً أن تلك هي تفاصيل حياتي اليومية أيضاً، فيهدونني أكواباً برّاقة، أو زينة متلألئة، أو أي قطعة تحمل صورة Frida Kahlo، مقتنعين بأنني سأحبّها. والحقيقة عكس ذلك تماماً! فالكريستال مكانه في أعمالي الفنّية، فهو لغتي التعبيرية، لكنّني لست بحاجة لرؤيته على كلّ قطعة في حياتي اليومية.

في الواقع، يمثّل بيتي توازناً بين التصميم المعاصر والقطع العتيقة والمقتنيات العائلية المتوارثة. وباستثناء كؤوس الكريستال من Saint-Louis التي تضفي بريقاً ناعماً على مائدتي، أفضّل الحرفية الجميلة على البريق. وآمل أن يساعد هذا المنزل الناس على إدراك أن عملي ليس مجرّد بريق، بل تحويل الأعمال العادية إلى قطع استثنائية… وربما يمتنعون أخيراً عن إهدائي أشياء برّاقة!

ما هي النصيحة التي تقدّمينها لكلّ من ترغب في إضفاء مزيدٍ من التعبير الفنّي على منزلها؟

قبل كلّ شيء، لا تخافي من ارتكاب الأخطاء. قالت Diana Vreeland ذات مرة: “عالم بلا طبعة النمر، ومن قد يرغب في العيش فيه؟”. أعشق هذه المقولة لأنها تذكّرنا بأنّ القليل من الغرابة والتميّز يجعل الحياة — والمنزل أيضاً — أكثر إثارة للاهتمام بكثير. لم تعجبني يوماً الديكورات الداخلية التي تبدو مثالية أكثر من اللازم، وكأنّها خرجت للتوّ من صالة عرض. فهي جميلة للعين، لكنّها نادراً ما تخبرك بأي شيء عن أصحابها.

بالطبع، استثمري في قطعٍ تتجاوز حدود الزمن – مثل أريكة أنيقة، طاولة ممتازة، أو كراسٍ ذات تصميم متقن—  ولكن اتركي منزلك ينمو ويكتمل بشكل طبيعي بعد ذلك. اجمعي القطع مع الوقت. أحضري معك تحفاً وأغراضاً من رحلاتك، وزوري أسواق القطع المستعملة، واحتفظي بقطع ورثتها عن عائلتك. بعض الأشياء لن تبدو كما تخيّلتها تماماً، وهذا أمر طبيعي جداً. ففي كثير من الأحيان، تكون القطعة التي لا تبدو متناسقة تماماً هي صاحب القصة الأجمل. أعتقد أنّ أجمل المنازل هي التي لا تكتمل أبداً، بل تتطوّر وتنمو مع ساكنيها، وتتراكم فيها طبقات من الذكريات والاكتشافات والمصادفات السعيدة. هذا تحديداً ما يمنح المنزل جوهره الحقيقي.

لو كان بإمكان منزلك أن يتكلّم، فما هي القصة التي سيحكيها؟

لو كان بإمكان منزلي أن يتكلّم، لقال على الأرجح: “أرجوك… توقّفي عن شراء الأحذية، لم تعد هناك مساحة فارغة على الإطلاق “!

غالباً ما يرتبط البريق بالاحتفال والفخامة، لكن أعمالك تمنحه طابعاً فنياً أكثر عمقاً. ما الذي يتيح لك البريق التعبير عنه ولا تستطيع الوسائط الفنية الأخرى ذلك؟

غالباً ما يعتقد الناس أنّني أستخدم الكريستال لأنني أحبّ البريق، لكنّ القصة ليست كذلك في الحقيقة. عندما كنت طفلة، أذهلتني الإعلانات التلفزيونية. فهي لم تكن تروّج لمنتج فحسب، بل كانت تبيع حلماً: العائلة المثالية، المنزل المثالي، والحياة المثالية. وفي وقت كانت فيه العلاقة بين والديّ صعبة، كنت أرغب بشدّة في التصديق بأنّ تلك العوالم حقيقية.

بعد سنوات، وبدلاً من الحديث عن الأمر على أريكة طبيب نفسي، حولّته إلى عملي الفنّي، فأعدت ابتكار تلك الأحلام. أخذت منتجات يومية عادية — من النوع نفسه الذي أُعجبت به على الشاشة — وحوّلتها إلى قطع تشبه المجوهرات. بالنسبة إليّ، كان الأمر يشبه إلى حدّ ما فيلم Breakfast at Tiffany’s حيث وقفت Audrey Hepburn أمام متجر Tiffany تحلم بالألماس، بينما تخيّلت نفسي واقفة في Place Vendôme في باريس، أتأمّل… زجاجة منظّف، وكأنّها أثمن قطعة من المجوهرات الفاخرة. وكانت بلّورات الكريستال هي المادة الوحيدة التي يمكنها أن تجعل ذلك الحلم المستحيل يبدو حقيقياً.

أمّا الجزء الأجمل؟ في الوقت الذي كانت تحلم فيه معظم الفتيات الصغيرات بالزواج من فارس الأحلام، انتهى بي المطاف بطريقة ما بالزواج من منتج إعلانات تجارية — الرجل الذي تتمثّل وظيفته تحديداً في صنع تلك الإعلانات نفسها التي سحرتني وأنا طفلة. أقسم أنّني لم أخطّط لذلك… لكنّني أحب أن أعتقد أن للحياة حسّاً مدهشاً من الدعابة في تحديد مساراتنا.

هل لديك أي مشاريع قادمة مشوّقة ترغبين في مشاركتها معنا؟

نعم! في نهاية شهر سبتمبر، سأعرض في معهد العالم العربي في باريس مشروعاً عزيزاً على قلبي بشكل خاص. فلأوّل مرة، سأعرض صور زفاف معدّلة من ألبوم عائلتي الخاصّ، تمتدّ من خمسينيات القرن الماضي إلى ثمانينياته. وهذا العمل الفنّي، الذي يحمل عنوان Nuptiae Neapolis، يدعو الزوار إلى الانغماس في قصص عائلتي، وفي مدينة نابل التي أنتمي إليها، وفي التقاليد والذكريات والاحتفالات التي شكّلت هويتي. إنّها رحلة عبر ألبومات عائلتي، لكنّني آمل أن يشعر الزائر وكأنه يدخل إلى حفل زفاف جيل بأكمله. وبالطبع… سيحمل العمل الكثير من البريق. فما الذي يعنيه حفل زفاف شرقيّ من دون تطريزات برّاقة، ومجوهرات مبهرة، وألوان زاهية، وقليل من السحر؟

إقرئي أيضاً: مائدة مفعمة بالألوان البرّاقة مع شروق رحيم

آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً