عندما يصبح التعليم أسمى مظاهر الفخامة

12 نوفمبر 2025 • إعداد: ماري كلير العربية

في عالمٍ يتحرك بسرعة الضوء، حيث تتبدّل الاتجاهات كما تتبدّل المواسم، يصبح التفرّد فخامة في ذاته. أن تكون مختلفًا اليوم يعني أن تمتلك شجاعة أن تكون نفسك في زمنٍ من النسخ المكرّرة، وأن تعرف كيف تترك بصمتك. منذ اللحظة التي أفتح فيها عيني كلّ صباح، أجد نفسي أسير بخطواتٍ معتادة نحو الحرم الجامعي للتدريس، حيث ينتظرني طلابٌ تلمع أعينهم بالشغف، يبحثون عن إجاباتٍ لأحلامهم في عالم الفخامة. هناك، أُدرك أنّ التعليم هو الفخامة التي لا تُشترى، وأنّ المعرفة هي أثمن قطعة مجوهرات في حياة الإنسان! التدريس جعلني أتعلّم كلّ يوم، كما لو أنّ كلّ محاضرة هي نافذة جديدة على العالم. وحين أتحدّث عن الفخامة أمام طلابي، لا أصفها كسلعة، بل كـمنهج حياة متكامل، إحساس نادر بالاكتمال، لا يمنحه سوى العمق والفكر. من هنا، ولدت قناعتي بأنّ التعليم هو أرقى مظاهر الفخامة؛ لأنه يوسّع الأفق، ويهذّب الذوق، ويمنح الإنسان قدرة على التمييز بين اللمعان الزائف والبريق الحقيقي.

الإعداد: د. إسراء الشطي، أستاذة جامعية ومستشارة في مجال إدارة الفخامة والإقتصاد

ما الذي يجعل الإنسان منجذبًا إلى الفخامة؟

سؤال طرحه الفلاسفة منذ قرون: هل هي حاجة؟ رغبة؟ أم بحث عن هوية؟ قد يجيب ماسلو بأنّها تندرج ضمن قمّة هرمه، الحاجة إلى التقدير وتحقيق الذات، بينما يفسّرها فرويد كرغبة دفينة في الإشباع الرمزي، ويراها الإغريق سعيًا نحو الكالوس )الجمال المثالي(. ومع ذلك، لا يوجد تعريف واحد للفخامة، لأنّ معناها يختلف من شخصٍ إلى آخر، ومن ثقافةٍ إلى أخرى. في باريس، قد تكون الفخامة لحظة صمتٍ في متحف. وفي الخليج، قد تكون لحظة فخر بقطعةٍ تحمل حِرَفية الأجداد.

الفخامة — في جوهرها — مرآة للوعي الإنساني، تتلوّن بثقافتنا وقيمنا. في روما القديمة، كانت لوكسوريا تُعدّ خطيئة تشير إلى الإفراط والترف، وكانت القوانين تُسنّ لتقييدها. ومع ذلك، لا تزال بقايا الفلل الرومانية واللوحات الفسيفسائية تروي قصة عشق الإنسان للجمال. ثم جاء الفيلسوف الإغريقي إبيقور، قبل أكثر من 2300 عام، ليتأمّل معنى المتعة. دعا إلى حياةٍ تقوم على السعادة والحذر، على لذّةٍ واعية لا انغماسٍ أعمى. ومنه وُلد مصطلح “الإبيقورية،” الذي صار يعني شغفًا راقيًا بالمتعة والذوق.

لكنّ الفخامة لم تكن فقط بحثًا فلسفيًا؛ كانت أيضًا عاملًا اقتصاديًا ضخمًا عبر العصور. في فرنسا، على وجه الخصوص، تحولت الفخامة منذ القرن السابع عشر إلى سياسة دولة.

في عهد الملك لويس الرابع عشر، ملك الشمس، أصبحت الفخامة أداةً لإظهار مجد فرنسا أمام العالم، قام الوزير جان باتيست كولبير بتنظيم الحرف الراقية، فأنشأ مصانع الكريستال والخزف والمنسوجات الفاخرة، وجعل من باريس مركزًا عالميًا للصنعة والإبداع.

منذ ذلك العصر وحتى اليوم، لا تزال الفخامة محرّكًا رئيسيًا للاقتصاد الفرنسي، ومصدر فخرٍ وطني ندرّسه اليوم كأحد أهمّ النماذج الاقتصادية في قطاع الفخامة العالمي. في القرن التاسع عشر، قدّم ثورستين فبلن في كتابه "نظرية الطبقة المترفة" مفهوم “الاستهلاك التفاخري” كوسيلة لإظهار المكانة الاجتماعية. لم تكن الفخامة، في نظره، جمالاً فحسب، بل لغة تُعبّر عن القوة والانتماء.

ومع تطوّر الزمن، تحوّلت هذه اللغة لتصبح أكثر انفتاحًا وديمقراطية. فلم تعُد الفخامة حكرًا على النخبة، بل تشعّبت إلى مستويات جديدة— من الفخامة التقليدية إلى ما نسمّيه اليوم بـ الفخامة الجديدة  (New Luxury) التي تمزج بين الجودة، والتجربة، والمشاعر.

السؤال لم يعُد: "كم تملك؟" بل أصبح: "ماذا تشعر؟"

ظهرت مصطلحات مثل “الماسْتيج”، “الألترا بريميوم”، و”الهايبر لوكسري”، وكلّها تحاول توصيف أشكالٍ جديدة للفخامة المعاصرة. الفخامة ليست في الشيء ذاته، بل في القصة التي يرويها: هي توقيت، وإرث، وهوية.

من هنا، يولد مفهوم الفخامة الفائقة — قمة الهرم، حيث الندرة تبلغ ذروتها، والتجربة تتحول إلى أسطورة شخصية. اليخوت الخاصة، الطائرات الفارهة، المقتنيات الفنية، العطور المصنوعة بناءً على الحمض النووي، جميعها تمثل هذا المستوى من الفخامة الذي لا يُشترى فقط بالمال، بل بالتجربة والزمن والعاطفة. في هذا العالم الرفيع، تتجلّى الفخامة…

الفخامة الفائقة كفنّ للعيش أكثر منها امتلاكًا

هي مساحة تتقاطع فيها المجوهرات النادرة مع الفنون الجميلة، حيث كل قطعة تحكي حكاية لا تتكرر. من ألوان الجواهر في قطع “توتي فروتي” الشهيرة من كارتييه التي جمعت بين الفن الهندي والذوق الفرنسي، إلى ساعات باتيك فيليب التي تُورَّث عبر الأجيال، كلّها شواهد على أن الفخامة هي ذاكرة تُصاغ بالذهب والحِرفة.

في هذا المستوى من الفخامة، تُصبح العلاقة بين العلامة والعميل فنًّا من فنون الضيافة النفسية. فدور الفخامة الفائقة لا تبيع منتجًا، بل تبني علاقةً سرّية من الثقة والتميّز. كل عميل يُعامل كـ “عالمٍ خاص”، تُستشف رغباته قبل أن يُعبّر عنها.

في الفنادق والمنتجعات الفائقة مثل ريتز كارلتون ريزيرف – نجومه (Nujuma) أو أمان فينيشيان بالبندقية، تبدأ التجربة منذ اللحظة التي يُفتح فيها الباب. تُخاطب التفاصيل كما لو كانت قصيدة: العطر في الغرفة، الضوء، النسيج، وحتى درجة الحرارة – جميعها عناصر مدروسة لغرس إحساسٍ بالانتماء الفاخر.

أمّا في عالم المجوهرات النادرة، فتُخلق القطعة على وقع الزمن. تُصنع لتعيش قرونًا، لتُروى كقصة حبّ، لا كعملية بيع. وفي عالم اليخوت والطائرات الخاصة، تتجاوز الفخامة حدود البحر والسماء، لتصبح تجربة وجودية تجمع الحرية، الخصوصية، والهيبة. هذه هي الفخامة التي أؤمن بها: قوة اقتصادية راقية، تحرّك أسواقًا، وتُوظّف آلاف الحرفيين، وتُعيد تعريف معنى التميّز.

اتّجاه الفخامة اليوم نحو اقتصاد الطول العمري

ومع تطوّر الرؤى العالمية، تتجه الفخامة اليوم نحو اقتصاد الطول العمري (Economy of Longevity)، حيث يُعاد تعريف الثراء لا بالكمّ، بل بالقيمة النوعية للحياة، وبالقدرة على الجمع بين الفخامة، والتعليم، والتجربة.

ومن هذا المنطلق، أرى أنّ الفخامة المستقبلية في دول الخليج تحمل بعدًا استراتيجيًا استثماريًا بالغ الأهمية؛ فالرؤية الخليجية اليوم لا تُعرّف الفخامة كمظهرٍ من مظاهر الرفاهية فحسب، بل كقوة ناعمة قادرة على جذب المستثمرين العالميين، وإعادة تشكيل الاقتصاد من الداخل نحو اقتصادٍ يُزهر بالفكر، والثقافة، والابتكار.

ولهذا السبب، أُؤمن بأنّ التعليم هو الركيزة الأساسية لهذا التحوّل؛ لأنّه لا يُعدّ وسيلة للارتقاء الفردي فقط، بل أداة لتغذية الاقتصاد بالمعرفة والكوادر القادرة على قيادة مشهد الفخامة الآخذ في التوسّع في الخليج. فالفخامة هنا لا تكتفي بدعم الاقتصاد، بل تغذّيه، وتُنضجه، وتمنحه هوية متفرّدة تجعل من المنطقة مركزًا عالميًا يستقطب الثروة والفكر في آنٍ واحد.

إلى صُنّاع العلامات الصغيرة في الخليج: الفخامة ليست السعر الذي يوضع على المنتج، بل الزمن والسرد. امنحوا الحكاية وقتها، فالثقة تُبنى ببطء، والهوية تُصنع بالمعرفة. ثقافتنا الخليجية، بعمقها وكرمها وأناقتها، تملك ما لا يمكن تقليده، وهي قادرة على صياغة فخامة عربية جديدة تُحدّث العالم بلغة الإرث، والذوق، والرمزية.

وفي النهاية، أعود إلى يقيني الأعمق: التعليم، بالنسبة لي، هو الفخامة المطلقة لأنه يحرّر الذهن، ويهذّب الحواس، ويجعلنا أكثر جمالاٍ ووعيًا بذواتنا وبالعالم من حولنا!

إقرئي أيضاً: الثقافة والحواس قصة ترابط مع الدكتورة إسراء الشطي

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    آخر الأخبار

    قد يعجبك أيضاً