تفتح الفنون الرقمية اليوم آفاقاً جديدة للتعبير والإبداع، وتعيد صياغة علاقتنا بالصورة والمكان والتجربة الإنسانية. وفي حوارنا مع ميثاء علي البلوشي، مديرة إدارة الفنون الواعدة في «دبي للثقافة» ومديرة مشروع إيسيا 2026 المرتقب في دبي من 6 حتى 15 نوفمبر 2026، نتعمّق في الرؤى والأفكار التي تقف وراء هذه النسخة من المؤتمر الدولي للفنون الرقمية والواعدة، ونستكشف كيف تسهم التقنيات الحديثة في ابتكار تجارب فنية تفاعلية، وتعزيز حضور المواهب المحلية على الساحة العالمية. كما تحدّثنا عن دور الفن في إعادة اكتشاف المدينة، وتقريب التجارب الرقمية من الجمهور، وعن الآفاق التي ترسمها هذه التجربة لمستقبل الفنون الرقمية في دبي.

- إلى أي مدى أصبح اليوم التعاون بين الفنّ والعلوم والتكنولوجيا ضرورياً لتطوير المشهد الثقافي المعاصر؟ وكيف يمكن لهذا التقاطع الذي نراه في هذه النسخة من المؤتمر الدولي للفنون الرقمية والواعدة أن يفتح آفاقاً جديدة أمام المبدعين في دبي؟
تظهر أهمية هذا التقاطع عندما تصبح التكنولوجيا جزءاً من طريقة بناء العمل الفني، وليس مجرد وسيلة لعرضه. فتحويل الحركة إلى تعبير بصري، أو توظيف الذكاء الاصطناعي في الرسوم المتحركة، يطرح أسئلة فنية وبحثية تتعلق بكيفية تمثيل الإنسان، ودور الفنان في توجيه الأدوات الرقمية، والعلاقة بين البيانات والتجربة الحسية. وهذه أسئلة تحتاج إلى تعاون بين الفنانين والباحثين والمتخصصين في التكنولوجيا.
ويقدم البرنامج الأكاديمي لـ«إيسيا 2026» أمثلة محددة على ذلك؛ إذ تتناول مايا سرفاتي تحويل الحركة إلى تعبير بصري، فيما يناقش هانس رال وأليس يانغ الحفاظ على البعد الإنساني في الرسوم المتحركة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وفي محور «مستقبَلات بيئية – تكنولوجية»، يستعرض تومويا إيشيباشي مشروعاً يحوّل مخلفات الأنهار إلى مجاهر لفحص النهر نفسه، وتتناول تجربة ييتاو يوان العلاقة بين الفطريات والأداء الفني. هنا، تصبح المادة والبيانات والبحث العلمي عناصر في التفكير والإنتاج الفني.
وبالنسبة للمبدعين في دبي، تتيح هذه التجارب الاطلاع على طرائق عمل تتجاوز الفصل بين التخصصات، ومناقشة الخيارات الفنية والتقنية مع أصحابها. وتكمن قيمتها في مساعدة الفنان على تحديد ما يحتاجه مشروعه من معرفة أو تعاون متخصص، وكيف يمكن توظيف ذلك للتعبير عن قضايا محلية، سواء ارتبطت بالبيئة أو الذاكرة أو الهوية.
- ما هي الفرص التي تتيحها التقنيات الحديثة للفنانين لتجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات، وصياغة تجارب أكثر تفاعلاً مع الجمهور وكيف يمكن تحويل التفاعل الدولي الذي تستقطبه “إيسيا 2026” إلى فرص مستدامة للمواهب المحليّة؟
تمنح التقنيات الحديثة الفنان إمكانية الجمع بين الصورة والصوت والحركة والبيانات ضمن تجربة واحدة. ويتيح البرنامج مناقشة هذه الإمكانات من زوايا مختلفة؛ من الوسائط الغامرة والجلد الرقمي لدى إينا كونرادي تشافيز ومارك تشافيز، إلى التواصل عبر الضوء التفاعلي لدى مارتينا مرونغوفيوس، والذكاء الاصطناعي والهوية لدى يو-تشوان تسنغ. وتفتح هذه الموضوعات نقاشاً حول كيفية بناء العلاقة بين العمل والمتلقي، وما الذي تضيفه التقنية إلى المعنى والتجربة.
ويضم البرنامج الأكاديمي الافتراضي 145 ورقة بحثية، وأكثر من 50 لقاءً مع الفنانين وجلسة حوارية، وأكثر من 10 ورش عمل، إلى جانب ما يزيد على 45 ورشة وجلسة وعرضاً تقديمياً ضمن المسارات الخاصة، و7 ورش عمل في المختبرات البيئية، وأكثر من 20 عرضاً تقديمياً للمؤسسات. ويتيح هذا التنوع للمواهب المحلية الجمع بين الاطلاع على البحث، ومناقشة الممارسة الفنية، والتعرف إلى تجارب المؤسسات المشاركة.
ولتحويل هذا الحضور الدولي إلى قيمة مستمرة، نشجع الفنان على المشاركة انطلاقاً من سؤال أو مشروع يعمل عليه: اختيار الأوراق والورش المرتبطة به، ومناقشة التحديات مع المتخصصين، ثم متابعة التواصل لتبادل المعرفة أو بحث إمكانية تطوير عمل مشترك. فاستدامة الأثر ترتبط بما يستطيع المشارك تطبيقه وتطويره بعد المؤتمر، وليس بعدد اللقاءات وحده.

- كيف يساهم “إيسيا 2026” بشكله الجديد في جعل التجارب الرقمية أكثر ارتباطاً بحياة المجتمع وتعزيز جمهور يمتلك الفضول والاستعداد للتفاعل مع أشكال فنية وتقنيات لم يألفها من قبل؟
يجمع «إيسيا 2026» بين برنامج فني حضوري في مواقع متعددة بدبي وبرنامج أكاديمي افتراضي، بما يتيح مسارين للتفاعل: تجربة الأعمال مباشرة، والتعمق في الأفكار والأبحاث التي تناقشها. وتنطلق الأنشطة الأكاديمية في 6 نوفمبر بورش ضمن المسارات الخاصة، تليها الجلسات الرئيسية من 10 إلى 14 نوفمبر. وبذلك يمكن للمهتمين متابعة الجانب البحثي عبر المنصات الرقمية، إلى جانب زيارة البرنامج الفني خلال فترة المؤتمر.
ويضم البرنامج الفني أكثر من 100 عمل، تشمل تجارب رقمية غامرة وأعمالاً تركيبية تفاعلية وعروضاً سمعية وبصرية. وتتيح هذه الصيغ مداخل متعددة لفهم الفن الرقمي؛ فقد يبدأ اهتمام الزائر بالصورة أو الصوت أو طريقة حضور العمل في المكان، ثم ينتقل إلى التساؤل عن الفكرة والأدوات المستخدمة في إنتاجه. ولا يتطلب هذا المدخل معرفة تقنية مسبقة، بل يمنح الجمهور فرصة لبناء فهمه من خلال التجربة.
وتقرب موضوعات البرنامج هذا الحوار من حياة الناس؛ فالأرشفة التخيّلية التي يناقشها سهيل دحدل تتصل بالذاكرة والسرد، بينما يفتح موضوع الذكاء الاصطناعي والهوية نقاشاً حول تمثيل الذات في البيئة الرقمية. ونرى أن ربط التجربة الفنية بأسئلة مألوفة يساعد الجمهور على تجاوز الانبهار بالتقنية إلى التفكير في أثرها الثقافي والإنساني.
- تتوزّع فعاليات البرنامج الفني في مختلف أنحاء المدينة، كيف يسهم هذا التوجّه برأيك في إعادة اكتشاف المدينة من منظور إبداعي، وفي جعل الفنّ جزءاً من الحياة اليومية للسكان والزوار، بعيداً عن المساحات الثقافية التقليدية؟
يرتبط توزيع البرنامج على مواقع مختلفة بشعار «الياه: فنون تربط المكان والبيانات والهوية». فالمكان يؤثر في طريقة استقبال العمل: تختلف مشاهدة عرض على سطح معماري واسع عن التفاعل مع عمل تركيبي داخل مساحة عرض، كما تتغير علاقة الزائر بالصورة والصوت تبعاً لحجم الموقع وحركته وطبيعته. لذلك يتيح التنقل بين المواقع قراءة الفنون الرقمية ضمن سياقات حضرية وثقافية متنوعة.
وتبرز عروض الإسقاط الضوئي على قبة الوصل مثالاً على انتقال الصورة الرقمية من الشاشة إلى العمارة، حيث يصبح المبنى نفسه مساحة للعرض وتجربة المشاهدة الجماعية. وإلى جانب المساحات الفنية الأخرى في البرنامج، يوسع ذلك طرق لقاء السكان والزوار بالفن، ويمنحهم سبباً لاكتشاف مواقع المدينة من منظور مختلف.
ويجد هذا التوجه امتداداً بحثياً في محور «نسج كوكبات رقمية»، الذي يناقش دور التكنولوجيا في تشكيل المدن والفضاءات العامة، ومن ضمنه جلسة ليشين باو حول الفضاء في السياقات الخوارزمية. ومن هنا، لا يقتصر حضور المدينة على استضافة الفعاليات، بل يشمل التفكير في كيفية تأثير التقنيات الرقمية في فهمنا للمكان واستخدامنا له.
- كيف تتوقعين انعكاس هذه التجربة على مستقبل الفنون الرقمية في دبي؟
نتطلع إلى أن يظهر أثر «إيسيا 2026» في تطور الممارسة الفنية نفسها: في قدرة الفنان على صياغة سؤال بحثي، واختيار الوسيط التقني الملائم، وتطوير عمل يجمع خبرات متعددة. فالاطلاع على تجارب توظيف الذكاء الاصطناعي، والوسائط الغامرة، والمواد البيئية يوسع الخيارات أمام المبدعين، لكنه يتيح أيضاً مناقشة حدود هذه الأدوات ومسؤولية الفنان في استخدامها.
ويرتبط الأثر الأطول مدى بانتقال المعرفة إلى مشاريع وأعمال جديدة، واستمرار العلاقات المهنية التي تنشأ خلال المؤتمر. ويتكامل هذا التوجه مع «خارطة طريق الفنون الرقمية» لدى «دبي للثقافة»، من خلال التركيز على تطوير القدرات، وتشجيع التجريب والإنتاج، وتعزيز حضور الفنون الرقمية ضمن المشهد الثقافي في دبي.







