صحيح أنّ الأعمار بيد اللّه، إلاّ أنّنا لا نتردّد يوماً في تمنّي العمر المديد لمن نحبّ. فماذا لو تسنّت لنا الأدوات اللازمة لعيش هذا العمر بطريقة أفضل وأكثر صحّة؟ فالأهمّ اليوم لم يَعُد كم سنة يمكن أن نعيش، بل كيف نعيش هذه السنوات… فيما نتحضّر لخوض القسم الثاني من حياتنا، قد تتغيّر نظرتنا إلى التقدّم في العمر. فطول العمر أصبح يُقاس بما تحمله تلك السنوات من صحّة، وحيوية، وصفاء ذهني، واستقلاليّة، وقدرة على الاستمرار في العطاء. فلم تَعُد الشيخوخة اليوم مرحلة نخاف منها، بل أصبحت مسيرة تستحق أن تُعاش بوعي أكبر وفهم أعمق للجسد واحتياجاته المتغيّرة. وبينما يستكشف العلم إمكانات جديدة في مجال طول العمر أو الـLongevity، نعود أيضاً لحكمة الأجيال السابقة وعاداتهم البسيطة التي لطالما شكّلت جزءاً من مفهوم العافية في منطقتنا. في ما يلي نسأل الدكتور جوزيف ديب عن التقدّم في السنّ بصحّة جيّدة من منظور علميّ وعن البروتوكول المخصص لطول العمر والاكتشافات العلميّة القادمة في علم طول العمر.
Dr. Joseph Dib: “الهدف من طبّ طول العمر ليس العيش إلى الأبد، بل الحفاظ على صحّة أيضية ممتازة، وقدرة بدنية عالية، وذهن حادّ لأطول فترة ممكنة.”

الدكتور جوزيف ديب هو طبيب متخصّص في الطبّ الوظيفي وخبير في طول العمر في عيادة PURA Longevity Clinic في مدينة الشيخ شخبوط الطبية، أبوظبي. يتمتّع بخبرة دولية تمتدّ لأكثر من 29 عاماً وتغطّي مجالات الطبّ الوظيفي، وطبّ طول العمر، والصحة الإنجابية، والطبّ القائم على معالجة الجذور والأسباب الأساسية للأمراض. وعلى مدار مسيرته المهنية، قاد وطوّر برامج متعدّدة التخصّصات في الطبّ الوظيفي في جميع أنحاء الشرق الأوسط وعلى الصعيد الدولي.
جودة الحياة مقابل طول العمر
كيف يبدو مفهوم طول العمر والتقدّم في السنّ بصحّة جيّدة من منظور علميّ؟ يوضح لنا الدكتور جوزيف ديب قائلاً: “إنّ طول العمر لا يعني مجرّد إضافة سنوات إلى الحياة، فالهدف الحقيقي يتجسّد في إطالة مدى الصحّة، أي عدد السنوات التي يستمرّ فيها الإنسان قادراً على الاحتفاظ بقوّته البدنية، وصحّته الأيضية، وحدّة قدراته الذهنية، واستقلاليته الوظيفية. وعلمياً، يرتبط التقدّم في السنّ بصحّة جيّدة بالحفاظ على حساسية الإنسولين، ولياقة القلب والأوعية الدموية، والكتلة العضلية، وكثافة العظام، وكفاءة الميتوكندريا، والتوازن الهرموني، والأداء المعرفي، بالتوازي مع الحدّ من التهابات الجسم المزمنة، والإجهاد التأكسدي، والمجهدات البيئية، والدهون الحشوية الزائدة.” ويتابع: “اليوم، بات تركيزنا ينصبّ على مؤشرات العمر البيولوجي بدلاً من الاعتماد على العمر الزمني وحده. فقد نجد سيدتين تبلغان من العمر 50 عاماً، بينما تختلف خصائصهما الأيضية، والوعائية، والبيولوجية اختلافاً شاسعاً. ولذلك، فإنّ التقدّم في السنّ بصحّة جيّدة يعني الحفاظ على وظائف الجسم ومرونته لأطول فترة ممكنة”.
الاستباق بدلاً من الاستجابة
في هذا الإطار، نسأل الدكتور ديب عن البروتوكول المخصص لطول العمر اليوم للسيدة التي تتطلّع للاستثمار في مستقبلها البيولوجي. يشرح لنا: “يبدأ برنامج طول العمر الناجح دوماً بالقياس والتقييم قبل البدء بأي تدخّل. أبدأ عادةً بتقييم مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية، والصحة الأيضية، وتركيب الجسم، والكتلة العضلية، وكثافة العظام، والوضع الهرموني، ووظائف الغدة الدرقية، ومستويات الالتهاب، والحالة الغذائية، وصحة النوم، واللياقة البدنية، والتاريخ العائلي. وبناءً على عوامل الخطر الفردية والفئة العمرية، قد أقوم أيضاً بتقييم صحّة الأوعية الدموية، والعوامل الوراثية، ومؤشرات العمر البيولوجي، أو المؤشرات الأيضية المتقدمة.”
الخطوة الثانية هي تخصيص العلاج
ويضيف: “كما تشكّل التغذية، وتدريبات المقاومة، واللياقة القلبية التنفّسية، وتحسين جودة النوم، وإدارة التوتر، وتنظيم الوجبات، وتصحيح أي نقص في العناصر الغذائية، الأساس الحقيقي لأي برنامج. أمّا العلاجات الطبّية، فلا تُضاف إلّا عندما تكون دواعيها السريرية مبرّرة.”
يتألّف بروتوكول طول العمر المخصّص من المراحل التالية:
التقييم < الفحوصات < التدخّلات والعلاجات < التحسين والتطوير < المتابعة والمراقبة < إعادة التقييم.
ومع كلّ مريض أو مريضة، يتبع الدكتور ديب التسلسل المنهجي التالي:
النتائج الرئيسة < مجالات التركيز < خطة العمل < التحسين والتطوير.
ويؤكّد الدكتور ديب أنّ برنامج طول العمر الأكثر تطوراً ليس بالضرورة هو البرنامج الذي يضمّ العلاجات الأكثر كلفة، بل هو البرنامج الذي يحدّد المخاطر والتحديات البيولوجية الكبرى للمرأة في مرحلة مبكرة، ويعالجها بشكل منهجي. هل يوصي ببدائل علاجية أو بروتوكولات متقدّمة لطول العمر، مثل علاج NAD+، أو العلاج بالخلايا الجذعية، أو العلاج بالهرمونات البديلة المتطابقة بيولوجياً؟ يجيبنا قائلاً: “لا ينبغي وضع هذه العلاجات في فئة واحدة، نظراً لاختلاف مستويات الأدلّة العلمية التي تدعم كلّ منها. ولكن نعم، أقوم أحياناً بالتوصية بها في ممارستي الطبّية المتخصّصة في طبّ طول العمر.” ويفسّر لنا: “إنّ العلاج بالهرمونات البديلة، عندما تُحدّد دواعيه الطبّية بشكل مناسب خلال فترة التحوّل لمرحلة انقطاع الطمث وعندما يتمّ وصفه بعد تقييم طبّي مخصّص، فهو مدعوم بأدلّة سريرية قوية وملموسة. قد يُسهم في تخفيف أعراض انقطاع الطمث، كما يمنح منافع صحّية مهمّة لصحّة العظام وجودة الحياة. وهنا تكمن أهميّة التوقيت، وتركيبة الدواء، والجرعة، وعوامل الخطر الفردية.
أمّا علاجات +NAD، فهي مثيرة للاهتمام من الناحية العلمية لأنّ جزيء NAD يشارك بشكل مباشر في إنتاج الطاقة داخل الميتوكندريا، وإصلاح الحمض النووي والإشارات الخلوية. لكن وعلى الرغم من أنّ بيولوجيا الـNAD واعدة جداً، إلّا أنّنا ما زلنا بحاجة إلى أدلّة سريرية أقوى تثبت أن استراتيجيات +NAD عن طريق الوريد أو المكمّلات الغذائية تزيد من عمر الإنسان بشكل ملموس. وفيما يتعلّق بالعلاجات بالخلايا الجذعية، فهي تمتلك إمكانات هائلة في الطبّ التجديدي، إلّا أنّ الكثير من التطبيقات التي تُسوّق اليوم كعلاجات لمكافحة الشيخوخة لا تزال في طور البحث والتجريب. لذا، يجب على المرضى الحذر الشديد من العيادات التي تَعِد بتجديد الشباب دون الاستناد إلى أدلّة سريرية موثوقة. ففي طبّ طول العمر، يُعدّ الابتكار أمراً بالغ الأهمية، ولكن يجب أن تأتي الأدلّة العلمية والسلامة في المقام الأوّل دائماً.”
ما هي الاكتشافات العلميّة القادمة في علم طول العمر التي ستُحدث التأثير الأكبر في إطالة العمر الصحّي للمرأة وتعزيز صحّتها الأيضية؟ يشرح لنا الدكتور ديب: “أعتقد أنّ هناك مجالات عدّة ستكتسب أهمية خاصّة. سيستمرّ الطبّ الدقيق لمرحلة انقطاع الطمث في التطوّر، ممّا يتيح لنا تخصيص التدخلات الهرمونية والأيضية بدقة أكبر تناسب كلّ حالة على حدة. سنشهد أيضاً توسّعاً كبيراً في استخدام الطبّ التنبؤي المدعوم بالذكاء الاصطناعي للربط بين بيانات الفحوصات المخبرية، وعلم الوراثة، ومعلومات الأجهزة الذكية القابلة للارتداء، والتصوير الطبّي، والبيانات الصحية الطولية لتحديد مخاطر الأمراض قبل سنوات من إمكانية تشخيصها بالطرق التقليدية. وستستمرّ العلاجات الأيضية في التطوّر أيضاً. ويُعدّ مجال قياس العمر البيولوجي من أكثر المجالات الواعدة، حيث يشمل استخدام المؤشرات الحيوية اللاجينية، والمؤشرات البروتينية والأيضية. ستسمح لنا هذه التقنيات في النهاية بقياس ما إذا كان التدخّل الطبّي ينجح فعلياً في إبطاء الشيخوخة البيولوجية بدلاً من مجرّد تحسين قيمة مخبرية واحدة.”
بناء المرونة الأيضية والبدنية
وفي الختام، سألنا الدكتور ديب عن أكثر الاستثمارات الصحية موثوقية التي يمكن للمرأة القيام بها. يختتم بالقول: “إذا كان عليّ اختيار أمر واحد فقط، فسأقول: بناء المرونة الأيضية والبدنية والحفاظ عليها في مرحلة مبكرة. وهذا يعني الحفاظ على الكتلة العضلية، وممارسة الرياضة بانتظام، وحماية جودة النوم، وتناول الغذاء الصحي، والابتعاد عن التدخين، والسيطرة على مستويات ضغط الدم والغلوكوز والكوليسترول، إلى جانب مراقبة التغيّرات الهرمونية والأيضية مع التقدّم في السنّ. وتحتلّ العضلات أهميّة خاصّة، فالأمر لا يتعلّق فقط بالقوة البدنية أو المظهر الخارجي، بل إنّ العضلات الهيكلية تُعدّ واحدة من أكبر الأعضاء الأيضية في الجسم، وتلعب دوراً رئيساً في تنظيم مستوى الغلوكوز، والمحافظة على الحركة، وصحّة العظام، والتقدّم في السنّ بصحّة جيّدة. لذلك، فإنّ أفضل استراتيجية لطول العمر ليست الانتظار حتى تظهر أعراض التقدّم في السنّ ثم محاولة العودة بالزمن إلى الوراء، بل تبدأ ببناء الاحتياطي البيولوجي للجسم قبل سنوات طويلة من الحاجة إليه. فالهدف من طبّ طول العمر ليس العيش إلى الأبد، بل الحفاظ على صحّة أيضية ممتازة، وقدرة بدنية عالية، وذهن حادّ لأطول فترة ممكنة.”








