صحيح أنّ الأعمار بيد اللّه، إلاّ أنّنا لا نتردّد يوماً في تمنّي العمر المديد لمن نحبّ. فماذا لو تسنّت لنا الأدوات اللازمة لعيش هذا العمر بطريقة أفضل وأكثر صحّة؟ فالأهمّ اليوم لم يَعُد كم سنة يمكن أن نعيش، بل كيف نعيش هذه السنوات… فيما نتحضّر لخوض القسم الثاني من حياتنا، قد تتغيّر نظرتنا إلى التقدّم في العمر. فطول العمر أصبح يُقاس بما تحمله تلك السنوات من صحّة، وحيوية، وصفاء ذهني، واستقلاليّة، وقدرة على الاستمرار في العطاء. فلم تَعُد الشيخوخة اليوم مرحلة نخاف منها، بل أصبحت مسيرة تستحق أن تُعاش بوعي أكبر وفهم أعمق للجسد واحتياجاته المتغيّرة. وبينما يستكشف العلم إمكانات جديدة في مجال طول العمر أو الـLongevity، نعود أيضاً لحكمة الأجيال السابقة وعاداتهم البسيطة التي لطالما شكّلت جزءاً من مفهوم العافية في منطقتنا. في ما يلي نغوص مع الدكتورة داليا خليفة في تفاصيل الحفاظ على صحّة المرأة مع التقدّم في السنّ.
Dr. Dalia Khalife: “لو كان عليّ اختيار استثمار صحي واحد، لكان الوقاية من خلال البدء بها مبكراً وممارستها باستمرار.”

الدكتورة داليا خليفة طبيبة نساء وتوليد وأخصائية في الطبّ التناسلي والعقم في مركز Fakih IVF في دبي. بشغفها الكبير بعالم الخصوبة، والصحة الهرمونية، وطول عمر المرأة، تجمع بين الطبّ القائم على الأدلة العلميّة والنهج المخصّص لتلبية احتياجات كلّ امرأة، لمساعدتها على تعزيز صحّتها الإنجابية ورفاهيتها على المدى الطويل.
خلال سنوات عملها، هل لاحظت الدكتورة داليا خليفة أيّ مؤشرات بيولوجية نسائية مشتركة تشير إلى الإرهاق أو تسارع التقدم في السنّ لدى النساء؟ تشاركنا رؤيتها قائلة: “على مرّ السنوات، أصبحت مدركة تماماً لأمر أراه يتكرّر باستمرار، ألا وهو أنّ الجهاز الإنجابي لدى المرأة حسّاس للغاية لما يحدث في باقي أعضاء جسدها. لا يوجد فحص مخبري واحد يمكنه أن يخبرنا بأنّ “هذه السيدة تعاني من الإرهاق” أو “أنّها تتقدّم في السنّ بشكل أسرع”. وفي الواقع، تظهر أحدث الأدلّة العلمية أنّ الإرهاق لا يمتلك بصمة بيولوجية موحّدة وثابتة. من منظور طبّ النساء، في كثير من الأحيان، تتمثّل العلامات الأولى في تغيّرات تطرأ على الدورة الشهرية. مع التوتر المستمرّ وعدم حصول الجسم على الوقت الكافي للتعافي، قد نلاحظ تغيّرات في تنظيم الكورتيزول، وجودة النوم، والساعة البيولوجية، وضغط الدم، واستقلاب الغلوكوز، ومستويات الدهون، بالإضافة إلى مؤشرات التهابية مثل CRP. وعادةً ما يكون النمط العام عبر أجهزة الجسم المتعدّدة، وليس نتيجة فحص واحدة، هو ما يعطينا صورة أكثر دقة.”
تقييم شخصي شامل ومصمّم خصيصاً للمرأة
أمّا في ما يتعلّق بالحفاظ على صحّة المرأة مع التقدّم في السنّ، توضح الدكتورة خليفة أنّ الهدف ليس رفع مستويات الهرمونات، بل الحفاظ على التوازن الفسيولوجي للجسم في كلّ مرحلة من مراحل حياتها. وتشرح لنا قائلة: “يأتي التقدّم في السنّ بأسلوب صحّي من التشخيص المبكر للتغيّرات الهرمونية، وعلاج الخلل الفعلي بشكل مناسب، واستغلال هذه المحطات كفرص لحماية صحّة العظام، والقلب، والأيض، والصحة الإنجابية، والتناسلية. بالنسبة إليّ، لا يقتصر مفهوم طول العمر على مجرّد العيش لفترة أطول، بل أن تبلغ المرأة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وما بعدها وهي تتمتّع بعظام قويّة، وقلب صحيّ، وأيض متّزن، ونشاط ذهني، والقدرة على مواصلة عيش الحياة التي تطمح إليها.”
وإذا أرادت المرأة الاستثمار بجدية في صحّتها المستقبلية، ترى الدكتورة خليفة أنّ الفحص السنوي يجب أن يتحوّل من مجرّد تقييم تقليدي يعتمد على نتائج “طبيعية أو غير طبيعية”، إلى تقييم شخصي شامل ومصمّم خصيصاً لها. وتؤكّد لنا: “لا تعني الرعاية الطبّية المتقدّمة إجراء كلّ الفحوصات المتاحة. فزيادة التحاليل لا تعني بالضرورة طبابة أفضل. فيكمن النهج الأنسب في دمج الفحوصات المعتمدة على الأدلة العلمية مع عمر المرأة، وتاريخها العائلي والإنجابي، ونمط حياتها، وأعراضها، وعوامل الخطورة الخاصة بها. أبدأ بما أسمّيه “المؤشرات الأساسية للأيض وصحّة القلب”. فصحّة القلب والأوعية الدموية هي الركيزة الأساسية للتقدّم في السنّ بصحّة جيدة، ونحن ندرك اليوم أنّ جودة النوم، والنشاط البدني، والتغذية، والتعرّض للنيكوتين، عوامل تعادل في أهميّتها مستويات الكوليسترول والسكر في الدم. بعد ذلك، نقوم بتخصيص الفحوصات المخبرية، بناءً على عمر المرأة، ونظامها الغذائي، وأدويتها، ونمط دوراتها الشهرية، وأعراضها الخاصة وتاريخها العائليّ. كما أعمل على تقييم صحة العظام، والأهمّ من ذلك، صحة العضلات. إذ يُعَدّ الحفاظ على الكتلة العضليّة وقوّتها عبر تمارين المقاومة، والتغذية السليمة، والنشاط البدني من أقوى الاستثمارات التي يمكننا القيام بها للحفاظ على صحة الأيض، والقدرة على الحركة، والاستقلالية مع التقدّم في السنّ. وأخيراً، أطرح أسئلة لا تظهر في تقارير المختبرات الطبية، فالهدف الحقيقي هو تحديد نقاط الضعف لدى المرأة مبكراً، وبناء قاعدة بيانات صحية خاصة بها، ومتابعة التغيّرات الجوهرية مع مرور الوقت، للتدخل والوقاية طالما أنّ الفرصة لا تزال قائمة.”
تحديد عوامل الخطورة الفردية مبكراً
بالنسبة إلى الأخصائية في الطبّ التناسلي، لا يهدف الطبّ الوظيفي أو طبّ طول الحياة إلى إغراق المرأة بجميع الفحوصات للعلامات الحيوية، أو محاولة جعل جسدها أصغر سناً من الناحية البيولوجية، بل يكمن الجوهر في الربط بين الرعاية النسائية، والصحة الأيضية، والتغذية، والكتلة العضلية، والنوم، والصحة النفسية والوقاية، لوضع خطة مخصّصة لكلّ مريضة. أمّا عن رأيها بما يخصّ علاجات وملاذات طول العمر، تشاركنا الدكتورة داليا خليفة رؤيتها قائلة: “أنا مهتمّة جداً بعلم طول العمر، لكنّني أؤمن في الوقت نفسه بضرورة التمييز بين الأبحاث الواعدة، والطب المثبت علمياً، والتسويق المبتكر.”
وتضيف الطبيبة النسائيّة قائلة: “إنّ أكثر التدخلات فعالية لتعزيز جودة الحياة أثناء التقدم في السنّ لا تزال، بشكل مفاجئ، تكمن في الأساسيات البسيطة: الامتناع عن التدخين، وممارسة الرياضة بانتظام، والنوم الجيّد، والحفاظ على صحة الأيض، وضبط مستويات ضغط الدم والكوليسترول، والتغذية السليمة، وبناء علاقات إنسانيّة صحيّة ورعاية الصحة النفسية، إلى جانب الالتزام بالفحوصات المبكرة للسرطان وأمراض القلب القائمة على أدلة علمية. وحين يثبت أي علاج حديث منافعه عبر دراسات سريرية دقيقة على البشر، سيسعدني جداً اعتماده ودمجه ضمن الخطة العلاجية.” نختتم حوارنا بسؤال الدكتورة داليا خليفة عن الاستثمار الصحي الأكثر موثوقية الذي يمكن للمرأة أن تقوم به، تجيبنا بالقول: “لو كان عليّ اختيار استثمار صحي واحد، لكان الوقاية – من خلال البدء بها مبكراً وممارستها باستمرار. أفضل ما يمكننا تقديمه لأنفسنا في المستقبل هو تحديد عوامل الخطورة الفردية مبكراً، والتحرّك قبل تطوّر المرض. بالنسبة إلى المرأة تحديداً، أعتقد أنه يجب علينا التوقف عن رؤية الصحة النسائية كشيء منفصل عن باقي أجزاء الجسم. فالتاريخ الإنجابي للمرأة هو جزء لا يتجزأ من تاريخها الصحي الممتدّ طوال الحياة. إلّا أن طول العمر لا يتحقق عبر فحص باهظ الثمن، أو مكمّل غذائي، أو علاج واحد، بل يتشكّل من خلال ما نقوم به بشكل متكرّر.”








