مع السنوات، تتغيّر معايير ما يُعَدّ وجهاً مثالياً، وما يتغيّر معه هو تعريفنا نفسه لمفهوم الجمال. فمن حقبة إلى أخرى، انتقلت معايير الجمال بين ملامح مختلفة، وتطوّر المكياج بالتوازي معها ليبرزها، يغيّرها أو يعيد رسمها وفق الصورة التي يفرضها كلّ عصر. ولعلّ عودة الثمانينيات إلى الواجهة تجسّد هذا التحوّل بوضوح. ففي سبتمبر الماضي، انتشرت ظاهرة «صورتك في الثمانينيات» عبر مواقع التواصل، بعدما حوّل المستخدمون صورهم بالذكاء الاصطناعي إلى لقطات تستعيد شعر ومكياج وأجواء تلك الحقبة، في موجة جمعت بين الحنين وسهولة التكنولوجيا. وهكذا، عادت حقبة الثمانينيات بصياغة جديدة، مستعيدةً حضورها في تفاصيل الجمال والموضة، من المكياج الجريء إلى الشعر الكثيف والملامح اللافتة. وبين الحنين إلى الماضي وتطلعات الحاضر، تتّسع صور الجمال وتتعدّد تعريفاته من حقبة إلى أخرى. فاليوم، لم يعُد هذا المفهوم محكوم بقالب واحد، بل أصبح أكثر اتساعاً وتنوّعاً، ما يطرح سؤالاً جديداً: إلى أين يتجه مفهوم الجمال في المستقبل؟ في الصفحات التالية نتطرّق إلى هذه المواضيع عن قرب مع خبراء وخبيرات عدّة.
لم يتغيّر المكياج عبر العقود في ألوانه وتقنياته فحسب، بل تطوّرت أيضاً وظيفته في تعبير المرأة عن نفسها،
منتقلاً من معايير جمالية واضحة إلى خيارات أكثر تنوّعاً وفردية. ولرصد أبرز محطّات هذا التحوّل، تحدّثنا إلى Iman Boutari خبيرة التجميل الإقليمية لدى YSL Beauty التي تتابع عن قرب تطوّر اتجاهات الجمال وتقنياته.
تطوّر الجمال من السبعينيات إلى اليوم
لكلّ حقبة بصمتها الجمالية، من الإطلالة المصقولة في الأربعينيات والأنوثة المنحوتة في حقبة الخمسينيات، إلى العيون التعبيرية في الستينيات. وترى Boutari أنّ السبعينيات شهدت تباينًا بين الجمال الطبيعي وبريق الديسكو، فيما حملت الثمانينيات ألوانًا أكثر جرأة، وعادت التسعينيات إلى البساطة والدرجات الحيادية. في العقد الأول من الألفية، تأثّر المكياج بثقافة المشاهير، قبل أن تُحدث وسائل التواصل الاجتماعي خلال العقد التالي تحوّلًا كبيرًا، فتجعل اتجاهات الجمال أكثر إتاحة وتنوّعًا. ومنذ 2020، ابتعد المشهد عن المظهر الموحّد لصالح الفردية والتعبير الشخصي، مع التركيز على البشرة النضرة والمكياج الأبسط.
كيف يعبّر المكياج عن روح كلّ حقبة؟
من الشفاه الحمراء في الأربعينيات إلى الـCat-Eye في الخمسينيات والستينيات، والمكياج الجريء في الثمانينيات والجمال البسيط في التسعينيات، أصبحت بعض البصمات الجمالية لغة بصرية تعبّر عن روح زمنها، متأثرةً بالثقافة والموضة والموسيقى والشخصيات الأيقونية. وتقول Boutari: “تتجاوز إطلالة المكياج حدود الصيحة العابرة؛ فهي تعكس الطريقة التي يرى بها الناس أنفسهم والطريقة التي يرغبون في أن يراهم بها الآخرون”. ويستمر حضور الجمال المستوحى من الماضي بفضل ارتباطه بالحنين والذكريات، لكن كلّ عودة تعيد تقديم هذه التفاصيل بأسلوب معاصر يعكس هوية الجيل الجديد.
الجمال في المستقبل كما نختار أن نعرّفه
انتقل المكياج عبر العقود من اتّباع معايير جمالية ثابتة إلى مساحة تعبّر عن الفردية، وهو ما تعتبره خبيرة التجميل Iman Boutari التحوّل الأكثر أهميّة في علاقتنا بالجمال. فلم يعد الهدف محصوراً في الوصول إلى مظهر محدّد، بل أصبح المكياج وسيلة للتعبير عن الذات، واختيار الطريقة التي تريد كلّ امرأة أن تعرّف بها جمالها. وتتّجه المرحلة المقبلة نحو مزيد من التخصيص والشمولية، إلى جانب دور متنامٍ للتكنولوجيا، مع مساحة أكبر من الحرية لتعريف مفهوم الجمال وفق المعايير التي نختارها لأنفسنا.


نحو التفـرّد الجمـال خارج قالب الملامـح المثاليـة
لرصد تطوّر المكياج وتغيّر المعايير، تحدّثنا إلى Michel Kiwarkis، خبير المكياج لدى Chanel، لنتعرّف من خلال رؤيته إلى التحوّلات في المعايير الجماليّة ودور المكياج في التعبير عنها عبر العقود.

المكياج يكتب ملامح كلّ عصر
لم يتطوّر المكياج بمعزل عن التحوّلات التي شهدتها الثقافة والموضة، بل سار بالتوازي معها، عاكساً في كلّ مرحلة ما يراه جيلها رمزاً للثقة والجاذبية وما يستحق الرغبة فيه والسعي إليه. في هذا الإطار، يشير Kiwarkis إلى أنّ لكلّ حقبة لغتها الجمالية الخاصّة، وهو ما يظهر بوضوح عند تتبّع الإطلالات التي طبعت العقود المختلفة.
الوجه المثالي في حالة تغيّر
لا تتغيّر تقنيات المكياج وألوانه بشكل منفصل عن صورة الوجه المثالي التي تتبدّل مع الزمن. ويرى Kiwarkis أنّ المكياج غالباً ما يعكس الملامح التي يضعها المجتمع ضمن معايير الجمال السائدة، من الحواجب الرفيعة والبشرة غير اللامعة إلى الشفاه الممتلئة والملامح المحدّدة. وبذلك، لا يقتصر دوره على إبراز الملامح، بل يتيح أيضاً إعادة تشكيلها وتوجيه التركيز نحو سمات معيّنة وفقاً للتصوّرات الجمالية لكلّ حقبة.
الجمال يتّسع للفردية
أصبحت صورة الجمال اليوم أكثر تنوّعاً، فتحتفي بالفردية وملمس البشرة والجمال غير التقليدي، بعيداً عن نموذج واحد للملامح المثالية. ويؤكّد Kiwarkis أنّ الصيحات ستستمر في الظهور والتغيّر، لكن التعامل معها أصبح أكثر حرية، إذ يمكن للمرأة أن تستلهم منها ما يناسبها من دون الالتزام بصورة موحّدة للجمال.
من المعايير إلى التعبير عن الذات
يتّجه مستقبل الجمال نحو مزيد من الفردية، مع تحوّل المكياج من وسيلة لمجاراة معايير ثابتة إلى مساحة للتعبير عن الشخصية وإبراز الملامح الخاصّة. ويتوقّع Kiwarkis أنّ الصيحات لن تختفي، لكن المرأة ستتعامل معها بمرونة أكبر، فتختار منها ما يعكس هويتها ويمنحها شعوراً بالثقة، بعيداً عن السعي إلى مظهر واحد مثالي.
مجموعة CHANEL لموسم ربيع وصيف 2017، بتصاميم وإطلالات مكياج مستوحاة من مراكز البيانات، وأجهزة الكمبيوتر، والتكنولوجيا، والعالم الرقمي.
تطــوّر تقنيــات المكيــاج بـين إرث الجمال وثورة التكنولوجيا
تطوّرت صيحات المكياج وتقنياته عبر العقود، فيما حافظت بعض التفاصيل على حضورها ضمن لغة الجمال الخالدة. ومع اتّساع الخيارات وتقدّم التكنولوجيا، أصبحت علاقة المرأة بالمكياج أكثر تنوّعاً. ولرصد هذه التحوّلات، تحدّثنا إلى
Sonia Abad، خبيرة المكياج والشعر ومستشارة الإبداع في عالم الفخامة، لتشاركنا رؤيتها حول تطوّر تقنيات الجمال وتأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في تجربة المكياج اليوم

تقنيات المكياج بين التطوّر والخلود
تتغيّر تقنيات المكياج مع الصيحات، لكن بعضها يحافظ على حضوره بفضل قدرته على إبراز الملامح بطريقة طبيعية. وتصف Abad التقنية الخالدة بأنّها تلك التي “تُحسّن ما سبقها”، فتطوّر أساليب تعزيز الوجه من دون أن ترتبط بصيحة مؤقتة، وتبقى في خدمة ملامح كلّ امرأة.
اقرئي ايضًا:Casting Call عنوان جلستنا التصويرية بإطلالات من توقيع CHANEL
كيف غيّرت كاميرات الـ HD طريقة تطبيق المكياج؟
ترى Abad أنّ كاميرات الـHD أحدثت تحوّلاً في تطبيق المكياج، إذ دفعت الصناعة إلى تطوير تركيبات أكثر ملاءمة للكاميرا، ومستحضرات أطول ثباتاً وأدوات أكثر دقّة. وأصبح الهدف ابتكار بشرة “تبدو مثالية أمام الكاميرا، ولكن طبيعية في الوقت نفسه”، ما يتطلّب من خبراء المكياج التكيّف مع هذه التقنيات وتطوير مهاراتهم.
معرفة أوسع بالمكياج تغيّر تجربة المرأة
لم تعد جلسة المكياج تبدأ من الصفر، فالمرأة تدخلها اليوم بمعرفة أكبر بما يناسبها من منتجات وتقنيات، بفضل سهولة الوصول إلى المحتوى التعليمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي و YouTube. وتوضح Abad أنّ هذا الوعي جعل المواعيد أقرب إلى حوار وتبادل للأفكار والتفضيلات. وفي المقابل، أصبح دور خبيرة المكياج أكثر تخصيصاً، من خلال تطوير ما تعرفه المرأة مسبقاً وتقديم تجربة تلائم ملامحها وشخصيّتها، إلى جانب الإصغاء إليها وتعزيز ثقتها بالنتيجة.
جوهر المكياج أبعد من تغيّر الصيحات
وسط هذا التغيّر المستمرّ في الصيحات والتقنيات والمعايير، ترى Sonia Abad أنّ هناك جانبًا أساسيًا سيبقى ثابتًا في علاقة المرأة بالمكياج، وهو اللحظة التي تطبّقه فيها على وجهها بنفسها وما تحمله من شعور بالتحوّل وتعزيز تقدير الذات والثقة بالنفس. فالمكياج، في رأيها، لا يغيّر المظهر فحسب، بل يرافق المرأة في لحظة تمنحها إحساساً مختلفًا تجاه نفسها. وتختصر الخبيرة هذه الفكرة بوضوح قائلة “قوة المكياج كانت وستبقى خالدة”.

اقرئي ايضًا: مجموعة N°5 من CHANEL لا تحتفي بالرقم بوصفه شكلاً!









