عندما يرتقي الفنّ بالإنسانيّة مع Sacha Jafri

فنّان من أشهر الفنّانين المعاصرين والداعمين للمشاريع الإنسانيّة. 20 ساعة عمل يوميّة لمدّة 8 أشهر في خضمّ جائحة كورونا. 1400 غالون من الطلاء. أكثر من 1000 فرشاة. الكثير من الحبّ والتعاطف والطاقة الإيجابيّة. إرادة جمع 30 مليون دولار لمساعدة الأطفال في المناطق الأفقر في العالم المتضررة جرّاء جائحة كورونا. والنتيجة؟ لوحة تبلغ مساحتها أكثر من 17000 قدم مربع ترسم رحلة الإنسانيّة! فبعد أن حوّل القاعة الكبرى في منتجع أتلانتس النخلة في دبي إلى استديو للرسم خلال الأشهر الماضية، حسم الفنّان البريطاني Sacha Jafri لقب "أكبر لوحة فنيّة قماشيّة في العالم" في موسوعة غينيس للأرقام القياسيّة. وقد وصلت هذه اللوحة التي رسمها Jafri كجزء من مبادرته "إنسانية مُلهَمة" إلى 2.5 مليار شخص حول العالم. وسيتمّ يوم الخميس المقبل الكشف الرسمي عن اللوحة في المكان الذي ولدت فيه. لم يبتكر أحد قطّ لوحة فنّيّة مذهله كهذه، يتمّ قطعها ويعاد تأطيرها وجمعها مجدداً. فلنستمع إلى كلّ التفاصيل عن هذا العمل الجبّار من الفنّان نفسه في هذا اللّقاء الحصريّ مع ماري كلير العربيّة!

1. هلّا أخبرتنا المزيد عن قصّة ابتكار هذا العمل الفني؟

في الفترة التي سبقت وباء كورونا، كنت أشعر بأنّنا كبشر أصبحنا منفصلين تماماً عن بعضنا البعض، وعن أنفسنا والأهم أنّنا بتنا منفصلين عن روح الأرض. وعندما يحدث ذلك، إنّها لمشكلة أكبر من الجائحة. فهذا يعني أنّ العالم بات يدور كثيراً حول الأنا وما يمكن أن يحقّقه الشخص على المستوى الشخصي متقيّداً بوسائل التواصل الاجتماعي التي تُظهر أنّ كلّ منّا يعيش في أفضل حالاته. في حين أنّ "عيش حياتك الأفضل" يجب أن يتمحور حول فهم الآخرين والتعاطف معهم وليس الأنانيًة التي تؤدّي إلى افتقار الثقة وإلحاق الأذى بالآخرين أثناء تحقيق الأهداف الخاصّة. وقد أطلقت هذه الحالة طاقة أدّت إلى الجمود وأصبح العالم مليئًا بهذا الجمود، ولم يعد باستطاعتنا التواصل. وأدّت بنا كلّ تلك الأمور إلى الانفصال. ولكن بعد ذلك عصف COVID-19 وحدث أمر رائع. حيث تلاشى جمود عالمنا، ثم عمّ صمت جميل وشعرت أنّه لا بدّ من سماع هذا الصمت واستغلال فرصته لإحداث تغيير مجتمعي والمضي قدماً بفهم أهميّة وقوّة التعاطف والحب والتواصل، لأنّ هذا ما سيعيد البشريّة إلى المسار الصحيح. إذ لا يكمن مستقبلنا بالتكنولوجيا، بل بالإنسانيّة! وأردت أن أبتكر لوحة من شأنها أن تلهم إعادة التواصل بين البشر وتحرّك هذا التغيير المجتمعي!

2. هل لك أن تحدّثنا عن اللوحة نفسها، ماذا يصور كلّ قسم فيها؟

تصوّر اللوحة نفسها رحلة الإنسانيّة، وهي مقسّمة إلى 4 أقسام على لوحة واحدة. بحيث يجسّد القسم الأول روح الأرض وجمال الألوان وعظمة وروحانيّة روح الأرض. وتقضي الفكرة وراء ذلك في إلهامنا على إعادة التواصل مع بعضنا البعض ومع أنفسنا ومع الأرض كلّها ومع خالقنا. أمّا القسم الثاني فيمثّل الطبيعة، حيث أنّه يصوّر جمال الطبيعة وعظمتها، من الجبال والأنهار والأشجار والمحيطات والبحيرات ... وذلك لتذكيرنا بمدى جمال كوكبنا وحثّنا على العناية به بشكل أفضل. ثم القسم الثالث فيجسّد الإنسانيّة نفسها، لأنّه يظهر حبّ الأم ورعايتها وتوجيه الأب وحمايته بينما يوجّهان أولادهما في الحياة ويمكّنونهما من الشعور بالأمان والحب والشجاعة كي يستطيعوا بسط أجنحتهم وتحقيق أحلامهم. وأخيراً رسمت في القسم الرابع النظام الشمسي بأكمله.

3. لماذا دعوت أشخاصاً آخرين للانضمام إليك في ابتكار هذه اللوحة وما الرابط بين هذا الأمر وهدف المشروع الرئيس؟

بالفعل أرسلت دعوة إلى العالم أجمع، أطلب منهم من خلالها أن يبعثوا أعمالهم الفنيّة التي تعكس شعورهم وتُظهر أيضاً إدراكهم أنّهم اليوم مرتبطون أكثر من أيّ وقت مضى ويقومون بتطوير علاقات حقيقيّة. وقد وصلتنا أعمال فنيّة من 140 دولة مختلفة، ثم أدخلت هذه الأعمال في دوائر من ضمن اللوحة. ومن خلال ذلك، أردت أن أقول: ها هي رحلة الإنسانيّة وهذا هو العالم الذي نعيش فيه، إلّا أنّني أريد أن نصل إلى عالم أفضل من خلال قلوب وعقول وأرواح أطفالنا. لأنّني أعتقد أنّ الهدية الأعظم التي قدّمت لنا هي طفولتنا وهي أوّّل ما يشجّعنا العالم على تجاوزه وتركه وراءنا لنصبح بالغين، بينما علينا فعل العكس. إذ يتعيّن علينا كبالغين أن نحافظ على الطفل الموجود في داخلنا إلى الأبد، لأنّ سحرنا يكمن فيه ولأنّ الطفولة التي فينا تمثّل النقطة الأقرب إلى روح الأرض التي أتينا منها.

4. كيف امتزجت عاطفتك برؤيتك في الفترة التي كنت تعمل فيها على هذه اللوحة؟

الحقيقة أنّني عندما رسمت اللوحة، أسكتّ صوت عقلي تماماً. إذ غذّيت نفسي بمحتوى جميل جداً. لذا كلّ ما فعلته هو أنّني وثّقت تلك الطاقة الخالصة على لوحة الرسم بأكثر الطرق صدقاً ومن منبع نقي جداً في قلبي. وقد ولدت قصّة سرديّة، وتلقائيّاً تحوّل الفن التجريدي وأسلوب التعبير إلى حكاية رمزيّة، لكنّني لم أخطط لأيّ من ذلك. وبالفعل، إنّ الأمر أشبه بنحت قصة مستقاة من طريقة تعبير الروح، وهذا ما حدث بالضبط. إذ لا يوجد أيّة خلفيّة فكريّة أو سياسيّة لهذا العمل، بل إنّه يتعلّق بالروح والإنسانيّة. وأريد من المشاهد أيضاً أن يسكت عقله ويشعر به في قلبه وروحه.

5. ارتبطت مسيرتك المهنيّة كفنّان بأكملها بالإنسانيّة. هل ثمّة سبب محدّد وراء ذلك؟

عندما أربط الإنسانية باللاجئين والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ومشكلات الصحة العقليّة والمساعدة في قضية انسانيّة ما، يبدو لي العمل الذي أصنعه قويّاً ومؤثراً وآسراً. كما أنّ لذلك تأثير جانبي رائع يتجسّد في واقع أنّك تساعد الناس بينما تترجم فنّك وهذا يغذيك ويلهمك ويدفعك على المضي قدماً. وإذا وجدت طاقتك في الإنسانيّة، فلن تتعب أبداً لأنّك ستتغذّى باستمرار من شيء جميل أصفه بأنّه روح الأرض. لذا، هذا ما يمنحني الدافع والنشاط، وأنا محظوظ حقاً لأنّني خضت هذه الرحلة وجمعت 60 مليون دولار حتى الآن للأعمال الخيريّة، لا سيّما للأطفال والبالغين الذين يعانون المشاكل الصحيّة بصورة رئيسة.

6. كيف نجحت في الربط بين العمل الخيري والفنّ على الرغم من كلّ التحديات والقيود التي فرضها الوباء؟

يعود سبب قدرتي على فعل ما فعلته إلى عدّة عوامل. أولاً، ثقة نائب الرئيس التنفيذي في "أتلانتس دبي" تيم كيلي بي وبرؤيتي. فقد أحبّ قضيّتي و وضع القاعة الكبرى بأكملها بتصرّفي لأرسم وجعل كلّ هذا ممكناً. ثانياً، دعم الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي العطاء، الدكتور طارق القرق، إذ أطلقت مبادرتي "إنسانية مُلهَمة" برعاية معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التسامح والتعايش، بالشراكة مع دبي العطاء، العضو في مبادرات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم العالمية. فيعود سبب نجاح المشروع إلى الدعم الذي تلقيّته من سموّه ومن الدكتور القرق ومن تيم كيلي وإلى الفريق الصغير المذهل المألّف من أشخاص أعطوا كامل وقتهم وقلبهم وروحهم مجاناً لمدة 12 شهراً. إذاً بالتعاون مع دبي العطاء وأتلانتس، وبدعم من وزارة التسامح والتعايش ووزارة التربية والتعليم في الإمارات العربيّة المتحدة، تهدف هذه المبادرة إلى دعم شركائها الخيريين دبي العطاء واليونيسيف واليونسكو ومؤسسة غلوبال غيفت.

7. بالإضافة إلى جمع 30 مليون دولار أو حتّى ضعفها في المزادات، هناك جانب آخر من هذا المشروع، هل لك أن تحدّثنا عنه؟

سيكون لدينا 6 مزادات في جميع أنحاء العالم، حيث سنجمع الأموال لمساعدة الأطفال الأكثر فقراً في العالم والأكثر تضرّراً من COVID-19. إنّني متشوّق جداً لما سنحقّقه في المزادات. إذ سأكون أوّل فنان في التاريخ يتحدّث في المنتدى الاقتصادي العالمي Davos، وكذلك الأمر في وقت لاحق من العام في الجمعيّة العامة للأمم المتحدة حيث يشارك أكثر من 40 من قادة العالم والسياسة. إنّه لأمر لا يصدق حقًا أن يتحدّث فنان أمام هؤلاء القادة عن الإنسانيّة والطريق الذي ينتظرنا والتغييرفي التعليم ومن الرائع أنّهم سيستمعون إلى صوتي.

غير أنّ الأهم على خلفيّة هذا المشروع أنّنا من خلال الجمع بين 6 كيانات تابعة للأمم المتحدة، تمكّنا من جمع 2 مليار دولار بفضل الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي العطاء، الدكتور طارق القرق ومشروعه في إطار مبادرات الشيخ محمد العالميّة، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. وبفضل هذا التمويل، سنغيّر العالم: إذ سنتيح الإنترنت في المجتمعات الأكثر فقراً في العالم التي لا تمتلكه بمساعدة Google و Facebook وشركائنا. وسنوفّر التعليم والإحتياجات الطبيّة واحتياجات الرعاية الأساسيّة وأجهزة الكمبيوتر. وبفضل ذلك، قد يكبر طفلاً ما ليصبح محامياً لحقوق الإنسان ويدعم مجتمعه. والحقيقة أنّ كلّ ما نحتاجه من كلّ مجتمع هو 5 قصص نجاح حتى نتمكّن من تغيير العالم. وصحيح أنّ الأمر سيستغرق بعض الوقت إنّما يمكننا القيام بذلك! إذ إنّ الطريقة الوحيدة التي سنغيّر بها العالم في ما يتعلق بالتعليم والإدماج تقضي بأن نمكّن هؤلاء الأطفال من تغيير العالم من حولهم. وأودّ حقاً أن ألهم الآخرين بما فعلته، وإذا استطعت تحقيق ذلك، تخيّلوا ما يمكن أن يفعله 7.5 مليار شخص معاً إذا أوقفنا كلّ التمييز والأحكام، وتوحّدنا كبشريّة واحدة!

8. من المعروف أنّ الإمارات العربية المتحدة تتغنّى بمزيج ثقافيّ عالمي جميل ومتنوّع، كيف تلهم هذه البلاد أعمالك الفنيّة وتؤثر عليها بشكل عام؟

لديّ استوديو في كلّ من لندن ونيويورك وسنغافورة ودبي. وعادةً ما أقضي 3 أشهر في كل واحد من هذه الأماكن الأربعة لأتمكّن من مقابلة أشخاص من جميع أنحاء العالم والتواصل معهم. وفي العام الماضي، تواجدت هنا في شهر فبراير أثناء الإغلاق، وحينها اتّصلت بتيم كيلي من أجل هذا المشروع، وها إنّني هنا منذ أكثر من شهر لهذا السبب. وشخصيّاً، أحبّ دبي بنورها وسمائها الزرقاء ورمالها وشمولها! بحيث أنّها تمتلئ بأشخاص من جنسيات كثيرة يعيشون معاً وإنّما تحتفظ كلّ جنسيّة بهويتها الخاصة وهذا أمر نادر جداً!

9. بماذا تنصح الفنانين الآخرين حول كيفيّة تحقيق طموحاتهم بناءً على تجربتك الخاصة؟

بغية ابتكار عمل مؤثر كفنّان، لا بدّ من التركيز على الطريقة التي تعيش بها حياتك. لأنك إذا عشت حياة فاضلة، فإنّ ما تصنعه سيكون مؤثراً. وإلّا فإنّ كلّ ما تبتكره لن يترك أيّ أثر ولن يحمل أيّ معنى حقيقي أو قوة بغض الطرف عن مدى روعة جماليّته، إذ سيفتقر إلى الروح. بينما عيش الحياة الفاضلة يعني معاملة كلّ إنسان على قدم المساواة. ويعني أيضاً النظر في عيون الناس ومنحهم الحب والتعاطف والتقدير والامتنان، وإدراك كم نحن محظوظون لأنّنا نعيش في هذا العالم، والتفكير في أولئك الذين هم أقل حظًا منّا وفعل ما في وسعنا لمساعدتهم. وعندما تفعل ذلك، سينبعث منك شيء سحري بين الحين والآخر، لأنّك ستستعير لحظة ليست لك وتشعر بالامتنان لها وستلمس شعوراً لا يوصف ثم تعيدها بامتنان. بعد ذلك، ستنتظر اللحظة الجميلة التالية القادمة وستأتي تلك اللحظة حتماً إذا ما عشت حياة فاضلة. لكن بمجرد أن تنغمس في الأنا وتعتقد أنّك تمتلك تلك اللحظة أو أنّك أنت مَن أنشأها، فلن تأتي إليك اللحظة السحريّة مرّة أخرى، وذلك ما يسمّيه الناس بحاجز الإبداع. كذلك، عليهم التركيز على الرحلة نفسها وعلى عملية الإبداع، وتوظيف روحهم في ما يصنعونه وليس وضع المنتج النهائي وحده في الاعتبار.

إقرئي أيضاً: استعدّي لإنطلاق مهرجان رأس الخيمة للفنون البصريّة!

اكتب الكلمات الرئيسية في البحث