
الإعداد: Dolly Wazni
التصوير: Rudolf Azzi
الإدارة الفنيّة والتنسيق: Farah Kreidieh
هي محاميّة يافعة دائمة الأناقة، تتحلّى بالواقعيّة حينما لا تجد نفسها سارحةً في عالمها الخاص على إحدى السحابات البعيدة. هكذا يمكننا أن نصف Yasmina Farah Massoud الآسرة بنشاطها الدائم والتي تمثّل تلك المرأة الشرقيّة العصريّة التي نستمدّ كلّنا الإلهام منها! كيف لا وهي محامية وكاتبة ومغنيّة في آنٍ معاً! وفضلاً عن ذلك كلّه، هي أيضاً أمّ لطفلَين تستطيع بطريقة ما إيجاد التوازن بين حياتها الزوجيّة ومسيرتها المهنيّة وشغفها متعدّد الأوجه، وستكشف لنا كيف تنجح في فعل كلّ ذلك في هذا التقرير.
هل تنجحين في استثمار وقتك أم تجدينه غير كافٍ لمختلف أوجه شغفك؟
ينقصني الوقت حتماً، إلّا أنّ الوقت مُناط بحُسن الإدارة والتنظيم الجيّد. إذ إنّ قول "ليس لديّ وقت" أكثر سهولةً وراحةً. لكنّني شخصيّاً أجد الوقت لنفسي ليلاً. فبعد إتمام واجباتي المنزليّة كلّها، من عملي إلى تدبير منزلي وممارسة تماريني الرياضيّة وإعطاء أطفالي كلّ الوقت والاهتمام الذي يحتاجون إليه في سنّهم، بما في ذلك اللعب معهم، وتدريسهم، وسرد القصص عليهم، وإنهاء حمّامهم، بعد هذا كلّه، أكرس نفسي لشغفي بمختلف أوجهه، فهكذا، يصبح الليل ساحة ملعبي.
هل تحلمين بأن تصبحي نجمة تعيش لحظات المجد؟ وهل ستتقبّل أسرتك هذا الموضوع؟
لم أعُد أنتظر أن يتقبّلني أيّ أحد في هذه المرحلة من حياتي. إلّا أنّه سيكون من الرائع إذا تفهّمت أسرتي الأمر، لأنّ حبّ عائلتي ودعمها لي حاجة دائمة بالنسبة إليّ. وبالطبع أنوي الاستمرار في تحقيق أحلامي وشغفي طالما لا يؤثّر ذلك على حياتي الزوجيّة أم على أولادي. والواقع أنّ زوجي دعمني كثيراً ولا يزال، ويعود الفضل في اكتشافي شغفي إلى عقليّته المنفتحة وحبّه لي، لا سيّما ونقده البنّاء الذي يحثّني على مواصلة التقدّم.
غير أنّني لا أصبو إلى المجد الفنيّ ولا أرمي إلى أن أصبح "نجمة"، لا بل أنّني أكره هذه الكلمة. وأريد أن أحقّق أهدافي فحسب وليس أن أتركها منسيّة في دُرج الوعود والأحلام.
وحين عملت مع الأستاذ أسامة الرحباني، أخبرني أنّ هذا المنحى جليّ في سلوكي. وبالفعل أعتلي خشبة المسرح في كلّ مرّة بسبب تعطّشي لذاك الشعور الذي يغمرني حين أغنّي وبفضل الغبطة التي تعتريني لمشاركتي الجمهور بفرحتي تلك. لذا في الواقع، أسعى إلى النضوج فنيّاً وليس إلى إرضاء أحد. والأمر سيّان بالنسبة إلى الكتابة، إذ أريد أن أروي القصص وأن يستمتع القرّاء بها، وليس أن يقرأها الجميع.
إلى أين سيقودك شغفك بعد؟
لست أدري تماماً، إنّما سأدع الرياح تحملني حيثما تجري! غير أنّني سأصدر كتابي الأوّل من القصص القصيرة، وأعتبر هذه الخطوة يمثابة إنجاز عظيم وثمرة عزمي وشغفي بالكتابة، لا سيّما وشجاعتي على الاستمرار في التقدّم بالرغم من الانتقادات التي أتعرّض لها. وأجمل ما في الأمر أنّ دار النشر NoirBlancEtc آمنت بي وشجّعتني، وعلى رأسها امرأتان مذهلتان تصبوان إلى الحفاظ على قوّة الكلمة والقراءة. ومن المقرّر أن يصدر الكتاب في شهر فبراير ويترافق مع حفل توقيع، على أن نقيم حفل توقيع آخر في معرض الكتاب في العام 2020.
ماذا لو عرض أحدهم عليك طرح ألبوم لكِ؟
أولويّتي اليوم لعائلتي، فإذا رمى الألبوم إلى أن أترك آثار يقتفيها أطفالي كإرث، فلمَ لا. لكن إذا تطلّبني القيام بجولات والتقصير في واجباتي كزوجة وأمّ، فلا. فضلاً عن أنّ الشغف يموت إذا ما أصبح واجباً، أليس كذلك؟
أيّ تعليم تتخيّلين لأطفالك؟ وما رأيك في النزاعات التي تنشأ بين الوالدَين والأطفال من حيث التوجّه المهنيّ؟
أريدهم أن يصبحوا مهما يريدون! فطالما أنّني زرعت وزوجي فيهما القيم الإنسانيّة، بما في ذلك الإحسان والتواضع والاحترام والعطف والحريّة وبنينا أساساً متيناً لهم، سنكون إلى جانبهم مهما اختاروا أن يكونوا. فكلّ ما يهمّنا هو ألّا يصبحوا أشخاصاً فارغين أم سطحيّين. في الواقع، أظنّ أن الوالدَين دائماً ما يريدان الأفضل لأولادهما، غير أنّ هذه الفكرة نسبيّة. فيعتمد الأمر على العقليّة التي نتكلّم عنها والجيل الناشئ والبيئة التي ينتمي إليها الوالدَان. فأنا وزوجي والدان مواكبان للزمن، إذ إنّنا نعلم أنّ النجاح لم يعُد يقتصر على المجالات الكلاسيكيّة العظيمة. لا بل برزت الكثير من المهن الحديثة التي من شأنها أن تصل بالمرء بعيداً بدون أن تُعتبر مجالات غير صالحة. وبمثابتي أمّ، أعتبر أنّ دوري يقضي بتوجيه أولادي وفهمهم وليس إعاقتهم، ولا بأس إن فشلوا، فكلّ ما عليهم فعله هو الوقوف مجدداً. فما نحن عليه ليس سوى محصول تجاربنا في الحياة.
تتحلّين بروح الدعابة السخرية وقد تبدو أفكارك لاذعة إلى حدّ ما، فكيف ينظر إليكِ الناس برأيك؟ هل كشخص عصريّ منعزل أم كضرورة لمجتمعنا؟
هل تجديني كذلك حقاً؟ (تضحك). في الواقع، أظنّ أنّ الصراحة باتت سمة مهدّدة بالانقراض في أيّامنا. فلم يعُد الناس يقولون ما يفكرون به ولا يفكرون في ما يقولون. وبات الجميع يرغب بالظهور، فأضحى كلّ شيء يبرز بتكلّف وتعديل وتقليد وبصورة مُتكرّرة ومضلّلة، سواء أكان ذلك من الصور أو الأفكار أو حتى الأشخاص. ولا بدّ أنّ هذا الهوس بالكمال مرهق بحق.
وبالنسبة إلى العزلة، فهذا الإدعاء بعيد كلّ البعد عن الحقيقة. وإلّا كيف كنت لأستوحي محتوى قصصي إن لم أخرج وأرى الناس؟
إلّا أنّني أنتقي أصدقائي ومحيطي بدقّة. وكذلك، لا أعدّ نفسي ضرورة لمجتمعي، لا بل أرى أنّني شخص مجهول، لكنّه ينوي الاستمرار في قول الصدق والكتابة عنه مع الكثير من الفكاهة والسخرية من النفس. وأعتقد أنّ الذين يظنّون أنّني شخص سلبيّ التفكير يشعرون بأنّني أسيء إليهم، فأظنّ أنّهم لا يتحلّون بروح الدعابة، لكنّني أحترمهم.
هل سبق أن فقدت الأصدقاء بسبب أفكارك وابتعادك عن الامتثال الاجتماعيّ؟
فقدت الأصدقاء بالفعل، لكن ليس لهذا السبب، بل لأنّها كانت صداقات سامّة تعيّن وضع حدّ لها والابتعاد عن الموجات السلبيّة. غير أّنّني لا أرى نفسي مقاومة للامتثال. لا بل أعتبر أّنّني أعيش في عالم جميل ابتكرته لنفسي بعيداً عن المجتمع ومتطلّباته. وصحيح أنّ الناس ينتقدوني تارةً، لكن حين يكون النقد بنّاءًا، فذلك يساعدني على التقدّم كثيراً.
استغرقتِ الكثير من الوقت لتصميم منزلك، لماذا؟
أجل... فهذا ليس وجهاً من أوجه شغفي. إذ يتطلّب تصميم المنزل بالنسبة إليّ بعضاً من الانضباط والرؤية الشاملة، وهذا ليس بالأمر الذي أجيد فعله. لكن كلّ ما احتجت إليه فعليّاً هو أريكة وكتاب فحسب. واستمريت على هذا المنوال حتى أتى اليوم الذي أخبرني فيه زوجي أن الوضع لم يعد محتملاً. عندها، قبلت بإعادة تصميم المنزل بشرط امتلاك مكتبة ضخمة في غرفة المعيشة.
هنا اتصلت بصديقنا مارك بارود، المهندس المعماريّ ومصمّم القطع الأثريّة الرائع. وجمعنا رؤيته مع رؤيتي ونفّذناها. وقد لا تبدو النتيجة النهائيّة متناغمة، لكنّها تعجبني كثيراً شخصيّاً. وأودّ الإشارة إلى أنّ العمل لم ينتهِ بعد، فما ترونه اليوم غير مكتمل وسنستمر في التقدّم رويداً رويداً.
ما القطعة المفضّلة لديك في منزلك؟
لا بدّ لي من اختيار مكتبتي لأنّها تمثّل جزءّا من ذهني. أبدع مارك بارود في المزج بين الأسلوب القديم المتمثّل بالخشب المصقول والزوايا الدائريّة من جهة والأسلوب العصريّ الذي يعكسه الفولاذ. ومصباحي من اختراعه أيضاً ويحمل اسم "سنابل".
إذاً لم تتبعي أيّ قواعد عند تصميم منزلك؟
كلا، لم يكن ثمة أيّ قواعد.
كيف تصفين منزلك بثلاث كلمات؟
حيّ وعصريّ وقديم.
ما الذي يمثّل اللمسة الفنيّة في منزلك؟
أسطواناتي وأجهزة المذياع القديم خاصتي وكتبي.
كونك محامية وفنّانة في آنٍ معاً، فهذا يعني أنك تمزجي بين المنطق والأحلام. كيف جمعتهما في منزلك؟
لا وجود للمحامية هنا، فأنا أبقي العمل بعيداً عن منزلي.
أيّ زاوية منه هي الأحبّ إلى قلبك؟
غرفة المعيشة، ففيها أتأمّل المكتبة أمامي.
هل تغنّين تحت دشك؟
أغنّي في كلّ مكان، في الحمام، وحين أرتدي ملابسي، وعندما أعمل، وحتى أثناء النوم. أغنّي منذ الصباح وحتى الليل، فالموسيقى شغّالة دوماً في حياتي.
متى لاحظت أنّك تتحلّين بصوت جميل؟
في عمر الـ12 أو 13 عاماً، عقب إطلاق فيلم The Bodyguard، كنت أنشد أغنية ويتني هيوستون I Will Always Love You بأعلى صوت. وحين أصبحت في سنّ الـ16، شاركت في مهرجان الموسيقى على مسرح إحدى المدارس، وأذكر أنّني كنت في فرقة موسيقية في ذلك الوقت. ففي الواقع، والدي شغوف بالموسيقى الكلاسيكية والأوبرا وأمي تعشق موسيقى الروك والديسكو. وطبعاً احتضنت أنا كلّ ذلك بعشق وأضفت إليه موسيقى الجاز التي تمثّل حبي الأكبر. حتى أنّ مجموعة الأسطوانات الخاصة بي تتألّف بمعظمها من أسطوانات ورثتها عن والدي.
مَن النساء اللواتي تعتبرينهنّ قدوة لكِ وتحتذين بهنّ؟
أعتبر والدتي قدوة، وأكنّ الكثير من الاحترام لها، ولجدتي كذلك. أمّا على مستوى المشاهير، فأستمدّ الكثير من الإلهام من باربرا، مغنية l’Aigle Noir، لأنّها استغلّت معاناتها لتصبح عبقريّة! وكذلك أحبّ Maria Callas والكثيرات من أمثالها، فالأسماء كثيرة.
من المغنيّة العربيّة المفضلة لديك؟ وما الذي تعنيه لكِ جذورك العربيّة؟
بدون أيّ تردد سأختار أسمهان، لأنّني أعشقها. ففي الحقيقة، أعتدّ كثيراً بجذوري الشرقيّة وأنا متمسّكة بالمعتقدات التي تشرّبتها من والداي، وأكنّ احتراماً كبيراً لزوجي. غير أنّ شخصيّتي تعكس تناغماً جميلاً بين الشرق والغرب، فأنا أيضاً امرأة متحرّرة إلى أقصى الحدود.
لاحظنا أنّ الثقافة قيّمة جداً لكِ حين تغنّي. ألّا تغنّين قط بدون سبب؟
أجل، هذا صحيح. وتحديداً تجذبني القصة التي تحملها كلّ أغنية، ولا تعنيني الأغاني التي تفتقر إلى قصّة ما. ففي الغناء يمكنني أن أخبر تلك القصة بطريقتي الخاصة.
في مجتمع اليوم، حيث تفرض الصورة التي تعكسها مواقع التواصل الاجتماعي سيطرتها الكاملة، بات الصدق سمة ضائعة، وأصبح ثمّة حاجة ضروريّة إلى تحديد المعايير. وكذلك بات الملهمون، والملهمات خصوصاً، ندرة في عصرنا. غير أنّ امرأة ماري كلير امرأة عصريّة ومثقفة وحقيقيّة، ومقاتلة، وذكية وجميلة، وهذا بالضبط ما تمثّله Yasmina Farah Massoud، فهي الصديقة التي نحلم بها! لا بل إنّها فنانة بالمعنى النبيل للكلمة، لأنّها تتحلّى بذهن غنيّ بحق! وفي أيّامنا هذه، يجب تسليط الضوء على هذا النوع من النساء. وهذا ما فعلته ماري كلير بالتحديد، لأنّها تؤمن أنّه في كلّ واحدة منّا امرأة تشبه Yasmina، تريد كسر الحواجز، لكنّها قد تجهل كيفيّة فعل ذلك.
اقرئي أيضاً: At Home مع ZENA Assi








