
كان صباح يوم جمعة مشرقاً في القصر الجمهوري في بعبدا، حيث حملت الأجواء إحساساً نادراً بالهدف.
في قاعة فخمة، تجمّع حضوراً رفيعاً ضمّ شخصيات تربوية وسياسية وممثّلي منظّمات كبرى، بدعوة من اللبنانية الأولى السيدة نعمت عون، للإعلان عن مبادرة وطنية قد تعيد تشكيل نظرة لبنان للتعليم والحياة المدنية.
تم الكشف رسمياً عن مبادرة "مدرسة المواطية"، وخيّم على الأجواء شعور العزم والتصميم. وقفت السيدة عون، مرتدية بدلة أنيقة باللون الأزرق - لون المعرفة والوضوح والسماء المفتوحة - كرمز لدور التعليم في بناء المستقبل. بدا اختيار اللون الأزرق مقصوداً: كتذكير بأن أفق شباب لبنان يجب أن يكون دائماً مليئاً بالإمكانيات، وبأن المدارس يجب أن تصبح الأماكن التي تترسخ فيها قيم الانتماء والمشاركة والمسؤولية المشتركة.
تستند المبادرة، التي تم تطويرها بالتعاون مع منظمة اليونسكو والمركز التربوي للبحوث والإنماء، إلى مبدأ واضح ومستقبلي: المدارس ليست مجرد مساحات للتعلم الأكاديمي، بل هي مختبرات تصنع الوطنية. يهدف المشروع إلى دمج المشاركة المدنية في الحياة المدرسية، وتمكين الطلاب من التفكير النقدي والتعاون والعمل الهادف. للعام الدراسي 2025-2026، ستنضم 150 مدرسة، حكومية وخاصة، في المدن والأرياف، إلى البرنامج لتشكل الشبكة الوطنية الأولى المكرّسة لبناء ثقافة المواطنية الفاعلة.
خلال العرض الذي قُدّم في القصر الجمهوري في بعبدا، طرح الكثير من المتحدّثين الرئيسيين الإطار العام للمشروع وطموحاته. فقدّمت الدكتورة لينه قماطي، المنسقة العامة للمبادرة تفاصيل خارطة الطريق، بدءاً من اختيار المدارس وصولاً إلى المؤتمر الوطني الذي سيحتفي بإنجازاتها. وتحدّثت عن أهمية تحويل المواطنية من مجرّد فصل في كتاب مدرسي إلى تجربة يوميّة حيّة تضفي معنى على كل من التعلّم والتعليم. كما أكّد ممثل منظّمة اليونسكو على الفرصة الفريدة للبنان ليصبح نموذجاً رائداً في المنطقة، مما يجعل "مدرسة المواطنية" مثالاً لكيفية تعزيز التعليم للوحدة والمشاركة وبناء السلام. أمّا رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء فقد وصفت كيف تزوّد برامج المركز التدريبية المعلّمين والمدراء بمهارات القيادة والتواصل والإدارة، وهي الأدوات الأساسية للمواطنية الفاعلة. واختتمت بالقول: "التعليم ليس مجرّد نقل للمعرفة؛ بل هو إعداد أفراد قادرين على المشاركة، والسؤال، والمساهمة".
تم تصميم آلية عمل "مدرسة المواطنية" لتكون بسيطة ومستدامة. المدارس في جميع أنحاء لبنان مدعوّة للتسجيل على المنصة الرسمية قبل 1 ديسمبر 2025. وسيتم اختيار المدارس الـ 150 الأولى بناءً على التوزيع الجغرافي لضمان التنوّع والشمولية. بمجرد اختيار المدارس، يلتحق المديرون والمعلّمون بدورات تدريبية متخصصة في مراكز التدريب التابعة للمركز التربوي للبحوث والإنماء، حيث يستكشفون أدوات تربوية جديدة ومنهجيات مدنية ونماذج تعليمية تشاركية. هذه الدورات تفاعلية وعملية، وتُعدّ المعلّمين لدمج المبادئ المدنية، مثل المناقشة وحل المشاكل والعمل الجماعي والمساءلة، بشكل مباشر في فصولهم الدراسية. بعد مرحلة التدريب، تطلق كل مدرسة مشروعها المدني الخاص، الذي يتم تصميمه وقيادته بالكامل من قبل الطلّاب. تتنوّع هذه المبادرات لتشمل الاستدامة البيئية، أو المسؤولية الاجتماعية، أو التوعية الصحية، أو الحفاظ على التراث الثقافي. وتتم مراقبة هذه المشاريع وتحسينها وتقييمها على مدار العام، مما يسمح للطلّاب بتطبيق ما تعلّموه في الحياة الواقعية وفهم التأثير المباشر لأفعالهم على مجتمعاتهم. في نهاية كل دورة أكاديمية، يتم تكريم المدارس في المؤتمر الوطني لتعليم المواطنية الذي يُقام في القصر الجمهوري. فيتم جمع النتائج وقصص النجاح والدروس المكتسبة في التقرير السنوي لتعليم المواطنية، والذي يتم إعداده بالشراكة مع الجامعة الأميركية في بيروت. وهذا التقرير يحوّل البيانات والممارسات إلى توصيات للسياسات المستقبلية.

وتتجاوز "مدرسة المواطنية" حدود لبنان لتمثل رؤية إقليمية أوسع. ففي وقت يواجه فيه العالم العربي تحدي إعادة بناء الثقة المدنية وإعادة صياغة مفهوم المجتمع، تقدّم هذه المبادرة إطاراً يمكن أن يلهم الآخرين: تعليم يتجاوز حدود قاعات الدراسة، موجهاً بالمشاركة بدلاً من الحفظ، ومبنياً على القيم المشتركة بدلاً من الانقسامات. فتعيد هذه المبادرة وضع المعلّم في مكانته كمحفّز للتغيير الاجتماعي والطالب كمشارك في بناء عالم الغد. وتذكّرنا بأن التعليم لا يزال بإمكانه أن يكون أقوى قوّة للتغيير - ليس من خلال الأيديولوجيا، بل من خلال التعاطف والحوار والعمل.
وفي ختام هذا الحدث، خيّم على القاعة شعور بالتفاؤل نادراً ما يُلمس في المؤسسات العامة. وقد لاقت رؤية السيدة عون ترحيباً من جميع الحاضرين: المعلّمين وصنّاع السياسات والشركاء الذين أدركوا أن تشكيل المستقبل يبدأ من صفوف الدراسة. وبدا أنّ لباسها الأزرق، بلون المعرفة والثقة، وكأنه يعكس السماء في الخارج – مفتوحة ومشرقة ومليئة بالوعود. إن "مدرسة المواطنية" ليست مجرّد مبادرة لبنانية؛ فهي بيان نوايا واضح موجّه للمنطقة. إذ تدلّ على إيمان بأنّ الفصل القادم للعالم العربي يمكن أن يُبنى على الوعي المدني والتعليم والتعاون، وأن المستقبل هو لأولئك الذين يتعلّمون لا كيفية التفكير فحسب، بل كيفية المشاركة والاستماع والانتماء.
اقرئي ايضاً: السيدة الاولى نعمت عون حديث مواقع التواصل من خلال صفحتها الجديدة على انستغرام