
بقلم: صبا عودة
في لقائي السنوي مع زملاء المدرسة قبل عامين، وجدت نفسي أقف مع زميل دراسة قديم، أصبح اليوم طبيب أعصاب ذائع الصيت. تبادلنا الحديث وسألني عن أحوالي، فأجبت، كما هي العادة، “غارقة حتى أذني في العمل”. فجاء رده سريعاً: “بس ما تزوجتي من كم سنة؟! ليش لسه عم تشتغلي؟!”
آه… ها هي ذي مجدداً تلك الفكرة التي عفا عليها الزمن والتي تفترض أن المرأة، بمجرد أن تتزوج، لا تنال الأمان المادي فحسب، بل والغاية من وجودها كذلك.
منذ أن أسست شركة صَبا للاستشارات في دبي عام 2010، وهي شركة استشارات في الاتصال المؤسسي تعمل بها النساء فقط، وظفتُ ما لا يقل عن خمسين امرأة. بعضهن كنّ خريجات حديثات، وبعضهن في منتصف مشوارهن المهني ويبحثن عن تغيير، وأخريات أمهات شابات أردن استكمال مسيرتهن بعد الإنجاب. وبعض النساء اللواتي وظفتهن كنّ أمهات عدن إلى سوق العمل بعد انقطاع دام عقوداً، كرّسنها لتأسيس أسرة وبناء بيت.
كل واحدة منهن تحمل حلماً وطموحاً، وشعوراً بالمسؤولية، وغريزة السعي نحو هدفها. لم تعد المرأة اليوم تكتفي بلعب “الدور الثانوي”، أو “الممثلة المساندة”، أو البديل المؤقت. المرأة اليوم تخوض في معترك الحياة بكل ما أوتيت من إرادة، تختار طريقها، وتمشيه بثقة.
المرأة أمٌّ ومُربية، لكنها أيضاً مهندسة وعالمة وطاهية (رغم أنني لطالما استغربت أن أغلب الطهاة المشاهير رجال! لكن لنفتح هذا الباب لاحقًا). ولدينا الطيارات، وسائقات الفورمولا 1، ورائدات الفضاء. وبفضل من سبقونا من نساء الستينيات اللواتي حرقن حمّالات الصدر، شققنا طريقنا في التعليم، وتسلقنا سلّم النجاح المهني درجة تلو الأخرى.
لكن حين أجلس لأشاهد نشرات الأخبار ومؤتمرات قادة العالم الذين يتّخذون قرارات تمسّ مصيرنا جميعاً، تؤلمني عيني من كثرة البدل الداكنة وربطات العنق اللامعة! وعالم الشركات ليس أفضل حالًا! إذ كشف تقرير صادر عن Deloitte في عام 2024 أن النساء لا يشغلن سوى أقل من ربع مقاعد مجالس الإدارات في العالم، وأن فقط 8.4٪ من هذه المجالس تترأسها نساء، وأن نسبة النساء في منصب الرئيس التنفيذي لا تتجاوز 6٪.
لماذا لا تحتل المرأة العاملة مناصب قيادية؟
لأن النساء دخلن إلى سوق العمل، لكنهن لم “يظهرن” فيه بعد بالشكل الذي يليق بهن كمحاربات فاتحات. ليس بعد.
في العموم، لا تزال المرأة في بيئة العمل خجولة، ربما لأنها محاطة برجال أكثر صخباً وأثقل حضوراً، وربما لأنها لا تزال توصم بصفات مثل “طموحة أكثر من اللازم”، “هجومية”، أو “طيبة للغاية” وهي صفات نفسية تُذم بها المرأة بينما تُترجم هذه الصفات نفسها في الرجل إلى “حازم”، “متعاطف”، أو “قائدًا ملهم”.
الكرة في ملعبنا. على المرأة أن تتحدث، أن ترفع صوتها، أن تُبرز قدراتها وتُظهر حضورها التنفيذي. لكي تكون مرئية، ومسموعة، ومحترَمة.
وها أنا أشهد هذا التغيير بأم عيني، حياً وباللون الكامل. ادخل يا جيل z!
المرأة العاملة من جيل z
لا تنخدعوا بهوس هذا الجيل بتيك توك… هؤلاء الفتيات يتعاملين بجدية بالغة مع ما يردنه من الحياة وتجاه مستقبلهن المهني. التكنولوجيا منحت كل واحدة منهن نافذة على العالم، وجعلت العالم نافذة عليهن كذلك. هنّ أكثر فضولًا من جيلي، ويسعين وراء المعرفة بنهم وإصرار. أراقبهن في المكتب، وكل يوم أنبهر بالقوة والوضوح اللذين تحملهما كل واحدة منهن إلى أي مهمة أو نقاش.
والأهم: هنّ يتمتّعن بذكاء عاطفي عالٍ. لديهن قناعة داخلية، يعبرن عن آرائهن ويدافعن عنها، مدعّمات بالحقائق والبيانات.
المرأة الشابة التي تدخل اليوم سوق العمل تعرف تماماً ما تريد، وتعرف كذلك ما تستحق… ولن تقبل بأقل من ذلك، سواء كانت تقيّم وظيفة، او شريك حياة، أو حتى سندويشة!
والأجمل؟ أن لديهن من تقدير الذات ما يكفي لتوزيعه على جيل كامل من أمهاتنا! لن ينتظرن من يُقيّمهن، بل سيفرضن القيمة التي يعرفن أنهن يستحققنها، ويطالبن بالمقابل العادل. هذا الوضوح يمكّنهن من رسم الحدود… والدفاع عنها!
أنا أراقب الشابات من حولي يكتسبن مهارات وثقة بأنفسهن يوماً بعد يوم، وأشعر بحماسة لما يمكن للبشرية جمعاء أن تجنيه من هذا الازدهار.
إقرئي أيضاً: أفضل 9 بودكاست من تقديم نساء عربيات ملهمات