
هي ليست مجرد ممثلة؛ بل قوة ثقافية وتاريخ حيّ للسينما العربية. النجمة الكبيرة يسرا أكثر من فنّانة؛ إنها فصل كامل في كتاب السينما المصرية، وشاهدة على تحوّلات المجتمع وتطوّر مفهوم الجمال ذاته. في هذا العدد من مجلّتنا، تتألّق أيقونة النجومية في جلسة تصويرية مميزة بتوقيع Fendi، يليها حوار خاص وحصري نستكشف خلاله كيف تغيّر مفهوم الجمال في عينيها ليصبح مزيجاً من الخبرة والذكاء الداخلي ومقاومة الزمن. كما تفتح قلبها لتتحدّث عن التناقضات الإنسانية خلف الأضواء الساطعة، وكيف تؤثر لحظات الشك والهشاشة على طريقة ظهورها أمام العالم. تشاركنا يسرا أيضاً رؤيتها لـ"هوليوود العالم العربي" ودورها الثقافي اليوم، وتكشف عن المعيار الفنّي الذي يدفعها حالياً لاختيار الأدوار المعقّدة والمختلفة، في ظل ثورة المنصّات. لقاء صريح ومُلهم، تحتفي فيه النجمة بخبرتها الطويلة، وتنظر بتفاؤل إلى الجيل الجديد الذي يحمل رؤية جديدة وجريئة للفن العربي.
رئيسة التحرير والحوار: Farah Kreidieh
التصوير والإخراج: Ämr Ezzeldinn
التنسيق: Poucy Elshahawy
الشعر: Ahmed Moumir و Ramy Patrek
المكياج:Dina Dimitry
الإنتاج: Temple Artists
وكالة المواهب:Mad Solutions
الموقع: Living in Interiors Don Tanani
الإطلالات كلّها من Fendi
بعد ما مررتِ به من خبرات في الحياة، الآن عندما تفكرين في كلمة "جمال"، هل ما زالت تمثل المظهر، أم أنها قد أصبحت لغة تعبر عن الخبرات والذكريات ومقاومة الزمن؟
الجمال بالنسبة لي هو مزيج من كل هذا؛ هو المعنى للجمال الداخلي ثم الجمال الخارجي )جمال الشكل(، مضافاً إليه الخبرات الحياتية والذكريات التي يمر بها الإنسان، وغيرها من المصطلحات التي نكتسبها من الحياة. فالجمال الحقيقي في الأساس موجود داخل الإنسان، وهو ما ينعكس على وجهه ومظهره. فقد تقابلين امرأة غاية في الجمال، لكنها عندما تتحدث لا تتحملين الاستمرار في التواجد معها في مكان واحد، لأن ما بداخلها لا يشبه مظهرها، حيث تتفاجئين بشخصية فارغة من الداخل لا تشبه جمالها الخارجي.
والجمال أيضاً يعني الذكاء في اختيار الشكل والمظهر المناسب في الوقت والمكان المناسبين، وهو أيضاً يعني البساطة وعدم التكلف والجري وراء الموضة لمجرد كونها موضة دون التفكير في ما إذا كانت تناسبني أم لا.
بالإضافة إلى كل ما سبق، بل والأهم، هو العمل دائماً على تنمية وتطوير ذاتك الداخلية حتى تحافظي على جمالها، وبالتالي على جمال مظهرك.
خلف الصورة المبهرة التي يعشقها الجمهور، هناك لحظات من الشك والتعب، بل وحتى الهشاشة. كيف تؤثر هذه اللحظات الخاصة على طريقة ظهورك أمام العالم وأمام نفسك؟
الابتسامة التي ترونها على وجه الفنان في صورة ما ليست بالضرورة تعبر عن سعادته في اللحظة التي التقطت فيها هذه الصورة، بل قد تخفي وراءها مشاعر أخرى مناقضة تماماً. فنحن مثل أي إنسان، نمرّ بلحظات كثيرة وحالات نفسية متباينة، ما بين الحزن، القلق، التعب، والإرهاق وغيرها. لكننا في كل الأحوال علينا أن نجد حلاً، ونبحث عن أية وسيلة ممكنة بداخلنا لكي نظهر بمظهر سعيد ومبتسم أثناء التصوير، خاصة في جلسات التصوير المحترفة، وهي مهارة صعبة جداً. وتظل في النهاية الصورة التلقائية للفنان بابتسامته الحقيقية التي تعكس مشاعر صادقة من السعادة، هي الأجمل على الإطلاق.

من بين العديد من النساء اللواتي جسّدتِهن على الشاشة، من هي التي تركت البصمة الأعمق على شخصيتك، وماذا علّمتك عن قوة الجمال وحدوده؟
كل شخصية أجسّدها تترك بداخلي بصمة، ويحدث بيني وبينها تفاعل إنساني، سواء بوعي منّي أو بدون وعي. فكل شخصية أعطيها من صفاتي ومشاعري كما آخذ منها، وهذا مع كل عمل جسّدته على مدار مسيرتي الفنية، سواء في السينما أو التلفزيون.
فكل إنسان يمر في حياته العادية بخبرات وظروف تنعكس رغماً عنه على تصرفاته، وكل فرد فينا يحمل بداخله الخير والشر. وعندما يصبح فنانًا، وعليه أن يجسّد شخصية معيّنة، فإن هذا المخزون من الخبرات والمشاعر يظهر تلقائياً على على هذه الشخصية، والتي تعكس بدورها مشاعرها وخبراتها وسلوكياتها عليك أيضاً. لتصبح بينك وبينها ديناميكية خاصة، وتترك بداخلك بصمتها دون أن تعي ذلك. ويصل الأمر إلى أقصى حالاته من التأثير والتأثر، إذا كانت هذه الشخصية تشبهك كثيراً في الواقع.
حياتِك العامة عبارة عن سلسلة من المناسبات الفنية، بما في ذلك العروض الأولى، ومواقع التصوير والأضواء. ولكن، بعيدًا عن الكاميرا، ما هي الطقوس أو العادات الروتينية الصغيرة التي أصبحت درعكِ السري قبل خروجك للأضواء؟
كلمة السر هي "العناية والاهتمام" بنفسي وبيسرا، هذه هي كلمة السر. فبالطبع يجب علي دائماً، بقدر المستطاع، العناية ببشرتي، وبلياقتي البدنية، وبمظهري، وفي كل مرة أخرج فيها إلى الجمهور، في المناسبات المختلفة أو على السجادة الحمراء، يجب علي أن أكون في أفضل حالاتي، وفي أحسن شكل.
كنتِ ومازلتِ مصدر إلهام ومرآة للمرأة العربية على مدار عقود، هل ترين أن هذه مسؤولية وحمل ثقيل عليكِ؟ أم تعتبرينها حواراً تفاعلياً بينك وبين جمهورك؟ كيف تتفاوضين على هذا العقد غير المرئي المبرم بينكما؟
أعتبرها ميزة وهبة من الله، وحواراً تفاعلياً غير مباشر بيني وبين جمهوري. ولا أتفاوض على هذا العقد أو الميثاق الضمني وغير المرئي بيني وبينهم، بل بالعكس، أحرص دائماً قدر استطاعتي على الحفاظ عليه. وأنا ممتنة لوجود مثل هذا الرابط وهذه المنحة، وأعتبره أمر مجيد ومهم جداً لأي فنان.

إذا ما استبعدنا الأزياء والمكياج، هل يمكنك أن تتذكري لحظة بعينها في حياتك عندما شعرت بالجمال المطلق بسبب ما كنت تعيشينه أو تشعرين به في تلك اللحظة؟
أعتقد أن فترة التسعينيات وبداية الألفينيات شهدت أفضل إطلالاتي على الإطلاق. لم أكن بحاجة لوضع طبقات من مساحيق التجميل، بل كنت أكتفي بتعديلات مكياج بسيطة، لأنني كنت أعتبر أن الله قد منحني هدية وميزة جميلة، فأدركت أن عليّ أن أعمل على الحفاظ عليها والاعتناء بها.
أعمالك جعلت الحكايات والقصص العربية تعبر الحدود. برأيك، كيف تغير مفهوم الجمال العربي في هذا القرن الجديد، وما الجوهر الذي تأملين أن يبقى؟
الجمال في حد ذاته ليس له حدود، سواء كان جمالاً عربيًا أو أجنبيًا، كما أن الجمال أنواع وأشكال مختلفة، وليس له شكل واحد. وهي الطبيعة التي خلقنا الله عليها، بأن تتميز كل واحدة بشكل معين من الجمال. وهو ما كان واضحاً وبارزاً في الماضي، حيث كنا نرى تنوعاً كبيراً في الجمال؛ فهند رستم على طبيعتها الشقراء، وسعاد حسني بسمارها الجذاب، وشادية بشعرها الأسود الجميل، ونادية لطفي بملامحها الطبيعية البسيطة والجميلة في ذات الوقت، جمالاً ربانياً. أما الآن فقد أصبحت الفتيات يظهرنَ بشكل واحد، وأصبحنَ يشبهنَ بعضهنّ البعض؛ بنفس الشعر الأسود الطويل، والحواجب الغليظة، والشفاه الممتلئة، لدرجة تجلعنا لا نستطيع التفرقة بينهنّ. ولا يدركنَ أن الطبيعة التي خلقهنّ الله عليها هي الأجمل، وهي التي تمنح كل منهنّ شخصيتها وهويتها الخاصة التي تميزها عن غيرها.
لطالما تحدّت أدواركِ الصور النمطية، بل اتسعت لتشمل الشخصيات النسائية المعقدة. اليوم عندما تختارين دوراً جديداً، ما الذي يدفعكِ للموافقة عليه؟ هل هي القصة، أم التحدي، أم عندما ترين فيه فرصة لتغيير نظرة الجمهور للمرأة؟
عند اختياري لأي دور أضع في الحسبان كل الاعتبارات، ولم يسبق لي أن قدمت صوراً نمطية، لأنه في حالة اللجوء للصور النمطية، فإنني لن أتطور، ولن أجدد من نفسي، ولن أقدم شخصيات مختلفة ومتنوعة، وهو ما أرفضه تماماً، وأحرص على أن أدخل في تحديات مع شخصيات مركّبة.
كما أحرص على أن أكون مرنة ومواكبة لكل ما هو جديد، فلكل عصر لغته الفنية الخاصة، فاللغة التي كنت أتحدث بها مع الجمهور في الماضي ليست هي نفسها في الوقت الحاضر، لذلك فإن اختياراتي للأدوار اليوم تختلف عنها في فترة بداياتي. لذلك على الفنان أن يطور من نفسه دائماً، وألا يظل جامداً في مكانه.
لطالما عُرفت السينما المصرية بـأنها "هوليوود العالم العربي". بما أنك كنتِ وما زلت في قلبها، كيف ترين دورها اليوم كقوة ثقافية تُشكّل هوية المنطقة، وكمنصة لأنواع جديدة من القصص والحكايات؟
السينما مرآة المجتمع، فقد استطاعت على مدار عقود أن تعكس حالة المجتمع والظروف المحيطة به بكل تفاصيلها في كل عصر. فسينما السبعينيات تختلف عن سينما الثمانينيات وعن التسعينيات، وهكذا، حيث نرى في السينما بصمة لكل عصر مرت به ونقلت عنه.
في الماضي، كانت السينما والذهاب إليها شيء مهم جداً وطقس أساسي عند كل أسرة على اختلاف أعمارهم، وكنت ترين المشاهد مقبلاً على جميع الأنواع السينمائية، سواء دراما، كوميدي، أكشن وغيرها. أما اليوم، أصبح ارتياد السينما يقتصر على فئة عمرية معينة، وهي الأصغر سناً، تلك التي تبحث عن الضحك والكوميديا والأكشن والخيال العلمي، وبدأت تجربة السنيما تفقد أهميتها.
القسم الكبير من الجمهور الذي لم يعد يهتم بالسينما لا يدرك ما يفوته من جمال، فشاشة السينما مبهرة، والجلوس في قاعة العرض، وانتظار الفيلم، والتعايش والاندماج مع القصة التي تحدث أمامك، طقس لا يعوض.

تشهد السينما والتلفزيون تحولاً جذرياً، مع المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي، وأشكال جديدة من الشهرة. بصفتك قد عايشتِ تطورات عديدة في عالم الترفيه العربي، ما الذي تجدينه أكثر جذباً وما الذي تجدينه أكثر إثارة للقلق في الوقت الحالي؟
أنا لست ضد المنصات والتطور التكنولوجي، فالإنسان عليه طوال الوقت مواكبة العصر والبحث دائماً عن الوسائل الحديثة للوصول من خلالها للجمهور، مثل المنصات التي تعرض من خلالها المسلسلات والأعمال الدرامية.
لكنني ضد البحث عن الشهرة بطرق سهلة وسريعة من خلال وسائل مثل مواقع التواصل الاجتماعي، والاعتماد عليها كلياً في إثبات الذات والظهور للجمهور. وأرى أن الشهرة من هذا النوع، كما تبدأ سريعاً، تنتهي وتخفت بنفس السرعة، لأنها في كثير من الحالات تكون مبنية على أساس هش. لذلك على الفنان أن يعمل على نفسه، ويركّز على تطويرها وتطوير موهبته، وأن يكون صادقاً في تقديم نفسه من خلال أدائه في أعمال حقيقية، وهي الوسيلة الأفضل في تقييم الفنان وانتشاره.
تحتفي مجلة ماري كلير العربية بالنساء اللواتي يُحوّلن ظهورهنّ إلى صوت مسموع. وبالنظر إلى رحلتكِ الشخصية من ممثلة إلى أيقونة، ما معنى التمكين بالنسبة لكِ الآن؟ وكيف تأملين أن تُلهم خياراتكِ جيلًا شابًا من النساء ليُدركن قوتهن؟
أحب أن أعرب عن شعوري بالفخر بما حققته من إنجازات ونجاحات في مشواري الفني، وبما قدمته خلال مسيرتي حتى الآن، وأن أنوه إلى أن هذا المشوار لم يكن سهلاً، ولم تأتِ هذه النجاحات من فراغ، فلقد خضت الكثير من التحديات لأثبت وجودي، في وقت كان ثرياً بالكبار والمخضرمين في عالم الفن والتمثيل. لكنني عندما ثبتّ أقدامي وأصبح لي اسم معروف، لم أتكبر على أقراني ولا على من يصغرني سناً، بل عمدت أن أكون دليلاً لهم، وأن أقدم المساعدة والنصيحة لهم في بداية طريقهم قدر استطاعتي، حتى لا يتوهوا كما تهت أنا. فقد منحت الكثيرين من الجيل الجديد الفرصة، حتى أصبح العديد منهم نجوماً الآن، وأصبحت أرى بصمتي في كل منهم على مدار ثلاثة أجيال على الأقل.
بالنظر إلى الجيل الجديد من الفنانين، ما هي الأسماء على الشاشة أو خلف الكاميرا التي تجعلك تشعرين بأن رؤية جديدة وجريئة وأصيلة للجمال والفن العربي بدأت تظهر؟
أرى أن الجيل الجديد كله جيلاً واعداً، وكل واحد فيهم عنده القدرة على أن يكون مختلفاً عن غيره. كما أرى أن لديهم إمكانيات جيدة جداً في التمثيل، كما يتمتعون بميزة لم تكن موجودة في فترة الثمانينات والتسعينيات، وهي نشأتهم وسط جيل آخر من الممثلين المخضرمين. وكثيرون منهم يتلقون دروساً وتدريبات في التمثيل والحركة الجسمانية، حتى المتقدمون في العمر منهم يحرصون على هذه التدريبات ليحافظوا على لياقتهم الفنية والجسدية. أنا فخورة بهم، وأرى فيهم عدداً كبيراً من الواعدين والناجحين، وبالتالي لا أستطيع أن أذكر أسماء محددة حتى لا أنسى غيرهم.