هناك سؤال يلاحق كل امرأة تهتم بالموضة، ويتكرر مع كل موسم تخفيضات، وكل راتب جديد، وكل حقيبة تعجبها في واجهة متجر: هل أشتري قطعة واحدة بجودة عالية، أم أشتري عدة قطع بسعرها؟ لسنوات طويلة، كنت أجيب بثقة تكاد تبدو مطلقة: الجودة دائماً. ربما لأنني أعمل في الموضة، وربما لأننا جميعاً تربينا على فكرة أن خزانة الملابس الجيدة لا تُقاس بعدد القطع، بل بقيمتها. كنا نسمع باستمرار أن الحقيبة الجيدة تعيش عشرين عاماً، وأن الحذاء المصنوع بإتقان يوفر عليك شراء خمسة أحذية أخرى، وأن المرأة الأنيقة لا تحتاج إلى خزانة ممتلئة، بل إلى خزانة ذكية. كنت أؤمن بكل ذلك، ولم أشكك فيه يوماً.
لكن المشكلة في النصائح المثالية أنها غالباً ما تُكتب لحياة مستقرة، وأنا لم أعش حياة مستقرة بما يكفي لأختبرها.


خلال سنوات قليلة، وجدت نفسي أعيش في أكثر من مدينة، وكل مدينة كانت تعيد تعريف علاقتي بالملابس من البداية. خرجت من بلاد الشام، حيث كان الشتاء حاضراً في تفاصيل يومي، وكانت المعاطف الثقيلة، والأحذية الجلدية الطويلة، والكنزات الصوفية تشكل الجزء الأكبر من خزانتي. ثم انتقلت إلى مدريد، حيث بدأت المواسم تبدو أكثر اعتدالاً، وأصبحت الملابس أخف، والألوان أكثر إشراقاً. بعد ذلك جاءت باريس، المدينة التي جعلتني أقع أكثر في حب الخياطة المتقنة، والقطع الكلاسيكية، والهدوء الذي يميز الأناقة الفرنسية. ثم وصلت إلى دبي، وهنا فقط أدركت أنني، رغم كل ما جمعته خلال السنوات الماضية، كنت أبدأ من الصفر مرة أخرى.
لم يكن الأمر أنني لا أملك ملابس، بل إنني لا أملك الملابس التي تناسب حياتي الجديدة. كانت خزانتي مليئة بالمعاطف التي أحبها، لكنها لم تعد ترى ضوء الشمس. كنت أملك أحذية شتوية رائعة، لكنها بقيت في صناديقها أشهراً طويلة. وكنت أمتلك حقائب جميلة، وساعات، ومجوهرات استثمرت فيها لأنني كنت أعرف أنها سترافقني أينما ذهبت. لكن عندما كنت أستعد للخروج صباحاً، كنت أكتشف أنني أفتقد أبسط الأشياء؛ قميصاً أبيض جيداً، أو تيشيرتاً قطنياً أرتديه مع الجينز، أو سروال كتان يناسب حرارة أغسطس، أو فستاناً بسيطاً يمكن أن يبدأ يومه في اجتماع عمل وينهيه على مائدة عشاء.


وهنا فهمت شيئاً لم أكن أراه من قبل. كنت أملك القطع التي يلاحظها الجميع، لكنني لا أملك القطع التي أرتديها كل يوم. كنت قد قضيت سنوات أبحث عن القطعة المميزة، الحقيبة التي سيتوقف الجميع ليسألني عنها، أو الحذاء الذي سيضيف شخصية إلى الإطلالة، بينما كنت أتعامل مع الأساسيات وكأنها يمكن أن تنتظر دائماً. لم أكن أدرك أن أكثر قطعة قيمة في خزانة الملابس ليست بالضرورة الأغلى ثمناً، بل الأكثر استخداماً.



ولهذا، للمرة الأولى في حياتي، تغيرت أولوياتي بالكامل. لم أتخل عن فكرة الجودة، لكنني توقفت عن اعتبارها الإجابة الوحيدة. احتجت إلى بناء خزانة، لا إلى شراء قطعة جديدة تعلق على شماعة الملابس إلى جانب عشرات القطع الجميلة التي لا تجد فرصة للخروج. بدأت أشتري عدداً أكبر من الملابس، لكنني كنت أشتريها بعقل مختلف. لم أعد أبحث عن القطعة التي ستجذب الانتباه، بل عن القطعة التي سأرتديها صباح الثلاثاء، ثم أعود إليها يوم الجمعة، ثم أختارها مرة أخرى الأسبوع التالي. لم أكن أشتري بدافع الاستهلاك، بل بدافع الاحتياج.


وربما هنا يكمن الفرق الذي لا نتحدث عنه كثيراً عندما نتحدث عن الجودة أم الكمية في الملابس. فليست كل مرحلة من حياتنا تحتاج إلى الاستراتيجية نفسها. عندما تكونين في بداية بناء خزانة ملابسك، أو عندما تنتقلين إلى مدينة جديدة، أو يتغير أسلوب حياتك بالكامل، فإن الأولوية تصبح للأساس الذي ستبنين عليه كل شيء لاحقاً. لا معنى لحقيبة استثنائية إذا لم يكن لديك ما ترتدينه معها، ولا معنى لحذاء فاخر إذا كنت تقفين كل صباح أمام خزانة لا تمنحك خيارات حقيقية.
ومع ذلك، هناك أشياء لم تتغير أبداً في طريقة تسوقي. فما زلت أؤمن بأن الحقائب، والأحذية، والساعات، والمجوهرات تستحق الاستثمار قدر الإمكان. هذه القطع لا تتأثر كثيراً بتغير المدن أو المواسم، وهي تنتقل معنا من مرحلة إلى أخرى بسهولة. أما الملابس، فقد أصبحت أنظر إليها بمنطق مختلف؛ إذا كانت قطعة سأرتديها خمسين مرة في السنة، فلا يهمني إن لم تكن الأغلى، بقدر ما يهمني أن تكون جيدة، ومريحة، وسهلة التنسيق، وقادرة على تحمل الاستخدام المتكرر.



واليوم، عندما أنظر إلى خزانتي، أجد أنها تشبهني أكثر مما كانت عليه في أي وقت مضى. ليست لأنها أصبحت تضم علامات أزياء أكثر، بل لأنها أصبحت تعكس حياتي الحقيقية. فيها القطع التي أحتاجها فعلاً، والقطع التي أحبها فعلاً، والقطع التي أعرف سبب وجودها. لم أعد أشتري لأن القطعة جميلة فقط، بل لأنني أعرف الدور الذي ستلعبه داخل خزانتي، وعدد الإطلالات التي ستدخل فيها، وما إذا كانت ستجعل صباحاتي أسهل، لا مجرد صوري أجمل.
الجودة أم الكمية؟
ولهذا، إذا سألتني اليوم: الجودة أم الكمية في الملابس؟ فلن أختار بينهما. سأقول إن الجودة من دون أساسيات تترك خزانة جميلة لكنها غير مكتملة، وإن الكمية من دون وعي تتحول سريعاً إلى فوضى. أما الخزانة الناجحة، فهي تلك التي تعرف متى تستثمر، ومتى تبني، ومتى تؤجل شراء الحقيبة التي تحلمين بها، لأن ما تحتاجينه حقاً هذا الصيف هو خمسة قمصان جيدة، لا حقيبة خامسة.
اقرئي ايضاً: كيف تنسقين الشورت الطويل هذا الصيف؟ دليلكِ من محررة أزياء طولها 150 سم









