بين تشديد القواعد التنظيمية وتغيّر أساليب التصنيف، تتجه صناعة الألماس إلى فصل أوضح بين الحجر الطبيعي والحجر المُنتَج في المختبر. المسألة ليست تغيير اسم بقدر ما هي إعادة ضبط للغة المستخدمة في البيع والتقييم والإفصاح.
خلال السنوات الماضية، دخل الألماس المُنتَج في المختبر إلى سوق المجوهرات بوتيرة سريعة، ومع هذا التوسع ظهرت حاجة أكبر إلى تحديد الطريقة التي يُقدَّم بها للمستهلك. فالجدل الحالي لا يدور حول ما إذا كان الحجر «حقيقياً» بالمعنى المادي، بقدر ما يتعلق بأصله، وباللغة التي يجب استخدامها للتمييز بين حجر تكوّن في الطبيعة وآخر جرى إنتاجه في بيئة مخبرية.


هل تغيّرت تسمية الألماس المُنتَج في المختبر؟
ولا يوجد حتى اليوم قرار عالمي يعيد تسمية جميع الأحجار المُنتَجة في المختبر بـ”الألماس الاصطناعي”. فمصطلحات مثل laboratory-grownوlaboratory-created ما زالت مستخدمة في عدد من الأسواق، إلى جانب مصطلح synthetic diamond الذي يحظى بأهمية تنظيمية متزايدة في دول أخرى.
لكن اختلاف المصطلحات لا يعني اختلاف طبيعة الحجر نفسه. فالألماس المُنتَج في المختبر ليس زجاجاً ولا زركونيا مكعبة ولا مادة تحاكي الألماس. وهو يملك في جوهره التركيب الكيميائي والبنية البلورية والخصائص الفيزيائية الأساسية نفسها الموجودة في الألماس الطبيعي. الفارق الأساسي هو المنشأ: الأول يُنتَج باستخدام تقنيات تحاكي الظروف التي يتكوّن فيها الألماس، بينما يتشكل الثاني طبيعياً في باطن الأرض عبر فترات زمنية طويلة.
اعتباراً من 1 سبتمبر 2026، تدخل في روسيا قواعد أكثر تشدداً لتنظيم طريقة وصف الأحجار المُنتَجة في المختبر داخل المجوهرات.


وبموجب هذه القواعد، يجب التعريف بهذه الأحجار بوصفها synthetic، فيما يُحجز استخدام كلمة “ألماس” بمفردها للألماس الطبيعي. كما لا يجوز استخدام أوصاف مثل “حقيقي” أو “أصيل” أو “طبيعي” أو “ثمين” عند تسويق الأحجار الاصطناعية، إضافة إلى قيود على استخدام بعض العبارات المرتبطة بالاستدامة مثل “صديق للبيئة”.
ولا تقف القواعد عند حدود الاسم، بل تمتد أيضاً إلى طريقة عرض بعض المعلومات المتعلقة بالحجر داخل القطعة، بما في ذلك الوزن. والهدف هنا واضح: منع أي صياغة قد تجعل الألماس الطبيعي والألماس المُنتَج في المختبر يبدوان وكأنهما فئة واحدة من حيث المنشأ أو القيمة السوقية.
لكن ما يحدث في روسيا لا يعني أن صناعة الألماس تبنّت اسماً عالمياً جديداً.
في فرنسا، يُستخدم منذ فترة طويلة مصطلح synthetic في وصف الألماس المصنّع، كما لم تُقبل محاولات استبداله بتعبيرات مثل laboratory-created. أما في الهند، فتتجه القواعد كذلك إلى اعتبار كلمة “ألماس” من دون أي توصيف إشارة إلى الحجر الطبيعي، مع اشتراط الإفصاح بوضوح عندما يكون الحجر مُنتَجاً في المختبر.
وعلى المستوى الدولي، تعترف المعايير بعدة تسميات، من بينها synthetic diamond وlaboratory-grown diamond وlaboratory-created diamond.
لذلك يمكن الحديث عن اتجاه عالمي نحو فصل أكثر وضوحاً بين الفئتين، لكن ليس عن قاموس موحد حتى الآن.
التغيير الأبرز الآخر جاء من GIA، المعهد الأمريكي للأحجار الكريمة وأحد أهم الجهات العالمية المتخصصة في تقييم وتصنيف الألماس والأحجار الكريمة.
فالمعهد لم يستبدل مصطلح الألماس المُنتَج في المختبر بكلمة synthetic، بل غيّر الطريقة التي يقيّم بها هذه الأحجار.



ومنذ أكتوبر 2025، بدأ GIA في تصنيف الأحجار المخبرية عديمة اللون أو القريبة منه، عند استيفائها الشروط المطلوبة، ضمن فئتين أوسع هما Premium وStandard، بدلاً من استخدام المنظومة التفصيلية نفسها الخاصة بدرجات اللون والنقاء المستخدمة مع الألماس الطبيعي.
وتبقى الأحجار التي يقيّمها المعهد موسومة بالليزر بعبارة LABORATORY-GROWN لتوضيح منشئها.
ويستند هذا التغيير إلى طبيعة السوق نفسها. فبحسب GIA، يقع أكثر من 95% من الألماس المُنتَج في المختبر والمتداول في السوق ضمن نطاق ضيق نسبياً من حيث اللون والنقاء.
وهذا يعني أن نظام التصنيف التفصيلي الذي صُمم أساساً لتمييز الفروقات الواسعة الموجودة بين الأحجار الطبيعية لا يؤدي الوظيفة نفسها عند تطبيقه على نسبة كبيرة من الأحجار المخبرية المتشابهة في خصائصها.
وبذلك يصبح تغيير نظام التصنيف جزءاً من تحوّل أوسع داخل الصناعة: التعامل مع الألماس الطبيعي والألماس المُنتَج في المختبر كسوقين مرتبطين بالمادة نفسها، لكنهما مختلفان في المنشأ والندرة والتسعير وطريقة التقييم.
بالتوازي مع هذا التشديد في المصطلحات، تشهد الإمارات توسعاً كبيراً في تجارة الألماس المُنتَج في المختبر.
فقد سجلت الدولة في عام 2025 تداول 76.9 مليون قيراط من هذه الأحجار، بزيادة بلغت 91.5% مقارنة بالعام السابق، فيما وصلت قيمة التجارة إلى نحو 1.3 مليار دولار.
ويعكس هذا النمو موقع دبي المتقدم في تجارة الألماس العالمية. كما أطلق DMCC، مركز دبي للسلع المتعددة وأحد أبرز مراكز التجارة الدولية في الإمارة، منظومة متخصصة بقطاع الألماس المُنتَج في المختبر تحت اسم Lab-Grown Diamond Vertical لدعم الشركات العاملة في هذه الصناعة.
لكن أهمية الألماس المُنتَج في المختبر لا تقتصر على المجوهرات.


فخصائص الألماس من حيث الصلابة وقدرته على نقل الحرارة واستخداماته التقنية تفتح الباب أمام تطبيقات في قطاعات مثل أشباه الموصلات، والتقنيات الكمية، وصفائح الألماس المتقدمة، والأجهزة الطبية، والفضاء.
وهذا يغيّر موقع الألماس المُنتَج في المختبر داخل النقاش. فبدلاً من النظر إليه فقط بوصفه بديلاً أقل سعراً للألماس الطبيعي في خاتم أو عقد، يتحول تدريجياً إلى مادة تدخل في صناعات ذات استخدامات مختلفة تماماً.
القواعد الجديدة لا تغيّر الخصائص الفيزيائية للحجر، ولا تفرض سعراً محدداً له. ما تغيّره فعلياً هو مستوى الإفصاح المطلوب عند البيع.
فالشراء الواعي يبدأ بمعرفة ما إذا كان الحجر طبيعياً أو مُنتَجاً في المختبر، والجهة التي قيّمته، ونظام التصنيف المستخدم في التقرير المرفق به، وما إذا كان منشؤه موضحاً بوضوح.
وهنا تصبح الغاية من الشراء جزءاً من القرار أيضاً.


فمن تبحث عن حجم أكبر أو تصميم أكثر جرأة ضمن ميزانية محددة قد ترى في الألماس المُنتَج في المختبر خياراً مناسباً. أما من تنظر إلى القطعة بوصفها حجراً طبيعياً نادراً تريد الاحتفاظ به أو توريثه، فقد تمنح المنشأ الطبيعي وزناً أكبر في قرارها.
المقارنة بين الفئتين لا تحتاج إذاً إلى وصف إحداهما بأنها “”حقيقية” والأخرى “مزيفة”. الأدق هو الاعتراف بأنهما يمثلان عرضين مختلفين داخل سوق الألماس، لكل منهما منشأه ونظام تقييمه وسياقه السعري.
ومع تشديد القواعد في عدد متزايد من الأسواق، تصبح القاعدة الأهم أكثر بساطة: أن يكون منشأ الحجر واضحاً، وأن تعرف المشتريّة بدقة ما الذي تدفع ثمنه.
اقرئي ايضاً: نساء غيّرن الموضة من دون أن يصممنها









