قبل أكثر من ألفي عام، كان الصيادون في المناطق القطبية يرتدون قطعاً من العظام أو الخشب محفوراً فيها شق ضيق أمام العينين. لم تكن عدسات، ولم تُصنع لتبدو أنيقة، بل لتقليل وهج الشمس المنعكس عن الثلج وحماية البصر. والمفارقة أن هذا التصميم البدائي لم يحجب الضوء فقط، بل ساعد أيضاً على زيادة وضوح الرؤية بالطريقة نفسها التي تعمل بها الفتحة الصغيرة في الكاميرا. كانت تلك من أقدم الصور المعروفة للنظارات الواقية من الشمس، قبل وقت طويل من ظهور الإطارات التي نعرفها اليوم.


أما العدسات الملونة، فلم تبدأ أيضاً كخيار جمالي. في القرن الثامن عشر، اقترح صانع الأدوات البصرية الإنكليزي James Ayscough استخدام عدسات زرقاء أو خضراء لمعالجة بعض مشكلات النظر. لم يكن يحاول اختراع نظارات شمسية بالمعنى الحديث، لكنه ساهم في تقديم فكرة أن لون العدسة يمكن أن يغيّر الطريقة التي ترى بها العين العالم.
ثم جاء التحول الذي جعل النظارات الشمسية قطعة يرتديها الجميع. ففي عام 1929، بدأ Sam Foster بيع نظارات Foster Grant على ممشى Atlantic City، لتخرج النظارات من العيادات والمتاجر المتخصصة وتصبح منتجاً متاحاً للجمهور. وبعد ذلك، فعلت السينما الباقي. لم تعد العدسات الداكنة مجرد حاجز أمام الضوء، بل حاجزاً أمام الآخرين أيضاً؛ تخفي العينين، وتصعّب قراءة الوجه، وتمنح الرجل شيئاً من الغموض حتى لو لم يكن غامضاً في الأصل.


وهنا تبدأ علاقتنا الفعلية بالنظارات الرجالية.
ما القطعة الأخرى القادرة على تغيير ملامح الرجل بهذه السرعة؟ يمكنه أن يرتدي القميص نفسه، والساعة نفسها، ويصفف شعره بالطريقة ذاتها، ثم يضيف إطاراً واحداً فتتغير شخصيته بالكامل. قد يبدو أكثر نضجاً، أو أكثر ثقة، أو كأنه يعرف إلى أين يذهب حتى عندما لا يعرف. وقد يحدث العكس بالطبع؛ فليست كل نظارة باهظة الثمن جيدة، وليست كل صيحة تستحق أن تصل إلى وجهه.


لهذا، لا تقوم اختياراتنا هنا على شكل الوجه أو القواعد التقليدية التي تخبر الرجل بما «يجب» أن يرتديه. اخترناها بناءً على معيار أكثر صراحة: كيف تجعله يبدو؟
فالنظارات الرجالية ليست تفصيلاً صغيراً في الإطلالة. الإطار يحدد ملامح الوجه، وشكل العدسة يغيّر النظرة، ولونها يقرر مقدار ما نراه من الرجل ومقدار ما يختار إخفاءه. النظارة الرفيعة قد تمنحه أناقة هادئة، فيما يضيف الإطار العريض حضوراً أقوى. أما التصميم المستوحى من الطيارين، فيحمل معه تاريخاً كاملاً من الجرأة والحركة، حتى عندما يرتديه رجل لم يقترب في حياته من قمرة قيادة.
لكن الإطار الجيد لا ينبغي أن يحوّله إلى شخصية لا تشبهه. أفضل النظارات هي التي تضيف شيئاً إلى حضوره من دون أن تبدو كأنها ترتديه بدلاً من أن يرتديها. نحن لا نبحث عن شعار كبير، أو تصميم يحاول إثبات سعره من الجهة الأخرى من الشارع. نبحث عن النسب الصحيحة، وعن العدسة التي تضيف قدراً محسوباً من الغموض، وعن إطار يجعل الرجل يبدو أفضل فوراً، لكن من دون أن نفهم تماماً لماذا.
لهذا اخترنا ثلاث نظارات، لا لأنها الأكثر شهرة أو الأكثر تقنية، بل لأن لكل واحدة منها أثراً مختلفاً على الرجل الذي يرتديها.
نظارات رجالية نريد فعلاً أن نراها عليه
للرجل الذي تبدو عليه الكلاسيكيات طبيعية



للرجل الذي يعرف أن الغموض جزء من الإطلالة



للرجل الذي يستطيع تحمّل إطار جريء



في النهاية، بدأت النظارات الشمسية كوسيلة لحماية العين من وهج الثلج، ثم أصبحت علاجاً بصرياً محتملاً، قبل أن تتحول إلى واحدة من أكثر القطع تأثيراً في صورة الرجل.
فهي تخفي عينيه، لكنها تكشف ذوقه فوراً.
اقرئي ايضاً: CHANEL خريف شتاء 2026/2027 Haute Couture: وحكاية الفصل الثاني من Matthieu Blazy









