Cyrille Vigneron: بين القيادة والتمكين

Cyrille Vigneron: بين القيادة والتمكين
12 يونيو 2026 إعداد: عبيدة دنهش

في هذا الحوار الخاص مع Cyrille Vigneron، رئيس مجلس إدارة شؤون الثقافة والعمل الخيري في دار Cartier، نغوص في عمق الفلسفة التي تقود واحدة من أعرق دور الفخامة في العالم. يحدثنا عن مسيرة عقدين من تمكين المرأة عبر “مبادرة Cartier للنساء”، كما نكتشف معه كيف يسهم التعاطف، والإصرار، والإيمان بالقضايا الحقيقية في إعادة تشكيل مفهوم النجاح والقيادة.

خلال قيادتك لدار Cartier، أصبح دعم المرأة جزءاً أساسياً من هوية الدار، خاصةً مع توسّع “مبادرة Cartier للنساء”. بالعودة لتلك المرحلة، هل تذكر موقفاً أو لقاءً أدركت معه أن الأمر أكبر من مجرّد عمل تجاري، بل قضية حقيقية تستحقّ الدفاع عنها؟

بدايةً أودّ التوضيح أنّ هذه المبادرة لم تكن يوماً فرصة تجارية. لقد جاء هذا الإدراك تدريجياً عبر عملنا في مجال المسؤولية المجتمعية. فقبل أكثر من خمسة عشر عاماً كانت الوسيلة الشائعة لدى الشركات هي تنظيم حفل خيري أو بيع المنتجات المتبقية والتبرع بريعها، لكنّ ذلك كان يطرح تساؤلات أخلاقية: هل نفعل ذلك لتصريف المنتجات أم للترويج التجاري؟ وما المعنى الحقيقي للتبرع بالأرباح؟ ومن هنا اتخذنا قراراً بحسم الأمر وفصل العمل التجاري تماماً عن العمل المجتمعي. فالجانب التجاري يتلخّص في صياغة ابتكارات فاخرة وجميلة ويجب أن يشتري العملاء قطعنا لأنهم يحبون جودتها وتصميمها فقط، وليس لدعم قضية معيّنة. بينما الجانب المجتمعي كالمبادرات الإنسانية ومبادرة المرأة يمثّل دورنا كعنصر مسؤول في المجتمع وليس كصانع مجوهرات. إن مبادرة Cartier للنساء ليست أداة تسويقية بل هي مبادرة قائمة على صناعة أثر ملموس ومستدام دون انتظار أي عائد تجاري. باختصار، نحن لا نخلط بين الأمرين، فالجودة والبراعة هما أساس تجارتنا، ودعم المجتمع هو تعبير عن قيمنا ومبادئنا. والأمر يشبه الذهاب إلى مطعم يملكه صديق لك فأنت تذهبين إليه لأنّ الطعام ممتاز ولذيذ في المقام الأول وكونك تحبّين صديقك وتدعمه هو شيء إضافي رائع لكنه لا يغني عن جودة الطعام نفسه.

من المثير للاهتمام رؤية علامة تجارية عريقة مثل Cartier ترعى مبادرة ذات أثر كبير. واليوم ونحن نحتفل بمرور عشرين عاماً على إطلاقها، هل هناك محادثة مع إحدى المشاركات تركت في نفسك أثراً دائماً؟

من الصعب اختيار قصة واحدة فقط لكثرة التجارب الملهمة، لكنّني أذكر Mariam من أرمينيا التي أسست مشروع Safe YOU لمكافحة العنف ضد المرأة في ظروف وصراعات صعبة للغاية وكيف اعتلت المسرح بكل ثقة وكان حضورها رائعاً. كما أذكر Kristina من بلغاريا التي كانت نموذجاً قوياً لتحدي الصور النمطية. إذ كانت تبدو كعارضة أزياء بينما هي في الحقيقة عبقرية في الرياضيات والتكنولوجيا المتقدّمة، وقد عانت دائماً من نظرة المجتمع السطحية التي تحكم على مظهرها قبل عقلها. كذلك أذكر Lu Zhang وهي عضو لجنة تحكيم في المبادرة، كانت تحدثت عن كونها تمثّل أقلية مضاعفة في Silicon Valley كونها امرأة قصيرة القامة ومن أصول منغولية صينية. ورغم أن الجميع كان يخطئ في معرفة من هو المسؤول عند دخولها القاعة، إلا أنها استطاعت أن تؤسس صناديق استثمارية نجحت في جمع أكثر من مليار دولار، وأصبحت تصرّح بثقة أنها هي المالكة والمديرة دون أن تدع الصور النمطية تقف في طريقها. وفي الحقيقة، يحمل كلّ حفل تكريم قصصاً شخصية لمؤثرات وملهمات يشاركنَ تجاربهنّ ولمساتهنّ الإنسانية التي تمس القلوب وتترك أثراً لا يمحى.

من بين جميع هؤلاء النساء الناجحات اللواتي التقيتهنّ، ما هي الصفة المشتركة التي وجدتها بينهنّ جميعاً؟

الإصرار والعزيمة، فالغالبيّة العظمى منهنّ بدأنَ من الصفر لمواجهة مشكلة معيّنة، وكان لديهنّ كلّ الأسباب التي قد تدفعهنّ للاستسلام، سواء من الأهل أو بسبب صعوبة التحديات المعقّدة. لكنّهنّ لم يستسلمنَ وواصلنَ طريقهنّ حتى في أكثر الأوقات وحدة. وبحكايتهنّ هذه اكتشفنَ أنّ اختلافهنّ هو ما يجمعهنّ ويعطيهنّ القوة. ورغم لحظات الإرهاق الشديد وفقدان الطاقة، كان هذا الإصرار على فعل ما يؤمنّ بأنه الصواب هو العلامة الفارقة. ومع حصولهنّ على الدعم والضوء الذي يستحقّونه، لم تقتصر رحلتهنّ على مجرّد الاستمرار والبقاء، بل حقّقنَ نجاحات وتطوّرات مذهلة.

عادةً ما نتحدّث عن أهمية الإرشاد، لكنّنا نادراً ما نتطرق إلى كيفية تأثيره على المرشد نفسه. كيف أثّر استماعك لهؤلاء النساء ودعمك لهنّ على منظورك الخاص للقيادة والنجاح والنمو الشخصي؟

في البداية، دخلت هذه المبادرة وأنا أتساءل كيف يمكنني تقديم المزيد. جعلتني هذه التجربة أدرك أنه كلما كنت في موقع يمنحك التأثير والإمكانيات، وجب عليك استغلال ذلك بالشكل الأمثل. عندما نرى إصرارهنّ وصمودهنّ، نتوقف عن الشكوى وندرك حجم النعم والامتيازات التي نحظى بها. وتبدأ القيادة الحقيقية عندما نفكر في العطاء بدلاً من الأخذ، والتركيز على ما نملكه بدلاً من النقص. هؤلاء النساء اللواتي يبدأنَ من الصفر علّمنني أنّنا نملك أكثر ممّا نظن.

الإرشاد هو عملية تبادلية. نتوقّع أننا نشارك في نقل خبرتنا، لكننا في الحقيقة نتلقى منهنّ ما هو أعظم بكثير.

ومن أكثر اللحظات التي أثّرت فيّ كانت في سينغافورة خلال عشاء جماعي ضمن المبادرة، عندما قدّمت لي Oulimata Sarr وسام HeForShe. وقالت لي: “أنت تستحقّ هذا الوسام لأنّك تدعم المرأة بصدق، والنساء بحاجة لرجال مثلك”. تأثرت كثيراً بهذه اللفتة النابعة من القلب، وأدركت حينها حقيقة هامة: تمكين المرأة لا يمكن أن يحقّق التقدم الكافي دون مشاركة ودعم فعّال من الرجال.

هل تعتقد أن الموهبة موزّعة بالتساوي بين الناس، بينما الفُرص ليست كذلك؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي المسؤولية التي تقع على عاتق المؤسسات والشركات الكبرى والقادة للمساعدة في سد هذه الفجوة؟

في الواقع، لا أعتقد أن الموهبة موزّعة بالتساوي بين الجميع بشكل مطلق. فالناس يولدون بقدرات مختلفة في الموسيقى أو الرياضيات أو الأعمال. لكنّ الفكرة الأساسية هي أنّ الموهبة لا ترتبط بالنوع الاجتماعي إطلاقاً. الفوارق التي نراها بين الرجل والمرأة في مجالات معينة ليست سوى صور نمطية وتحيّزات مجتمعية. الفارق البيولوجي الوحيد هو قدرة المرأة على إنجاب الأطفال، أمّا ما عدا ذلك من مهارات وقيادة فهو متاح للجميع.

ولهذا السبب، تقع على المؤسسات والشركات مسؤولية اتخاذ خطوات استباقية لكسر هذه التحيزات. على سبيل المثال، يسهل على روّاد الأعمال من الرجال الحصول على التمويل مقارنة بالنساء. دورنا هنا هو تسليط الضوء على النساء الرائدات وتقليل المخاطر الاستثمارية المتوقعة حول مشاريعهنّ حتى يتمكّنّ من الازدهار. بدون دعم موجّه، ستظلّ هذه الطاقات مجهولة.

هناك أيضاً التزامات غير متكافئة. فالنساء غالباً ما يحملنَ العبء الأكبر في الرعاية المنزلية والأسرية، ممّا يجعل التوفيق بين العمل والحياة الشخصية أكثر صعوبة ويحتاج إلى بنى تحتية داعمة وتغيير في المفاهيم الثقافية.

أخيراً، بسبب المعتقد السائد مجتمعياً بأنّ الصفات القيادية ذكورية، تعاني الكثير من النساء ممّا يُعرف بـ “متلازمة إثبات الذات” (متلازمة المحتال)، حيث تشكّك المرأة في قدراتها. ولكن بمجرّد أن تدرك أن هذا الشعور ليس نقصاً في كفاءتها وإنما هو مجرّد خوف طبيعي ناتج عن ضغوط البيئة المحيطة، يمكنها تجاوز هذه العقبة وبناء الثقة بالنفس.

عندما تسترجع شريط مسيرتك المهنية في المستقبل، ما الإنجاز الذي ستنظر إليه وتقول: ‘هذا هو الأثر الحقيقي الذي أفتخر به’؟

أولاً، رؤية مبادرة Cartier للنساء تستمرّ وتنمو. قبل 10 سنوات كنت أتساءل عما إذا كانت هذه المبادرة ستستمرّ، ولكن رؤيتها تتوسّع وتثمر مشاريع أخرى مثل جناح المرأة، بل ويتبنّاها خلفائي من الرؤساء التنفيذيين للشركة عبر أربع ولايات متتالية، لهو أكبر دليل على قوة هذا الإرث واستدامته. المبادرة الناجحة هي التي تستمرّ وتكبر بغض النظر عن تغيّر القيادات.

وهل جعل كل هذا منك قائداً أفضل، أم إنساناً أكثر تعاطفاً؟

لست أنا من يحكم على ذلك. القيادة ليست مجرّد صفة شخصية تُولد بها، بل هي عمل يومي مستمرّ ورحلة تعلّم وتجدّد لا تنتهي. لقد علّمتني هذه التجربة أنّ أقل أبعاد القيادة أهمية هو إصدار الأوامر والتعليمات، فالأهم من ذلك هو أن تكون مسؤول الإلهام الأول، وأن تخلق بيئة تولد الطاقة والإيجابية.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، ستتمكّن الآلات ووكلاء الذكاء الاصطناعي من إدارة المهام الروتينية وإعطاء التعليمات بسهولة. لكن إعطاء المعنى، وتحديد الاتجاه، وإظهار التعاطف والرعاية… هذه كلّها أمور إنسانية بحتة. وكلما تولى الذكاء الاصطناعي الجوانب التحليلية، زادت حاجتنا إلى قيادة إنسانية تعتمد على الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفيزياء النفسية، والتاريخ. هذا هو الوقت المناسب للقادة الذي يتمتّعون بالحس الإنساني، لأنّ كلّ ما عدا ذلك ستتولاه الآلات.

آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً