في عالم تُنتج فيه الأشياء بسرعة، وتُنسخ قبل أن نكاد نراها، ثم تختفي قبل أن تترك أثراً، طرح موسم Haute Couture لخريف وشتاء 2026–2027 سؤالاً أصبح نادراً: ما الذي لا يزال يستحق أن تمنحه اليد وقتها؟
لم تكن الإجابة حنيناً إلى زمن كانت فيه الأشياء أبطأ، ولا محاولة لحماية الحِرفة بوصفها بقايا عالم قديم. كانت دفاعاً عن الخيال حين يصبح له هدف؛ خيالاً لا يجمّل الواقع فقط، بل يختبر حدوده، ويعيد فتح الأسئلة التي نحاول إغلاقها عن الجسد، والهوية، والذاكرة، والسلطة، وعن المرأة التي لا تريد أن تُرى كما يتوقعها الآخرون، بل كما تختار أن ترى نفسها.
Haute Couture 2026/2027
في Schiaparelli، اقترب Daniel Roseberry من الجسد إلى درجة ألغت المسافة الآمنة بيننا وبينه. لم يتعامل معه كقاعدة ثابتة تُبنى فوقها الملابس، بل كفكرة قابلة للتشكيك والتحوير. امتدت الأطراف، واضطربت النسب، وظهرت الأسطح اللامعة والتفاصيل التشريحية كأنها تكشف ما يفترض أن يبقى تحت الجلد. لم يعد الجسد واضحاً تماماً: هل هو إنسان، أم منحوتة، أم صورة جديدة نحاول إقناع أنفسنا بأنها طبيعية؟



ولم تكن أكثر اللحظات قوة هي الأكثر ضخامة. أحياناً، اختصر تفصيل صغير الفكرة كلها؛ أقراط بدت كأنها خرجت من الأذن بدلاً من أن تتدلّى منها، وكأن المجوهرات لم تعد شيئاً نختاره لتزيين الجسد، بل امتداداً جديداً له. هنا يصبح التزيّن أقرب إلى التحوّل، ويصبح ما نضيفه إلى أنفسنا قادراً على تغيير الصورة التي نعتقد أنها أصلية.
لم يعد السؤال إذاً: هل هذا جميل؟ بل: ماذا بقي من الجسد الحقيقي بعد أن تعلّمنا تعديله، وتصفيته، وإعادة تقديمه في كل صورة؟ في زمن لا نكتفي فيه بأن نكون، بل نصمّم باستمرار الطريقة التي نبدو بها، أين ينتهي الإنسان، وأين تبدأ النسخة التي صنعها لنفسه؟
أما لدى Dior، فلم يقدّم Jonathan Anderson الأزياء الراقية كحلم يطفو بعيداً عن الحياة، بل كمواجهة بين الجسد والطبيعة والمادة. مستلهماً اللغة النحتية للفنانة Lynda Benglis، طوى القماش وعقده وضغطه وشكّله حتى بدا كأنه يحتفظ بذاكرة اليد التي لمسته. لم تستقر القطع فوق الجسد، بل التصقت بحركته، والتفّت حوله، ونمت منه كما لو أنها تكمل شيئاً بدأه الجسد ولم ينتهِ بعد.



بدت الفساتين كأنها لم تصل إلى شكلها الأخير، وهذا بالتحديد ما منحها حياتها. كانت بين المنحوتة والتضاريس، بين كتلة من القماش وأثر حركة عابرة. لم يكن الهدف تقديم الفستان المثالي، المصقول والمغلق على تفسير واحد، بل الإمساك بلحظة أكثر هشاشة وصدقاً: اللحظة التي تتوقف فيها المادة عن كونها قماشاً، وتتحول إلى شعور يمكن رؤيته.
وفي CHANEL، بدأت الحكاية من ذاكرة Gabrielle Chanel ومن عبارتها المعروفة: «صنعت حياتي لأن حياتي لم تكن تعجبني».
تحمل الجملة في داخلها أكثر من إعلان للاستقلال؛ تحمل اعترافاً بأن الواقع لا يمنحنا دائماً الحياة التي تشبهنا، وأن الخيال قد يكون أول خطوة لتغييرها. ومن هذه الفكرة، بنى Matthieu Blazy عالم Gaby and the Beanstalk، حيث ظهرت سيقان النباتات العملاقة والزهور الضخمة والخامات الناعمة كأنها عناصر من حكاية طفولية، لكن الحكاية نفسها لم تكن بريئة أو سهلة.



كان في هذا العالم شيء مألوف وشيء مقلق في الوقت نفسه. فالحديقة لم تكن مجرد خلفية جميلة، بل مساحة معلّقة بين الذاكرة والواقع، وبين ما نحلم به وما نستطيع فعلاً أن نعيش داخله. أما المرأة، فلم تكن أميرة تنتظر أن تتغيّر حياتها بسبب حدث خارجي، ولم تكن زينة موضوعة داخل المشهد لتكتمل صورته.
كانت تتحرك في الحكاية كما لو أنها هي التي كتبتها. ترتدي الخيال من دون أن يبتلعها، وتحوّله إلى شيء شخصي وعملي ومتصّل بالحياة. هنا لم تعد الحكاية الخرافية وعداً بالنجاة، بل إعلاناً عن قدرة المرأة على بناء واقع بديل حين لا يمنحها الواقع القائم مساحة كافية.
في Balenciaga، عاد Pierpaolo Piccioli إلى اللغة المعمارية التي أسسها Cristóbal Balenciaga؛ الأحجام التي لا تلتصق بالجسد، بل تصنع حوله فراغاً، والقصّات التي لا تتبع خطوطه، بل تقترح له حضوراً جديداً. كان البناء واضحاً في كل قطعة، لا كاستعراض للمهارة، بل كتذكير بأن القماش يمكنه أن يغيّر الطريقة التي يحتل بها الجسد المكان.



لكن العودة إلى الإرث لم تكن محاولة لاستعادته كما كان. لم يتعامل Piccioli مع الماضي كإجابة جاهزة، بل كسؤال لم ينتهِ بعد. أخذ منه الانضباط، والصرامة، وفكرة الحجم الذي يقف مستقلاً عن الجسد، ثم ترك هذه العناصر تتحرك نحو زمن آخر. فالوفاء الحقيقي للتاريخ لا يكون دائماً في الحفاظ عليه من التغيير، بل في منحه القدرة على أن يعيش خارج لحظته الأولى.
كانت الرسالة أكثر عمقاً من مجرد احترام الأرشيف: الماضي الذي لا نسمح له بالتطور يتحول إلى قيد، حتى عندما يكون جميلاً.
لدى Elie Saab، أخذ الخيال صورة أنثوية فخمة ومشبعة بلغة السينما. اجتمعت الريش والأقنعة والتطريزات ودرجات الأحمر العميقة لتصنع نساء بدت كل واحدة منهن كأنها وصلت من مشهد يحمل قصته الخاصة. لكن الرومانسية هنا لم تكن ضعفاً، والجمال لم يكن طلباً للقبول.



لم تظهر المرأة كملهمة صامتة ينتظر منها أن تكون جميلة في عيون شخص آخر. كانت تعرف أنها محط الأنظار، وتدير هذه النظرة بدلاً من أن تخضع لها. الأقنعة لم تُخفِها، بل زادت حضورها غموضاً. والفساتين لم تحوّلها إلى صورة هشة، بل إلى بطلة تدرك أثر دخولها إلى الغرفة.
أصبحت الأنوثة هنا شكلاً من أشكال السيطرة؛ ليست استجابة لنظرة الآخر، بل قدرة على تحديد ما تسمح له بأن يراه.
وفي Zuhair Murad، دخل الخيال حديقة أكثر عتمة. بدت درجات العنابي والفساتين السوداء والتطريزات الشفافة والتفاصيل النباتية وكأنها تنتمي إلى طبيعة تنمو بعيداً عن ضوء النهار. لم تكن الزهور بريئة، ولم تكن الحديقة مكاناً للراحة. كان الجمال فيها جذاباً لأنه يخفي شيئاً، ومقلقاً لأنه لا يكشف نفسه بالكامل.
تحولت الرومانسية إلى إغراء يحمل شيئاً من الخطر، وأصبحت الطبيعة لغة للتعبير عن القوة والرغبة والغموض. لم تكن المرأة زهرة داخل الحديقة، بل بدت كأنها تعرف أسرارها، وربما تكون هي مصدر الخطر فيها.



أما Georges Hobeika، فبنى التوتر من مكان آخر، بين نعومة الخامة وصلابة الشكل. اجتمعت الزهور والدانتيل مع الصدريات المنحوتة والهياكل الدقيقة، كأن الرقة محاصرة داخل بناء صارم، لكنها ترفض أن تبقى ساكنة فيه.
بدت الخامات الناعمة كأنها تحاول الانفلات من حدود القصّة، فيما أعاد البناء احتواءها في كل مرة. ومن هذا الشدّ بين الليونة والانضباط، ظهرت أنوثة لا تقوم على النعومة وحدها، بل على القوة المطلوبة لحمايتها.



لهذا، لم يكن موسم Haute Couture لخريف وشتاء 2026–2027 محاولة للابتعاد عن الواقع، بل وسيلة للنظر إليه من زاوية لا يتيحها الواقع نفسه.
الجسد الذي لم يعد ثابتاً. اليد التي تترك أثرها في المادة. الأرشيف الذي يرفض أن يتحول إلى متحف. الحلم الذي لا ينتظر أن يتحقق، بل يصبح أداة لصناعة حياة مختلفة. والمرأة التي لم تعد تقبل أن تكون شخصية ثانوية داخل حكاية كتبها لها شخص آخر.
كلها عادت إلى السؤال الأول: ماذا تستطيع الأزياء الراقية أن تقول اليوم، بعد أن لم يعد الإبهار وحده كافياً؟
ربما لا تكمن أهميتها في أنها تصنع أجمل الملابس، بل في أنها لا تزال تمنح الوقت لفكرة قد لا تكون عملية، ولا قابلة للنسخ، ولا مصممة كي تُستهلك وتُنسى. فكرة تبدأ من اليد، وتمرّ عبر الجسد والذاكرة والخيال، قبل أن تصبح دليلاً على أن بعض الأشياء لا تزال تستحق أن نصنعها ببطء.
فالأزياء الراقية لا تكتفي بأن تلبسنا للعالم الذي نعرفه، بل تمنحنا للحظة القدرة على تخيّل عالم يستحق أن نبنيه.
اقرئي ايضاً: CHANEL خريف شتاء 2026/2027 Haute Couture: وحكاية الفصل الثاني من Matthieu Blazy








