ما معنى “Inanna”؟
هل هي اسم… أم رمز؟
هل تشير إلى أسطورة قديمة، أم إلى فكرة معاصرة عن القوة؟
ومتى تتحوّل الحكاية من نص يُقرأ، إلى حضور يُرتدى؟
في تاريخ الحضارات القديمة، كانت “Inanna” إلهة مرتبطة بالقوة، والخصب، والسيادة شخصية تجمع بين التناقضات، وتختصر فكرة أن الأنوثة ليست حالة واحدة، بل تعدّد في المعنى. لكن في سياق اليوم، لا تُستعاد “Inanna” كمرجع تاريخي فقط، بل كمدخل لسؤال أوسع: كيف يمكن إعادة تعريف السيادة الأنثوية بلغة معاصرة؟
من هذا السؤال تحديداً، انطلقت Inanna Reborn ليس كعلامة أزياء فحسب، بل كامتداد لمسار بحثي وفكري أعمق. كما توضّح الشيخة بدور القاسمي، لم تكن الفكرة مشروعاً منفصلاً، بل نتيجة تراكم بدأ من البحث في تاريخ الملكات والسرديات التي غابت مع الوقت، قبل أن تتحوّل هذه المعرفة إلى شكل آخر من التعبير، أقرب إلى التجربة الحيّة.
مقابلة مع سمو الشيخة بدور القاسمي«Inanna Reborn»…
١. سموّك، هل كان الكتاب هو نقطة البداية التي قادت إلى «إنانا»، أم أن كليهما وُلد من سؤال واحد تبحثين عن إجابته بطريقتين مختلفتين؟
كان كتاب «أخبروهم أنها هنا» هو الشرارة الأولى، لكنه لم يكن مشروعاً منفصلاً بقدر ما شكّل بداية لمسار أوسع. خلال مراحل العمل عليه، كرّستُ جهدي للغوص في تاريخ ملكات المنطقة والسرديات التي هُمِّشت مع مرور الوقت، ليس بهدف توثيقها فحسب، بل لفهم معنى السيادة الأنثوية وكيف يمكن استحضارها اليوم.
لم يكن التحوّل لحظة واحدة، بل جاء نتيجة تراكم؛ إذ انتقلت هذه القصص تدريجياً من مادة معرفية إلى حضور يستدعي شكلاً آخر من التعبير. وأصبح واضحاً أن هذا الإرث لا يكتمل حبيساً في النص، بل يحتاج إلى أن يُعاش ويُرتدى.
من هنا جاءت «إنانا» امتداداً طبيعياً، حيث تحوّلت المعرفة إلى لغة تصميم تتجاوز الأزياء كونها زينةً لتصبح ذاكرةً وتحولاً، وهو ما نسمّيه «الفخامة الأسطورية» Mythic Luxury؛ قناعة بأن القوة لم تختفِ يوماً، بل كانت دائماً حاضرة تنتظر أن تُستعاد.
٢. في كتابكِ «أخبروهم أنها هنا»، تعيدين تقديم شخصيات نسائية تاريخية إلى الواجهة. ماذا أضاف لكِ التعبير من خلال الأزياء مقارنةً بالكتابة، وكيف تتحول هذه الشخصيات إلى تصاميم؟
الكتابة كانت فضاءً للتفسير والتحليل؛ مساحة لفهم هذه الشخصيات وإعادة تقديمها ضمن سياقها التاريخي. أما الأزياء، فأتاحت شيئاً مختلفاً تماماً، وهو القدرة على الاقتراب من هذه الشخصيات بشكل مباشر وفوري، دون وساطة الكلمة.
ينطلق هذا التحويل دائماً من المعنى أولاً. عند العمل على شخصيات كـ«زنوبيا» و«بلقيس» و«ماوية» و«شمس» و«أبيئيل»، يبدأ التصميم من فهم ما تمثّله كل شخصية سيادةً أو صموداً أو قوةً ليُترجم إلى خطوط وقماش وتفاصيل. بهذا المنطق، لا ينفصل الشكل عن الفكرة، بل ينبثق منها، وتغدو كل قطعة امتداداً للشخصية لا مجرد استلهامٍ منها.
كما أتاح العمل مع الحِرف التقليدية إضافة بُعد أعمق، إذ تصبح التقنيات المتوارثة جزءاً من السرد نفسه لا مجرد عنصر جمالي، فيتجاوز التعبير حدود الكتابة ليلامس المرأة بشكل مباشر.
٣. تقدّمين مفهوم رفاه قائم على المعنى والسرد لا على الصورة وحدها. هل ترين أن الجمهور اليوم بات مستعداً لهذا النوع من العلاقة العميقة مع الأزياء؟
نشهد اليوم تحوّلاً واضحاً في طريقة تفاعل الجمهور مع الأزياء، إذ يتّجه الاهتمام إلى ما يتجاوز الشكل والاتجاهات العابرة، ليشمل البحث عن ارتباط أعمق وعلاقة أكثر وعياً بما يُرتدى.
في «إنانا»، تأخذ القطعة بُعداً يتخطّى مظهرها البصري لتترك أثراً في من يرتديها. هذا ما نعنيه حين نقول «حيث يتزيّن الحب بالقوة»؛ إذ تتحول الأزياء إلى وسيلة تعبير عن القوة الداخلية بقدر حضورها الخارجي، وتُقدَّم القطعة كامتداد لفكرة ترتبط بالهوية والذاكرة لا كمنتج سريع الاستهلاك.
المرأة اليوم تبحث عمّا يعكس حضورها الداخلي ويتّصل بسياقها الحضاري. وتعكس العودة إلى الحِرفة والمواد الطبيعية كالكتان والقطن والصوف رغبةً حقيقية في التواصل مع ما هو أكثر أصالةً واستمرارية. هذا الإدراك هو ما يجعل «إنانا» ممكنة.
٤. تحويل البحث الشخصي إلى مشروع بصري يحمل درجة من الانكشاف. هل تنظرين إلى «إنانا» كمشروع مكتمل، أم كبداية لمسار أطول؟
يحمل هذا المشروع بطبيعته بُعداً شخصياً، إذ بدأ من بحث استقصائي ارتبط بأسئلة جوهرية حول الجذور والانتماء. ومع تطوّره، اتّسعت هذه المساحة لتتجاوز حدود التجربة الفردية، بحيث يجد فيها الآخرون أنفسهم وقصصهم.
لذلك، لا أراها مشروعاً مكتملاً، بل بداية لمسار متجدد. في جوهرها، تُجسّد «إنانا» إحياءً للذاكرة الجماعية من خلال استحضار إرث الملكات وتحويله إلى لغة معاصرة تعكس الحاضر دون أن تنفصل عن جذورها. وهذا ما يمنحها طابعها المفتوح.
٥. في «إنانا»، لا تبدو القطعة مجرد تصميم، بل حاملة لمعنى. كيف تحدّدين الحدّ الفاصل بين الرمز الجمالي والمعنى الثقافي حتى لا يطغى أحدهما على الآخر؟
لا أنطلق من سؤال «ما الذي يبدو جميلاً؟» بل من سؤال «ما الذي تقوله هذه القطعة؟». في «إنانا»، يبدأ كل قرار تصميمي من مرجعية ثقافية واضحة، ثم يأتي الجمال لاحقاً بوصفه اللغة التي تُوصل هذه المرجعية، لا الهدف في حد ذاته.
العنصر الجمالي يفتح باب التواصل، بينما يمنح الإرث الثقافي هذا التفاعل عمقاً واستمرارية. لذلك، لا تُحمَّل القطعة رمزية مباشرة أو زائدة، بل تُبنى تفاصيلها بطريقة تتيح حضور الأثر الثقافي بانسيابية وهدوء، بحيث لا تشعر من ترتديها بأنها تحمل شرحاً، بل تحمل روحاً.
٦.في ظل الاهتمام العالمي المتزايد بالهوية الثقافية، كيف ترين موقع «إنانا» ضمن هذا الحوار؟
تحمل «إنانا» مرجعية حضارية عميقة الجذور، وتضع سرديات الملكات العربيات في قلب المشهد العالمي بلغتها الخاصة.
ما يميّزها هو أنها لا تُقدّم المنطقة كمصدر إلهام جمالي للآخرين، بل كحضارة لها لغتها ومنطقها وسردياتها. هذه السرديات لم تُروَ كما تستحق، و«إنانا» تضعها اليوم أمام العالم دون أن تتنازل عن خصوصيتها.
كما تتقاطع مع تحوّل عالمي نحو رفاه واعٍ يرتبط بالمعنى بقدر ارتباطه بالمظهر، وهذا ما يمنحها حضورها اليوم.
٨. ما الذي تحمله المرحلة المقبلة لـ«إنانا»؟ وهل سيتوسّع المشروع إلى مجالات أخرى؟
الأزياء كانت نقطة الدخول، لكنها ليست الحدّ النهائي. الفكرة تقوم على بناء تجربة متكاملة تجمع بين السردية والتصميم وما تحمله القطعة من دلالات.
اليوم، يتجلّى هذا التوسّع في المجوهرات المستوحاة من رموز الملكات والعملات القديمة، والعطور والبخور التي تستحضر الذاكرة، وتجارب أسلوب حياة متكاملة تحمل فلسفة «إنانا» خارج حدود الأزياء.
ومع هذا التوسّع، تظلّ «إنانا» منطلقةً من الفكرة ذاتها: استعادة المعنى وإعادة صياغته بما يواكب الحاضر، كمسار تقوده الذاكرة وتُضيء طريقه الملكات.
اقرئي ايضاً: Inanna Reborn تكشف عن أولى مجموعاتها بالتعاون مع BYREDO و Dr. Barbara Sturm









