لطالما كانت Sym Farra مولعة بالتصميم منذ نعومة أظفارها، وقد صقلت نشأتها في مدنٍ مختلفة، وسط مجموعات والديها من التحف والمقتنيات، رؤيتها الفنّية في وقت مبكر. تتذكّر طفولتها حين كانت تستمتع بإعادة ترتيب أثاث غرفتها باستمرار، مستكشفةً كيف يتغيّر إحساسها بالمكان مع كلّ تغيير. وذات مرة، قرّرت طلاء سقف غرفتها باللون الأزرق الداكن وزيّنته بنجوم تضيء في الظلام، لتخلق لنفسها سماءً ليلية خاصة! كما كانت تجمع الأصداف البحرية وتنظّمها بعناية. وبالنظر إلى الماضي، تبدو تلك الطقوس الصغيرة وكأنها تجارب أولية في تصميم الأجواء والمواد والتركيبات؛ وهي النسخة الأولى لما تبرع فيه اليوم. وقد لعب منزل جدّتها لأبيها في بيروت، المليء بلمسات التصميم الإيطالي من منتصف القرن الماضي، دوراً جوهرياً في تشكيل حدسها الفنّي وتقديرها لتلك الحقبة. وبعد دراستها وتدريبها في ميلانو، حيث عملت مع كبار المصمّمين أمثال Piero Lissoni و Ernesto Gismondi و Andrea Branzi، أسّست Sym Farra Studio عام 2018. وبعد انتقالها إلى دبي، شعرت بنوع من الانفصال بين طاقة المدينة الحيوية والتصاميم الداخلية السائدة آنذاك. فكانت معظم المساحات راقية لكن محايدة وحذرة جداً. فأرادت تقديم شيء مختلف تماماً: مساحات غنيّة بالطبقات، تعبيرية، وشخصية. وتحوّل منزلها الخاصّ إلى ما يشبه منصّة الانطلاق، حيث بدأ الأصدقاء الذين يزورونها بطلب مساعدتها في مشاريعهم الخاصّة. وعلى مرّ السنين، تطوّر الاستوديو بشكل طبيعي، لابتكار تصاميم داخلية ذات جوهر، تحتفي بالأحاسيس، والتنوّع، وشخصية أؤلئك الذين يسكنون هذه المساحات. رافقينا في ما يلي لنكتشف منزلها المذهل في دبي!
التصوير: Maximilian Gower
ما هي الجوانب المشتركة بين التصميم الداخلي لمنزلك وهويّة Sym Farra Studio؟
يتميّز التصميم الداخلي لمنزلنا بالحداثة والانتقائية، وهو مليء بالتناقضات ولمسات الألوان الحيوية. أحبّ دائماً أن أدمج مراجع ثقافية من ذاكرتنا الجماعية ومن مختلف الأماكن التي عشتُ فيها. المساحات غنيّة بالطبقات والغرف مليئة بالتفاصيل التعبيرية، حيث استخدمت مواد متنوّعة وقطعاً مصمّمة خصيصاً؛ ولكنّها أيضاً تستند إلى التفكير المنطقي، ولا يتمّ المساومة أبداً على الجانب الوظيفي. فيجب أن تؤدّي المساحة دورها أولاً، ثم تعبّر وتعكس أسلوبها. أمّا علامتي التجارية، فهي تتمحور حول ابتكار مساحات مفعمة بالعواطف، تبدو سينمائية وغامضة بعض الشيء؛ حيث الإضاءة الخافتة، وتعدّد التركيبات والأثاث الذي يبدو أحياناً كأنه يحمل بصمات الماضي. في مشاريعي، أمزج أيضاً بين المراجع التاريخية والأشكال المعاصرة، لتتّسم المساحات بالأصالة والحداثة في الوقت نفسه. وغالباً ما تبرز لمسة مرحة أو غير متوقّعة في التصميم، ممّا يمنع تصاميمي الداخلية من أن تبدو جادّة جداً ويجعلها بدلاً من ذلك تبدو شخصية بامتياز، ومفعمة بالأجواء الجميلة.
هلّا تطلعينا على خطوات اختيار الأثاث والإكسسوارات والقطع الفنّية لهذا المنزل؟ وهل كان هناك معيار موحّد لخياراتك؟
يعتمد أسلوبي في العمل بشكل أساسي على الحدس؛ فأنا أعشق تلك القطع اليومية التي تروي قصصاً وتحمل تاريخاً. لقد كنت أجمع القطع الفنّية لسنوات طويلة، وأستمتع حقاً بهذه العملية. أنا أعتزّ بالقطع التي تذكّرني بمكان ما، أو زمن مضى، أو رحلة قمتُ بها؛ فالقطع الجميلة تمتلك هذه القوة المميّزة. لذا، كان اختيار الأثاث والإكسسوارات والقطع الفنّية لمنزلنا مرتبطاً بسرد القصص. فكلّ قطعة تعمل كأنها شخصية تخلق حواراً مع المكان والضوء والهندسة. لقد مزجتُ بين القطع العصرية والعتيقة، وبين اللّمسات المرحة والراقية، واستكشفتُ تنوّع المواد والأحجام والألوان للوصول إلى هذا التصميم الانتقائي. لم يكن هناك كتاب قواعد صارم أتّبعه؛ فالراحة والجانب الوظيفي يتعايشان جنباً إلى جنب مع الجمال. وقبل كل شيء، أردنا منزلاً تدعو فيه كلّ زاوية إلى التواصل.
ما هي النصيحة التي تقدّمينها عادةً لعملائك والتي طبّقتها في هذا المنزل؟
هناك نصيحة أردّدها دائماً لعملائي، وهي أن يدعوا منازلهم تروي قصّتهم الخاصّة. فيجب ألّا يبدو المنزل كأنه صالة عرض أو غرفة فندق، بل أن يمنحك شعوراً بأنه مأهول ونابض بالحياة. منزلك هو بمثابة خشبة المسرح الخاصّة بك، والمكان الوحيد الذي تلعبين فيه دور البطولة! لذا، لا بد أن يكون انعكاساً لشخصيتك وجوهرك. وفي هذا المنزل، قمت بدمج طبقات من القطع التي تعبّر عنّا؛ حيث مزجتُ بين حقبات زمنية مختلفة وأنسجة تحفّز على اللمس، بالإضافة إلى تفاصيل تشعل الفضول. لقد أردنا لمنزلنا أن يكون شخصياً وحميماً، حيث ترحّب بك كل زاوية فيه بهدوء.
كيف تنعكس شخصيتك في التصميم الداخلي لهذا المنزل؟
أنا أفضّل الأشياء الكلاسيكية؛ وبحكم عيشي في أماكن متنوّعة بين باريس، لبنان، كندا، المملكة المتحدة، وإيطاليا، أنا أحمل في داخلي قطعة من كلّ مكان منها. وفي هذا المنزل، مزجتُ بين القطع العتيقة والمعاصرة، وهو ما أضفى على المكان بعداً أكثر عمقاً. أنا لا أتبع الصيحات الرائجة بل أفضّل بناء عوالم جميلة يغلّفها الحنين، لكن يصعب حصرها في إطار زمنيّ محدّد. أجد أن التصاميم تصبح عابرة للزمن أكثر بهذا الأسلوب. وبالنسبة لي، الفخامة تنبع من الإحساس والحرفية والجوهر، لا من مجرّد البريق واللمعان.
هل هناك عناصر في التصميم الداخلي للمنزل تعبّر عن ثقافتك وتقاليدك؟
تُعد الطقوس عنصراً أساسياً في طريقتي لتصميم أي منزل. فطريقة التحرّك داخل المساحة، وطريقة استخدامها اليومي، وكيفية تحديد اللحظات العامّة والخاصّة، كلّها عوامل تشكّل الرؤية النهائية.
عندما استلمنا الشقّة، كانت عبارة عن لوحة بيضاء بدون أي مرجعيّات قويّة، ممّا أتاح لنا إعادة تخيّل المخطّط بالكامل منذ البداية. ركّزت القرارات المعمارية الأولى على إعادة تعريف المناطق: حيث فتحنا مساحات المعيشة، وجعلنا المطبخ مغلقاً، وخلقنا انتقالات أكثر وضوحاً بين المساحات العامّة والخاصّة. في المخطّط الأصلي، كان المطبخ يقع في منتصف غرفة المعيشة، ممّا يتطلب التنقّل عبر المناطق المشتركة، لذا أعدنا تصميم المساحة لتناسب عاداتنا الثقافية التي تولي أهمّية خاصّة للخصوصيّة والتجمّع. وهناك عناصر ترتبط مباشرة بهذه الطقوس؛ مثل الركن المخفي الذي يعكس طقوسنا اليومية في إعداد القهوة واستضافة الضيوف. كما يلعب الضوء الطبيعي دوراً محورياً، حيث قمنا برفع مستوى النوافذ في جميع أنحاء الشقة لتعزيز الاتصال بين الداخل والخارج. هذه العلاقة مع الضوء والنباتات والطبيعة هي أمر شخصيّ جداً ومرتبط بطفولتي، وهي لا تزال تشكّل الطريقة التي نختبر بها مساحاتنا.
ما هي قطع الأثاث أو الأعمال الفنّية المفضّلة لديك في هذا المنزل، ولماذا؟
بعض القطع المفضّلة لديّ هي: الأعمال الفنّية بتوقيع شفيق عبّود وهيلين الخال، فرغم أنّها أعمال تجريدية، إلّا أنها تفيض بالمشاعر وتذكّرني بالوطن. كرسي عتيق من تصميم Afra و Tobia، فأعشق التفاصيل في تصاميمهما الهندسية، وهو ما يظهر بوضوح في كرسي Soriana. هو موجود في غرفة نومي، ممّا يتيح لي تأمّله باستمرار! خزانة من Fornasetti تظهر مدينة القدس؛ كنت وزوجي في ميلانو، وكان من حسن حظّنا أن أحد العملاء ألغى طلبه، وبما أن قوائم الانتظار لهذه القطع طويلة جداً، فقد حالفنا الحظّ! ثريا عتيقة ونادرة من تصميم Pierre Guariche عثرتُ عليها في سوق Naviglio في ميلانو، وهي معلّقة الآن فوق طاولة المطبخ. مصباح أرضي من Bomma يشبه بالون هيليوم منفوخاً بشكل دائم. هو يضفي طاقة إيجابية على المكان، وأحبّ الطريقة التي ينعكس بها الضوء من خلاله في أي وقت من اليوم. منحوتة زجاجية للفنّان بشير بوصندل، اشتريتها مؤخراً من معرض صديقتي مليحة طبري؛ وأحبّ الرسالة الإيجابية التي تحملها أعماله.
هل يمكنك مشاركتنا ذكرى خاصّة من مرحلة تنسيق ديكور منزلك الداخلي؟
كانت زيارة المشاتل المختلفة واختيار النباتات والأشجار جزءاً ملهماً ومؤثراً جداً في هذه العملية. أردتُ أن تكون المساحات الخضراء غنيّة وكثيفة، مع الحفاظ على صلتها بالثقافات التي يعكسها المنزل من الداخل. لا أنسى أبداً تلك اللحظة المؤثّرة حين رأيتُ أشجار الزيتون توضع أخيراً في مكانها المخصّص بعد شهور من التخطيط؛ فكلّ شجرة منها تزن مئات الكيلوغرامات، وكان المنظر خيالياً.
كيف تودّين لمن يزورك أن يشعر داخل هذا المكان؟
أريد أن يشعر الزوّار بالراحة التامّة والترحيب الصادق، لدرجة تجعلهم يبطئون من سرعتهم ويختبرون المكان بعفوية؛ وكأنّ المساحة ذاتها تدعوهم للبقاء وقتاً أطول، والمشاركة في طقوسها اليومية.
ما الذي يجعل من هذا المكان منزلاً نابضاً بالحياة بالنسبة لك؟
ينبض هذا المنزل بالحياة من خلال تفاصيله الفريدة وشخصية سكّانه؛ حيث تتّحد المواد المختارة بعناية مثل الخشب والرخام والمعادن والأقمشة، لتخلق ثراءً ملموساً وحيوياً، وحيث يلعب التصميم والإضاءة دوراً جوهرياً في تحديد المشاعر، والارتقاء بالروح، وتوجيه إيقاع الحياة اليومية بكلّ هدوء.
1/12

1
2/12

2
3/12

3
4/12

4
5/12

5
6/12

6
7/12

7
8/12

8
9/12

9
10/12

10
11/12

11
12/12

12








