بدأت مها نصرالله بالرسم منذ طفولتها إلّا أنّ طريقها للفنّ لم يكن مستقيماً! أحبّت الرياضيّات والفنون على حدّ سواء وعاشت خبرات مختلفة من الهندسة والعمل على المشاريع البيئيّة إلى الرسم وثمّ الخزف قبل أن تعتبر نفسها فنّانة! وشاركت في معارض عدّة في لبنان والسعوديّة والولايات المتحدّة إلى أن استقرّت في كندا بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020. مراحل متعدّدة عاشتها مها تشاركنا إيّاها في ما يلي. فنتعلّم منها أنّ تحويل شغفنا إلى حقيقة ليس له حدود، وأنّ الإتّجاهات المختلفة التي يمكن أن تأخذها مسيرتنا ستصبّ في تنميتها وتنميتنا، وأنّ الإلهام يمكن أن يكون عبر أمور لا تخطر على بالنا!

NEUF architect.e.s
أحبّت مها نصرالله الرسم منذ نعومة أظافرها وقد لاحظت والدتها الأديبة اللبنانيّة والعالميّة املي نصرالله هذا الأمر. فطلبت منها للمرّة الأولى حين كانت في الرابعة عشر من العمر أن تقوم بالرسوم الداخليّة لكتاب "الباهرة" قبل أن تنشره. واستمرّ ذلك لمدّة طويلة، حيث رسمت مها غلافات كتب والدتها بالإضافة إلى رسومات بالأسود والأبيض ترافق القصص القصيرة التي نشرتها في المجلاّت.
وعندما حان وقت التحاقها بالجامعة كانت كليّة الفنون في الجامعة الأميركيّة في بيروت قد أغلقت أبوابها. ولم تكن دراسة الفنّ مقنعة لوالدَيها فاضطرّت إلى اختيار اختصاص آخر. وبما أنّها كانت تجيد الرياضيّات إلى جانب الفنّ، درست الهندسة المعماريّة. و لدى تخرّجها في العام 1983، كان التحاقها بفرقة كركلا الأمر الأوّل الذي قامت به. حيث سافرت معهم إلى الجزائر وشكّلت لها خبرة الرقص على المسرح ذكرى جميلة جدّاً! ولكن لدى عودتها انضمّت إلى شركة هدفت في حينها إلى إعادة إعمار وسط بيروت لأهميّة هذا الأمر بالنسبة إليها. وقد استمرّت مها بالعمل في مجال الهندسة إلى أن افتتحت عام 2002 مكتبها الخاصّ. حيث بدأت بالعمل على المشاريع البيئيّة التي اعتبرتها أهمّ من المباني التجاريّة. ومن أبرز هذه المشاريع Casa Batroun في شمال لبنان الذي كان مشروعاً ناجحاً ربح جوائز عدّة.

الحدث الفاصل: متحف MACAM
وفي خلال عملها في الهندسة، طوّرت مها مهارتها بالرسم بشكلٍ دائم. وفيما تنبهّت أنّ البيوت القديمة تُنسى في بيروت بعد هدمها، شعرت بجاذبيّة وحنين لها وقرّرت أن تقوم بأمر في هذا السياق. فراحت تتجوّل كلّ يوم في شوارع بيروت لمدّة ساعة لتجلس أمام البيوت القديمة المهجورة وترسمها عبر تقنيّة الـUrban Sketching إلى أن جمعت 120 رسم. وبعدها شاركت في معرض مع Plan BEY بعد تواصلها مع القيّمين عليه طوني صفير وكرمى طعمة. حيث عرضا نسخ عن هذه الرسومات، قبل أن تُنشر في كتاب عام 2021 تحت اسم Beirut Urban Ruins.

إقرئي ايضاً: المحيط هو حليفنا الاكبر لمكافحة التغير المناخي
وجنباً إلى جنب مع الرسم بدأت مها أيضاً منذ عام 2010 بممارسة هواية لطالما أرادت أن تقوم بها وهي صناعة الفخّار. فالتحقت بمدرسة في بيروت تديرها نتالي خيّاط وتعلّمت خلال فترة قصيرة على هذه الحرفة. وفي ذلك الحين، كان صديق لها يدعى رمزي سلمان ينشئ ضيعة نموذجيّة بيئيّة في منطقة بعقلين في لبنان محورها الحرف. فعرضت عليه مها أن يبدأ مع حرفة الخزف، فأنشآ مشغلاً هناك وبدأت تتمرّن في هذه القرية التي تحمل اسم بكرزاي. وعام 2017 شاركت في مسابقة Age of Ceramics في متحف "MACAM" الذي يديره سيزار نمّور وغابريلا شوب. وخلال الإفتتاح، تبيّن أنّها ربحت الجائزة الأولى. وقد تفاجأت حيث كانت هذه محاولتها الأولى للدخول كفنّانة إلى عالم الفنّ والخزف. فشعرت أنّ ذلك سيساعدها على النّظر لنفسها كفنّانة إذ كانت الهندسة في ما مضى العمل الثابت في حياتها. وبعد هذه التجربة دعتها راعية الفنون مايا خليل للمشاركة في معرض "أثرر" في جدّة السعوديّة. فحضّرت عملاً ضخماً من الفخّار يبلغ 4*2 متر. وكانت هذه تجربة محوريّة جدّاً في مسيرتها، بما أنّه عملها الأوّل خارج لبنان. ثمّ في العام 2018 قدّمت عملاً آخر من الفخّار عرض في Salon d’Automne في متحف سرسق. وهكذا شيئاً فشيئاً شعرت أنّها تستطيع ممارسة الفنّ بشكل جديّ أكثر وأنّ هذا الأمر يمكن أن يكون مسيرة جديدة لها.

الطريق ليس مستقيماً
خلال عمل المهندسة المعماريّة على تبويب أرشيف والدتها الراحلة ونقله إلى منصّة رقميّة في إطار جمعيّة "بيت طيور أيلول" التي كانت قد أسّستها والدتها في المنزل الذي تربّت فيه جنوب لبنان، فهمت مها أنّ طريقها للفنّ لم يكن يوماً مستقيماً فقد غذّت كلّ الأمور التي قامت بها مسيرتها ونمّتها أو أعطتها اتّجاهاً مختلفاً. حيث فتح لها العمل على هذا الأرشيف آفاقاً جديدة وبدأت ترى الأمور بطريقة مختلفة.
وكان انتقالها مع عائلتها إلى كندا بعد انفجار مرفأ بيروت من الأمور التي أثبتت لها أيضاً أنّ الطريق غير مستقيم. فعام 2022 تردّدت بالمشاركة في معرض Middle East Institute في Washington DC فلم يكن لديها الأدوات للقيام بعمل فنيّ خزفيّ. ولكن بعد التفكير تذكّرت أنّ هناك قطعة قماش بدأت باستخدامها في تنشيف الغسيل منذ وصولها إلى كندا وأنّها في كلّ مرّة بعد استعمالها كانت تضعها جانباً من دون أن تعلم السبب. وهكذا انتهى بها الأمر بتطريز قصّة تغرّبها مع عائلتها من لبنان إلى كندا على 21 قطعة من هذا القماش في عمل فنيّ زيّن المعرض!

وقد عاشت مها مؤخّراً تجربة أخرى في عملها في شركة هندسة في كندا أثبتت لها من جديد أنّ ممارسة الشغف يمكن أن يأخذ اتّجاهات متعدّدة. فبعد أن سألها أحد الشبّان العاملين معها بما يخصّ رسوماتها على منصّة انستجرام، دعته للرسم معها قبل أن يصل عدد الراغبين في الرسم إلى 40 شخصاً! وكان أمرأً جميلاً حيث استطاعت إدخال هذا الشغف إلى حياتها الجديدة ومشاركة أشخاص آخرين به والتعرّف إليهم من خلاله!
إقرئي أيضاً: 100 مليون دولار من .Tiffany & Co للحفاظ على البيئة!
قصّة نتعلّم منها الكثير… فما من ظروف تمنعنا عن الإستمتاع بشغفنا طالما لدينا الرغبة والإرادة حتّى ولو لم يكُن الطريق مستقيماً!








