في الإمارات العربية المتّحدة، “الوطن” ليس حكراً على الجغرافيا أو الجنسية، بل أصبح تجربة إنسانيّة تُبنى عبر السنوات والعلاقات والذكريات. بالنسبة لكثير من المقيمات اللواتي اخترن الإمارات موطناً لهنّ، يتجسّد الانتماء في تفاصيل الحياة اليوميّة، وفي الشعور بالأمان، والاستقرار، وإمكانيّة تحقيق الذات. في هذا السياق، نسلّط الضوء على خبرة الرائدان ميرنا وديما عياد اللتان تعيشان في الإمارات منذ سنوات طويلة. حيث تتحدّثان إلينا عن معنى الانتماء لهذا الوطن، وتشاركانا رسائل تحمل الأمل في ظلّ التحديات التي تشهدها المنطقة اليوم.

Myrna Ayad: “إنّ ما يجعل الإمارات وطناً حقيقياً هو انفتاح مجتمعها.”
على مدى أكثر من عقدين من الزمن، كرّست ميرنا عياد مسيرتها المهنية للكتابة والتحرير، والمساهمة في الكثير من الكتب والمجلّات والصحف اليومية، مسلّطةً الضوء على الفنون البصرية والثقافة. كما يبرز اسمها كمتحدّثة، وعضو لجنة تحكيم، ومحاورة في الجلسات النقاشية، وبصفتها مستشارة ثقافية مستقلّة. وهي تقيم في دولة الإمارات منذ أكثر من أربعة عقود.
بالنسبة إلى ميرنا عياد، الإمارات هي الوطن. فتخبرنا قائلة: “وصلت عائلتي إلى هنا عام 1982، وكنّا نظّن حينها أنّ إقامتنا ستكون موقّتة، لكنّها تحوّلت إلى المكان الذي أعدنا فيه بناء حياتنا من جديد. هنا نشأت، تعلّمت، كوّنت صداقات العمر، والتقيت زوجي وأسسنا عائلتنا الرائعة، ووجدت في النهاية مساري المهني.” وتضيف قائلة: “إنّ ما يجعل الإمارات وطناً حقيقياً هو انفتاح مجتمعها. فقد نشأت محاطةً بثقافات متنوّعة من العالم العربي، وإيران، وتركيا، وجنوب آسيا، وغيرها. هذا التنوّع هو ما شكّل رؤيتي للعالم، وغذّى فضولي تجاه تاريخ المنطقة وفنّها وثقافتها. أشعر من نواحٍ كثيرة أنني كبرت مع البلد نفسه، وراقبت تحوّله المذهل إلى مركز عالمي للثقافة والأفكار والفرص. هذه الرحلة المشتركة هي جوهر شعوري بالانتماء لهذا الوطن.”
وفي ظلّ الظروف الراهنة، توجّه ميرنا عياد هذه الرسالة، قائلة: “تذكّرنا أوقات عدم الاستقرار بأهمية المرونة والرؤية المستقبلية. ومن الدروس التي تعلّمتها مبكراً من عائلتي ومن الحياة نفسها، هي ألّا ينسى الإنسان هويّته وجذوره أبداً. رسالتي اليوم هي التمسّك بالإيمان؛ الإيمان بالله، وبالخير، وبقوة المجتمع المتماسك. لقد كانت الإمارات دائماً مكاناً يجتمع فيه الناس من خلفيات متنوعة لبناء شيء قيّم. إن روح التعايش والاحترام المتبادل هي واحدة من أعظم نقاط القوة في هذا الوطن، وهي إرث يستحق منّا الحماية والرعاية. وقبل كلّ شيء، أحاول دائماً تذكير نفسي بالامتنان؛ فالعيش في مكان يوفّر الاستقرار والفرص والأمان هو أمر لا ينبغي الاستهانة به.”
Dima Ayad: “الإمارات ليست مجرّد موقع أعيش فيه، بل هي المساحة التي توجد فيها فصول قصتي بأكملها.”
تجمع المصمّمة اللبنانية المقيمة في دبي، ديما عياد، بين الرقيّ العصري والأسلوب العابر للزمن. وقد أسّست علامتها التي تحمل اسمها في عام 2010، حيث تبتكر تصاميم تجمع بين الأناقة والراحة، لتكون الخيار الأمثل للمناسبات الخاصة. تُعَد علامة Dima Ayad مرادفاً لمفهوم الشمولية؛ فهي تحتفي بالمرأة بجميع أشكالها وقوامها.
“الوطن بالنسبة إليّ هو شعور بالانتماء صاغته كلّ لحظة حدّدت هويّتي. هو ذاك الشعور بالأمان؛ والمكان الذي يمكنك الاعتماد عليه وأنت تدركين تماماً أنّك ستكونين بخير، مهما كانت الظروف”، تؤكّد ديما عياد في بداية حديثها معنا. وتتابع: “في دولة الإمارات، تسكُن كلّ ذكرياتي، من طفولتي والأوقات التي قضيتها مع شقيقتي ووالدتي وعائلتي، إلى تلك الذكريات اليومية البسيطة التي تبقى معنا للأبد. هنا بدأت رحلتي الدراسية، وهنا نضجت في سنوات الجامعة، وعشت الكثير من تجاربي الأولى، فشكّل هذا المكان شخصيتي الحالية. كلّ فصل في حياتي، وكلّ محطة فارقة، وكلّ تجربة صقلت هويّتي اليوم بدأت من هنا.” وتؤكّد المصمّمة اللبنانيّة: “هذا ما يجعل من هذا المكان وطناً لي؛ فهو ليس مجرّد موقع أعيش فيه، بل هو المساحة التي توجد فيها فصول قصتي بأكملها. وبعيداً عن الجانب الشخصي، تمنحك الإمارات الفرصة للتطور الدائم. إنّه المكان الذي يشرّع لك أبواب البناء والنمو، ويجعلك تؤمنين بأنّ ما قد يبدو مستحيلاً في أي مكان آخر، هو أمر ممكن هنا.”
وتختتم بهذه الرسالة: “رسالتي اليوم هي دعوة للتكاتف والمسؤوليّة المشتركة: في لحظات الشدّة، تماماً كما في لحظات الانجازات العظيمة، ما يحدّد هويّتنا حقاً هو كيف نقف معاً. ففي هذه الوحدة تتجسّد القوة الكامنة لهذه الأمّة. لقد منحتنا الإمارات الكثير على مدار السنين؛ منحتنا الفرص، والاستقرار، والقدرة على التأسيس والنموّ. وأعتقد أنّه من المهمّ لكلّ شخص منّا ألّا ينسى هذا أبداً. إنّنا نحمل على عاتقنا مسؤولية الحضور الفاعل، والمساهمة، والوقوف صفاً واحداً بأسلوب يعكس قيم المكان الذي نعتبره وطناً لنا. ففي نهاية المطاف، هذه الروح الجماعيّة هي التي تستمرّ في صياغة ما تمثّله هذه الدولة لنا جميعاً.”








