مفهوم الشمولية كمسؤولية مع نهال الصالح

مفهوم الشمولية كمسؤولية مع نهال الصالح
27 مارس 2026 إعداد: أرزة نخلة

نجحت نهال الصالح في خلق مساحة مجتمعيّة ترتكز على مفهوم الانتماء بعيداً عن التصنيفات من خلال تأسيس “ملتقى مهارات الحياة” (Life Skills Hub)  في قطر. فمن وحي تجربتها كأمّ لأربعة أطفال، تتحدّى الأفكار التقليدية حول الدعم والقدرات, حيث يركّز عملها على التواصل الاجتماعي والاستقلالية والمشاركة الفاعلة في العالم الحقيقي. ومن خلال الشراكات والتعاون المجتمعي، يعمل الملتقى كجسر يربط بين مراحل الطفولة والتعليم والوصول إلى سنّ الرشد. وفي هذه السطور، نستعرض مع نهال الصالح مفهوم الشمولية كمسؤولية، والقيادة كخدمة، والأثر كشيء يُبنى بهدوء، يوماً بعد يوم.

Nihal Al-Saleh “التصنيفات تتلاشى تماماً عندما يُمنح الأطفال المساحة للّعب بحرية”

ما هي اللحظة التي أدركت فيها أنّ الشمولية يجب أن تتجاوز حدود نقاشات لتصبح تجربة اجتماعية حقيقية؟

غالباً ما يتمّ التحدّث عن الشمولية في الاجتماعات والسياسات والاستراتيجيات المصمّمة ببراعة. لكن بالنسبة لمعظم العائلات التي تعيش هذا الواقع يومياً، الشمولية ليست مجرّد مفهوم، بل هي شعور وواقع ملموس، مثل تلك اللحظة التي يُقبَل فيها طفلهم ويُدعى للّعب. لقد وُلد

“ملتقى مهارات الحياة” من إدراك شخصي وهادئ للغاية، وهو أنّ أطفالنا محاطون بخدمات ممتازة، ولكنّ تجاربهم المشتركة مع الآخرين قليلة جداً. نحن نمتلك مراكز علاجية ومدارس قوية في قطر، ولدينا نشطاء مجتمعيون متفانون، ومع ذلك كان هناك شيء أساسي مفقود بين المدرسة والعلاج: وهو الحياة الاجتماعية الحقيقية، تلك اللحظات العادية التي يتعلّم فيها الأطفال كيف ينتمون للمجتمع. حينها أدركت أنّ الشمولية يجب أن تتجاوز حدود النقاشات، لتصبح تجربة مُعاشة، ليس فقط في قاعات المؤتمرات والصفوف الدراسية، بل في الصداقة والإبداع والفرص المهنية والتواصل اليومي.

بصفتك أماً لأربعة أطفال، كيف ساهم فهمك الشخصي للطفولة والنمو في تشكيل تصوّرك لـ “ملتقى مهارات الحياة” كمجتمع؟

أنا أمّ لأربعة أطفال، أحدهم من ذوي اضطراب طيف التوحّد. ومثل كلّ الآباء والأمّهات، أقضي وقتاً طويلاً في مراقبة أطفالي؛ كيف يتعلّمون، كيف يتواصلون مع الآخرين، كيف يتكيّفون، وكيف ينمّون من خلال تلك التفاعلات الصغيرة التي لا يمكن لأي منهج دراسي أن يصمّمها. وهذا تحديداً ما غيّر نظرتي للطفولة. فالتعاطف يُكتسب مبكراً، والثقة تزدهر في بيئة آمنة، والتصنيفات تتلاشى تماماً عندما يُمنح الأطفال المساحة للّعب بحرية.

يركّز “ملتقى مهارات الحياة” على الشمولية الاجتماعية من خلال تجارب ممتعة. هلّا تطليعنا أكثر على ما تقدّمونه؟

“ملتقى مهارات الحياة” هو مساحة لا يُعرَّف فيها الأطفال بناءً على تشخيصهم أو قدراتهم. في جوهره، يركّز المركز على الشمولية الاجتماعية من خلال المخيّمات التي تشمل الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، واللعب الاجتماعي المسهّل مع أقرانهم من الأطفال الذين ينمون بشكل طبيعيّ، وهي تجارب ممتعة ومنظّمة. نحن نصمّم برامج يطوّر من خلالها الأطفال والشباب مهارات التواصل والتعاون والمهارات العاطفية عبر اللعب والرياضة والأنشطة الإبداعية والتجارب المجتمعية. كما ندير نوادٍ اجتماعية، وورش عمل شاملة، وبرامج عائلية، وأنشطة انتقالية تساعد الشباب على الاستعداد للحياة ما بعد المدرسة؛ ممّا يبني لديهم الثقة والاستقلالية والاستعداد الاجتماعي للعالم من حولهم. ويُعدّ برنامج التطوير المهني للشباب أحد أكثر برامجنا نجاحاً.

إنّنا نعمل على تقوية البيئات المحيطة بهم؛ فندعم العائلات، ونعمل مع المعلّمين، ونوفّر الدعم داخل الصفوف الدراسية. كما نتعاون مع أصحاب العمل والمؤسسات المجتمعية لخلق مساحات يمكن للشباب فيها ممارسة دورهم كجزء من المجتمع، قبل أن يقرّر المجتمع ما إذا كان مستعداً لهم أم لا. كما نقيم شراكات مع شركات تتطوّر لاحقاً لتوفّر فرص توظيف لمنتسبينا.

تظهر شراكاتك، بما في ذلك التعاون مع حلول إثرائية، نموذجاً تعاونياً للتأثير. ما الذي تهدفين لبنائه من خلال هذه الشراكات؟

من أعظم الامتيازات في هذه الرحلة هو المجتمع الذي نما حول “ملتقى مهارات الحياة”. فإنّ شراكاتنا، وخاصة مع جهات مثل الهيئات الحكومية، و60 Degrees، ومجموعة فنادق هيلتون، حلول إثرائية، وThe British School of Excellence Qatar، وPinnacle International، قد سمحت لنا بالتحرّك بشكل أسرع، والتفكير بعمق أكبر، والوصول إلى نطاق أوسع. نحن لا نؤمن ببناء أنظمة موازية، بل نؤمن بتقوية الأنظمة القائمة بالفعل. هدفنا هو بناء مسارات مستدامة، تبدأ من التنمية الاجتماعية وتمرّ بالتعليم، وصولاً إلى التوظيف والعيش المستقل. نريد للشباب أن يكبروا ويصلوا إلى مرحلة الرشد وهم يدركون أنّ الفرص ليست شيئاً يتعيّن عليهم المحاربة من أجله باستمرار، بل هي شيء قد أعدّه لهم المجتمع.

من خلال خبرتك، ما هو أكبر مفهوم خاطئ لا يزال المجتمع والشركات يحملونه تجاه الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة؟ وكيف يحدّ هذا المفهوم من فرصهم؟

المفهوم الخاطئ الأساسي هو رؤية الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة كمتلقّين للمساعدة فقط، وليس كمساهمين فاعلين. وهذا يحدّد التوقّعات ويؤثّر على التوظيف ويحدّ من طموح الأفراد. عندما نقلّل من شأن القدرات، فإننا نتخيل ومن ثم نصمّم لهم مستقبلاً محدوداً. لكنّنا في “ملتقى مهارات الحياة” نرى شباباً يقدّمون الإبداع والتفاني والتعاطف. فالحواجز الحقيقية تكمن في فرص الوصول والتصميم والثقة، وليست في القدرة ذاتها.

عندما ينظر أطفالك إلى العمل الذي بنيته، ما الذي تأملين أن يفهموه عن الشمولية والقيادة والمسؤولية؟

حين ينظر أطفالي إلى الماضي، آمل أن يلتفتوا إلى الطريقة التي عشت بها حياتي، أكثر من اهتمامهم بما بنيته من مشاريع. آمل ألّا يتذكروا الألقاب أو البرامج أو الإنجازات الكبرى، بل أريدهم أن يتذكّروا دائماً أنّ الشمولية ليست عملاً خيرياً، بل هي مسؤولية.

آمل أن يدركوا أنّ القيادة لا تتعلّق بالظهور والشهرة، بل بالخدمة، وأنّ الأثر الحقيقي غالباً ما يحدث بهدوء، في غرف لا يراقبها أحد. كما أتمنّى، وعلى عكس ما كنت عليه في بداية هذه الرحلة، أن يتعلّموا الاستمتاع بالحياة رغم تحدياتها. فالسعادة ليست حالة مستمرّة، بل هي مجموع اللحظات الثمينة التي نعيشها. والأهمّ من ذلك كلّه، آمل أن يتعلّموا أنه عندما يلمحون فجوة في مجتمعهم، فلا ينتظروا إذناً من أحد ليبادروا بالاهتمام والعمل.

آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً