بفضل دراستها للتصميم والهندسة الداخلية في École Camondo العريقة، المرتبطة بمتحف الفنون الزخرفية في باريس، تبلورت رؤية نجلاء الزين في مقاربة المساحات والتصميم من خلال السرد والقصص التي ترويها، حيث ترى أن École Camondo مدرسة مفاهيمية بالدرجة الأولى، وتعتبر أنّ عملها الفني تطوّر بشكل طبيعي انطلاقاً من تلك القاعدة. بالنسبة لها، يبدو الانتقال بين الأحجام والمقاييس المختلفة أمراً فطرياً للغاية. فهي لا تعتبره عقبة، ولا تراه محاولة متعمّدة لخلق حالة من التقارب أو التفاعل. وغالباً ما تشمل أعمالها مواد مثل السيراميك أو الحجر أو الزجاج، وهي مواد تحمل حضوراً ملموساً يكاد يكون عاطفياً، وتحفّز على التواصل بشكل طبيعي. رافقينا في ما يلي لنتعرّف أكثر على ممارستها الفنّية.

Najla El Zein : ” إنّ ما يثير اهتمامي حقاً في الحرفية هو أنّها تحمل حضوراً إنسانياً “
غالباً ما نشعر وكأنّ منحوتاتك تنبض بالحياة. إلى أي مدى يؤثّر الجسد البشري على الأشكال التي تبتكرينها؟
ترتبط عملية صياغة العمل الفنّي ارتباطاً وثيقاً بالجسد منذ اللحظة الأولى. يبدأ الأمر من المجسّمات الصغيرة التي أصنعها بيديّ وبإيقاع سريع جداً، وهنا ينشأ حوار حيّ بين حركات يديّ ومادّة الجبس نفسها. يلعب هذا الحوار بين الجسد والمادّة دوراً في التعبير عن ذاته وفي صياغة التعبير الخاصّ بالعمل الفنّي، وذلك من خلال الحركة، والضغط، والإيقاع، حيث تستجيب المادّة جسدياً وكأنّها في محادثة حقيقية.
وعندما أنتقل بالأعمال إلى أحجام ومقاييس أكبر، تبقى هذه العلاقة ثابتة كما هي، ولكن بإيقاع أبطأ. فنحت الحجر، على سبيل المثال، يتطلّب انخراطاً جسدياً دقيقاً للغاية، إذ إنّ الطريقة التي نتحرّك بها، وقوة الضغط التي نطبّقها، وكيفية النحت، كلّها عوامل تؤثّر مباشرة على استجابة الحجر وفي ما سيعبّر عنه في النهاية. وتتحوّل العملية هنا إلى نوع من التفاوض بين النيّة وبين مقاومة المادّة نفسها أو حساسيتها. وينطبق الأمر ذاته على الطين والسيراميك؛ فأي خبير في السيراميك سيخبرك بأنّ الطين يمتلك ذاكرة، إذ يحتفظ بأثر كلّ لمسة وحركة. وأنا أؤمن بأنّ هذا ينطبق على جميع المواد الطبيعية، فهي تختزن الذاكرة، ولهذا السبب تحديداً تحمل الحياة في داخلها. بالنسبة لي، تنبع الأشكال من هذا الحوار المستمرّ بين الجسد والحركة والمادّة، ولعلّ هذا هو السر وراء ذلك الإحساس بأنّ المنحوتات تكاد تنبض بالحياة.

ماذا يضيف العمل اليدوي والحرفية إلى أعمالك على الصعيدين العاطفي والمفاهيمي؟
بالنسبة لي، الحرفية هي أسلوب تفكير تماماً كما هي طريقة صياغة وصنع. لا تقتصر فقط على المهارة التقنية، بل تشكّل جزءاً أساسياً من العملية المفاهيمية الكامنة وراء العمل الفنّي. أنا أتعاون بشكل وثيق مع حرفيين ماهرين في كلّ قطعة أبتكرها، وتصبح تلك التبادلات متجذّرة ومحفورة في العمل نفسه.
إنّ ما يثير اهتمامي حقاً في الحرفية هو أنّها تحمل حضوراً إنسانياً، فهي تشمل كلّ ما يحيط بعملية الصنع: الحوارات الجانبية، أجواء المشغل، إيقاع الأيام، لحظات الإحباط، وحتى لحظات الاكتشاف. ويتشرب العمل الفنّي كلّ تلك الطاقة وهذه الذكريات.
وأعتقد أن هذا هو السبب في أنّ القطع المصنوعة يدوياً تحمل ثقلاً عاطفياً خاصاً، فهي تحتفظ بآثار الوقت، والجهد، والتعاون. بالنسبة لي، لا يكمن معنى العمل في شكله النهائي فحسب، بل في عملية صنعه وفي كلّ العلاقات الإنسانية التي شكّلته على طول الطريق.
تدعو الكثير من أعمالك الناس للجلوس أو اللمس أو التفاعل معها. ما مدى أهميّة التجربة الجسدية للمتلقّي؟ وهل لاحظت ردود فعل مختلفة بناءً على خلفية المشاهد؟
إنّه لأمر مؤثّر جداً بالنسبة لي أن أرى كيف يتبنّى الناس الأعمال ويتفاعلون معها بعفوية وبطريقتهم الخاصة، لا سيما في المشاريع الفنّية العامّة. ففي عمل Us, Her, Him مثلاً المعروض في الدوحة، كان من الرائع حقاً مشاهدة الطرق المتنوّعة التي تواصل بها الجمهور مع المنحوتات؛ فمنهم من جلس عليها، ومنهم من تجمّع حولها، ومنهم من اتخذها مكاناً للعب، أو الراحة، أو حتى احتضانها. بمجرّد أن يخرج العمل الفنّي إلى الفضاء العام، فإنه يكتسب وجوده المستقلّ وإيقاعه الخاص، ويصبح جزءاً من حياة الناس اليومية. وأعتقد أن هذه الاستقلالية هي من أجمل الإنجازات التي يمكن لأي عمل فنّي أن يحقّقها.
كيف أسهم كونك لبنانية وتعيشين في الخارج في تشكيل علاقتك بالمادّة، والذاكرة، والمشهد الطبيعي؟
أعتقد أنّ المسافة والبعد يخلقان علاقة استثنائية وخاصّة جداً بالذاكرة والانتماء، علاقة يشكّلها الشوق وتصيغها المخيّلة. لقد نشأت وترعرعت في باريس، وكنت أزور لبنان مرّة واحدة في السنة لرؤية عائلتي. تلك الزيارات القصيرة والمكثّفة تحوّلت في داخلي إلى ذكريات حيّة: المناظر، الروائح، الضوء، النكهات، والأجواء العامّة. لكن لاحقاً، عندما عشت في لبنان لمدة عشر سنوات كبالغة، تمكّنت تلك الذكريات والمشاعر من الاستقرار والترسّخ فيّ بشكل أعمق بكثير. لقد ساعدتني هذه المرحلة على فهم نفسي وفهم علاقتي بجذوري بشكل أفضل، وأظنّ أنّ ممارستي الفنّية وصلت إلى ما هي عليه اليوم بفضل تلك التجربة بالذات.
لقد غادرت لبنان في عام 2019، ومنذ عام 2018 وأنا أقوم بجمع عيّنات من التربة اللبنانية. واليوم، بدأت هذه المواد التي جمعتها تتجسّد وتأخذ شكلاً ملموساً في مجموعة أعمال جديدة، والتي ستتشابك هي الأخرى بشكل وثيق مع فكرة المناظر الطبيعية.
هل هناك مشاريع جديدة أنت متشوّقة لها وتودّين مشاركتها معنا؟
أعمل حالياً على عمل فنّي عام جديد أنا متشوّقة له جداً، وهو بمثابة تكريم للحجر، وسيتمّ الكشف عنه في معرض NGV Triennial في ملبورن. هذا المشروع عبارة عن تكليف فنّي عام دائم تم تطويره بالشراكة مع مدينة ملبورن ومتحف National Gallery of Victoria، وبالتعاون مع المعرض الذي أتعامل معه Friedman Benda.
وفي الوقت نفسه، أقوم بتطوير مجموعة مجوهرات جديدة بالتعاون مع معرض The Great Design Disaster ومقرّه ميلانو، حيث ستُعرض هذه المجموعة في جزيرة باتموس هذا الصيف بإشراف Joy Herro. كما أعمل أيضاً على مجموعة سجّاد جديدة بالتعاون مع صناع السجّاد Ishkar في لندن، والتي سيُكشف عنها في عام 2027، إلى جانب معرض جديد أحضّره حالياً لمركز بيروت للفنّ لعام 2027 أيضاً.








