عن الطموح والمستقبل والإلهام مع سعادة مروة المنصوري 

عن الطموح والمستقبل والإلهام مع سعادة مروة المنصوري 
28 أغسطس 2026 إعداد: أرزة نخلة

عندما تتأمّل سعادة مروة المنصوري في ما شكّل طموحاتها، لا ترى لحظة واحدة حاسمة، بل ترى مساراً من روابط الانتماء: وطن منحها الثقة قبل أن يمنحها العالم التقدير، ودولة حوّلت الإمكانيات إلى أسلوب حياة، وإرث علّمها أنّ الإنجاز ليس جائزة نتمسّك بها، بل مسؤولية نحملها، وقيادة وضعت النساء في المقدّمة. لم يكن هدفها يوماً أن تُقاس مسيرتها بمدى ارتقائها، بل بإيمانها بواجبها في المساهمة في ارتقاء الأخريات أيضاً وإلهام المرأة التالية التي تجرؤ على الحلم. في خلال مسيرتها الرائدة، خاضت سعادة مروة المنصوري تجارب ريادة أعمال عديدة وقامت بتأسيس مشاريع ريادية مؤثّرة في مجالات التكنولوجيا، والتحوّل الصناعي، والاستدامة، والشراكات الاستراتيجية بين القطاعين العام والخاص على مستوى عالمي. وهي تعمل اليوم كعضو في مجلس سيّدات أعمال أبوظبي، وغرفة صناعة وتجارة أبوظبي، ولجنة التعاون الإقتصادي، كما أنّها عضو مجلس إدارة كلية أبوظبي للإدارة. في شهر المرأة الإماراتيّة، نحتفي مع علامة Montblanc بمسيرتها الملهمة!

H.E. Marwa Al Mansoori: أنت تصبحين ما تؤمنين به. المستقبل ليس أمامك، بل يولد بالفعل في داخلك.”

مديرة التحرير والحوار: Arzé Nakhlé

أخصائية وسائل الإعلام: Sana Jamali

التصوير: Hichem Abdedaiem

المساعدة في التنسيق: Sahar Ghobar

الشعر والمكياج:Gael Sastre 

المساعدة في الإنتاج: Kathleen Padrid

من شكّل بالنسبة لك نموذج ملهم في حياتكِ لمواصلة المضي قدماً بطموح وهدف ومرونة؟

بالنسبة إليّ، لم تكن القدوة التي أحتذي بها يوماً شخصاً واحداً بمفرده. بل هي مزيج من الأشخاص، والقيَم، والموروثات التي شكّلت الطريقة التي أفهم بها الطموح والقيادة. كانت والدتي أوّل مثال لي على القوة التي لا تحتاج إلى رفع صوتها لكي يُشعر بها. لقد صنعت مسارها الخاص بعزيمة هادئة، وتذكّرني دائماً بأنّ “العمل هو الأكسجين في حياتك” – ليس واجباً نؤدّيه، بل نبعاً نستمدّ منه الحياة. وإذا كانت والدتي قد منحتني الشجاعة لأبدأ، فإنّ والدي منحني القوّة لأستمر: الانضباط للمضي قدماً، والاستقلالية للوقوف بثبات، والجذور لأبقى كما أنا مهما ابتعدت بي الحياة.

وعلى المستوى الوطني، يبقى الراحل سموّ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مصدر إلهام موجّه لنا. لقد كانت قيادته متجّذرة في الإنسانية، والوحدة، والاستدامة، والإيمان بأنّ الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي بلد. كما تلهمني كثيراً سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، “أم الإمارات”، إذ يُعدّ إرثها أحد أقوى الأمثلة على التمكين طويل الأمد. لقد خلقت رؤيتها أساساً يُتيح للمرأة الإماراتية القيادة بثقة مع البقاء على اتصال بالأسرة والهوية والعطاء. أحمل ثلاثتهم معي أينما أخذني عملي. في كلّ مشروع أنشأته، وفي كلّ قاعة مجلس إدارة دخلتها، وفي كلّ شراكة شكّلتها عبر الحدود، تتحرّك أصواتهم معي: إيمان والدتي بأنّ العمل هو أكسجين الحياة الهادفة، وقناعة والدي بأنّ الأحلام لا حدود لها وأنّه لا توجد مسافة يمكنها أن تضعف تمسّكي بجذوري، ودليل الشيخة فاطمة على أنّ امرأة واحدة قوية ومتمكّنة يمكنها أن تنهض بأمّة بأكملها.

كيف ساعدتك الأدوار المتنوّعة التي شغلتها طوال مسيرتك المهنية في بناء شخصيتك القيادية؟ وكيف تصفين أسلوبك في القيادة اليوم؟

كلّ دور تولّيته شكّل شخصيتي بما يتجاوز المنصب نفسه؛ فقد اختبر شجاعتي، وعمّق منظوري للأمور، وعلّمني أن القيادة تُبنى بالمسؤولية لا بالتقدير. لقد علّمتني ريادة الأعمال الشجاعة – وهي الاستعداد للبدء قبل أن يتضح المسار. وعلّمني عالم الأعمال التنظيم والانضباط في تحويل الأفكار الجريئة إلى مؤسسات مستدامة. وعلّمتني المفاوضات الاستراتيجية الدبلوماسية – وهي المهارة الهادئة لتحويل الأولويات المتعارضة إلى غاية مشتركة. وعلّمتني التكنولوجيا أن أفكّر بآفاق العقود لا بحدود الفصول الربع سنوية، وأن أبني لمستقبل لا يستطيع معظم الناس رؤيته بعد. وعلّمتني الشراكات العالمية أن الثقة هي العملة الحقيقية للتغيير – وأنّه لا توجد صفقة أو تحالف أو طموح يمكنه الاستمرار دونها. أمّا قاعات مجالس الإدارة فقد علّمتني المسؤولية في أنقى صورها: لأنك عندما تجلسين على تلك الطاولة، لا تعودين تقرّرين من أجل الحاضر – بل تصبحين مسؤولة أمام المستقبل. وكلّ خيار تتّخذينه يصبح وعداً للناس والمؤسسات والأجيال التي ستبني يوماً ما على ما نشّكله نحن اليوم.

أمّا عن أسلوبي القيادي اليوم، فأصفه بأنه مدفوع بالهدف، وتشاركيّ، وإنسانيّ بعمق. أنا أقود بالتأثير لا بالسلطة، وأؤمن بأنّ القادة الأقوى ليسوا هم من يسيطرون على الجلسة، بل من يرتقون بجميع من فيها. لقد تعلّمت أن أستمع أكثر ممّا أتكلّم، وأن أكون حاسمة دون جمود، وأن أجمع بين الطموح والتعاطف في آن واحد. بالنسبة إليّ، لا تعني القيادة أن يتبعك الآخرون – بل تعني مساعدة الآخرين على اكتشاف القدرات التي لم يدركوا بعد أنّهم يمتلكونها، ومنحهم الثقة للعمل بها. في النهاية، كلّ دور، وكلّ طاولة، وكلّ منصب علّمني الدرس ذاته: القيادة هي شكل من أشكال الخدمة.

ما هي القيم التي تحرصين على رؤيتها تنعكس في كلّ ما تقومين به؟

القيم التي أحاول أن ألتزم بها في كلّ ما أفعله هي النزاهة، والهدف، والشجاعة، والتواضع، والتعاطف، والولاء – لكن إذا كان عليّ اختيار القيمة التي ترسّخها جميعاً، فستكون النزاهة. فكلّ ما هو قيّم يُبنى عليها. الهدف هو ما يحدّد اتجاه عملي، ويذكّرني دائماً بسبب بدايتي ومن أخدمه حقاً. والشجاعة هي ما يتيح لي دخول مجالات غير مألوفة والسعي وراء الأفكار قبل أن تبدو منطقية لأي شخص آخر. والتواضع يبقيني في حالة تعلّم دائم، منفتحة، وثابتة مهما طالت الرحلة. والتعاطف يُبقيني على اتصال بالجانب الإنساني وراء كلّ قرار. أمّا الولاء – لوطني، وعائلتي، والقيم التي نشأت عليها – فهو الخيط الذي يربط كلّ هذه العناصر معاً. لقد أصبحت أؤمن بأنّ قيمنا هي البصمة غير المرئية التي نتركها على كلّ ما نلمسه: فقد ينسى الناس تفاصيل ما فعلته، لكنهم سيتذكرون دائماً كيف جعلتهم يشعرون تجاه أنفسهم.

تظهرين دائماً التزاماً بدعم مكانة المرأة في عالم الأعمال. كيف تحاولين نقل خبراتك والدروس التي تعلمتها إلى الجيل الجديد من النساء الإماراتيات والمساهمة في تمكينهنّ؟

بالنسبة إليّ، يبدأ التمكين في اللحظة التي ترى فيها المرأة نفسها قادرة – وغالباً ما يحدث ذلك قبل أن يصبح العالم مستعداً لإخبارها بذلك. لذا، فإنّ جزء كبير ممّا أقوم به يرتكز على مساعدة النساء على الوصول إلى تلك اللحظة في وقت مبكر. لكن الإيمان وحده لا يكفي. فالتمكين في الواقع العملي يدور حول إتاحة الفرص والوصول إليها – وهنا يصبح العمل حقيقياً. تحتاج النساء إلى التوجيه، والشبكات المهنية، ورأس المال، ونوع من الدعم الذي يحوّل الطموح إلى مشروع قائم. ولهذا السبب بالذات، فإنّ تعزيز دور المرأة الإماراتية كشريكة حقيقية في نمو اقتصادنا الوطني يعنيني كثيراً – إذ ندعمها في كلّ مرحلة، بدءاً من الفكرة الأولى ووصولاً إلى توسيع نطاق أعمالها. عندما نستثمر في شركة تقودها امرأة، فنحن لا نقدّم ببادرة حسن نية؛ بل نسهم في تقوية القطاع الخاص، وتنويع اقتصادنا، وإضافة محرّك آخر لنمو الوطن.

أنا مصمّمة بشكل خاص على رؤية النساء الإماراتيات يقدنَ القطاعات والصناعات التي ستشكّل مستقبلنا. إنّ دولة الإمارات العربية المتحدة تبني فصلها القادم في مجالات التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والاستدامة، والصناعات المتقدّمة، واقتصاد المعرفة – ولا ينبغي للمرأة أن تكتفي بالمشاركة في هذه القطاعات، بل يجب عليها أن تساهم في صياغتها. إنّ دوري، كما أراه، لا يقتصر على كسب مقعد على الطاولة فحسب، بل يمتدّ لتوسيع هذه الطاولة: لفتح الأبواب نحو شبكة العلاقات، وقاعات اجتماعات مجالس الإدارة، والفرص التي يتحدّد فيها المستقبل، وضمان أن تمرّ النساء الإماراتيات عبرها بكلّ ثقة. فالقيادة، في نهاية المطاف، لم تكن يوماً مسألة كمال. بل هي الاستعداد عندما لا يراقبك أحد، والشجاعة عندما يشكّك الآخرون بقدراتك، والثبات في الاستمرار حتى يصبح من المستحيل تجاهل هذا التميّز.

إذا أُتيحت لك الفرصة لكتابة رسالة إلى مروة المنصوري في بداية رحلتها، فماذا كنت ستقولين لها؟

عزيزتي مروة،

لا تخافي من حجم أحلامك. فالأحلام التي تبدو أكبر من اللازم ليست كذلك على الإطلاق – بل هي ببساطة الأحلام التي تملك الشجاعة الكافية لحمل هدفك. ستدخلين قاعات تشعرين فيها بأنك أصغر سناً من الجميع، أو مختلفة تماماً، أو غير مستعدة بعد… ادخليها على أي حال. ارفعي رأسك عالياً حتى وإن كانت يداك ترتجفان. فالاستعداد لم يكن يوماً شيئاً تنتظرينه، بل هو شيء تبنينه، بهدوء، في كلّ مرة تختارين فيها الشجاعة على الخوف.

لا تنسي أبداً من أين تبدأ قوتك. إنها تبدأ من بيتك – من عائلة آمنت بك قبل أن يعرف العالم اسمك، ومن وطنٍ ربّى بناته ليقُدنَ لا لينتظرنَ. وأينما ذهبت، احملي عائلتك في قلبك، ووطنك في اسمك، وأبناء شعبك في كلّ ما تبنينه. فهم ليسوا عبئاً عليك، بل هم الأجنحة التي تحلّقين بها.

ستتعلّمين أن الأبواب المغلقة لا تعني دائماً الرفض. فبعض الأبواب تُغلق لحماية المسار المقدّر لك، وبعض العقبات والتأخيرات ليست انعطافات خاطئة، بل هي تهيئة وتدريب لحمل لا يمكنك تخيّل حجمه الآن. ثقي بتوقيتك الخاص، حتى وإن بدا مختلفاً عن توقيت أي شخص آخر – بل تحديداً عندما يكون مختلفاً عن الجميع.

لا تخفضي صوتك لتجعلي المحيطين بك يشعرون بالارتياح. بل اجعلي صوتك مسموعاً – في وطنكِ، وبعيداً وراء حدوده. ستجلسين يوماً ما على طاولات في مختلف أنحاء العالم، وعندما تفعلين ذلك، اعلمي أنك تحملين ما هو أكبر من نفسك: أنت تحملين الإمارات إلى كلّ قاعة تدخلينها. دعي صوتك يصل إلى العالم، ودعي العالم يرى فيك ما يمكن للمرأة الإماراتية أن تحققه.

وكلّما ارتقيت، مدّي يدك لمن خلفك – بل افعلي ما هو أكثر من ذلك وادفعي الأخريات للأمام، ليكنّ خطوة قبلك، حتى إذا تعثّرنَ يوماً، يجدنَ أرضاً صلبة قد أمّنتِها لهنّ بالفعل. ارتقي بالنساء لا ليكنّ في ظلّك، بل ليتألّقنَ في ضوئهنّ الخاص. إن المقياس الحقيقي لنجاحك لن يكون يوماً الارتفاع الذي وصلت إليه بمفردك، بل بعدد اللواتي وقفنَ عالياً لأنك رفضت الارتقاء بدونهنّ.

احمي قيمك – فهي المرساة التي تثبتك عندما يرتفع صخب النجاح. احمي قلبك –  فهو الذي سيبقيك إنسانة في عالم يكافئ أولئك الذين نسوا كيف يكونون كذلك. واحمي طموحك – فهو ليس بالشيء الذي تعتذرين عنه طالما أنه مرتبط بهدف أسمى وأكبر من ذاتك.

وعندما تقفين أخيراً في تلك القاعات التي طالما صلّيت لدخولها، تذكّري أنك لم تصلي إلى هناك بمفردك. بل تحملين عائلتك، ووطنك، وأبناء شعبك معك، وكلّ خطوة تخطينها تصبح أرضاً صلبة تمشي عليها المرأة الإماراتية التالية التي لا تزال تتساءل إن كانت تنتمي إلى هذا المكان.

لذا، امضي قدماً. فعائلتك تؤمن بك، ووطنك يسير بجانبك، وكلّ امرأة ستأتي من بعدكِ سترتقي على الأساس الذي تتركينه خلفك.

مع كلّ الحب، مروة من المستقبل.

إذا كان بإمكانك تخليد ذكرى واحدة بالحبر، فماذا ستكون؟

لو كان بإمكاني تخليد ذكرى واحدة بالحبر، لكانت تلك اللحظة التي غادرت فيها وطني في السابعة عشرة من عمري لأبدأ دراستي في Edinburgh عام 2009. ما زلت أذكر، وأنا أنظر من نافذة الطائرة، كيف بدأت أضواء الإمارات تصغر شيئاً فشيئاً في الأسفل – شابّة تخطو نحو الاستقلال لأوّل مرة، وتحمل وطنها معها وهي تمضي نحو المجهول. كانت تلك هي اللحظة التي اتّسع فيها عالمي، ولم أنسَها يوماً. أتمسّك بتلك الذكرى لأنّها كانت البداية لكلّ ما تلاها. فقد وضعت شابة إماراتية على مسار التعلّم من منظور عالمي، لتعود بعد ذلك لتكون قيمة مضافة لوطنها.

ما هي الرسالة التي تودين توجيهها إلى كلّ شابة إماراتية في شهر المرأة الإماراتية عن المستقبل؟

نحن محظوظات بالانتماء إلى وطن قطع وعداً لنسائه قبل أن يصدّق معظم العالم أنّ ذلك ممكن، وقد تمّ الوفاء بهذا الوعد وتوسيعه، جيلاً بعد جيل. رسالتي هي الآتية: الطموح ليس شيئاً تعتذرين عنه، والتميّز ليس أمراً يقبل التفاوض أو التنازل. استثمري في تعليمك بلا توقف. ابحثي عن الأماكن التي تتحدّى قدراتك، لا تلك التي ترحّب بك فحسب. قيسي نجاحك وفقاً للمعايير العالمية، لا الراحة المحلّية. لقد وضعت دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها بين أكثر الاقتصادات تنافسية في العالم، وسيتم الحفاظ على هذه التنافسية بفضل النساء اللواتي يرفضنَ رؤية أي حدود على أنها دائمة. وتذكّري أنّ الإرث يُبنى عبر العقود، لا عبر العناوين الصحفية. إن كلّ شابة تختار القيادة – في مجال الأعمال، أو التكنولوجيا، أو السياسة، أو في بيتها – تضيف سطراً آخر إلى قصة نجاح وطنية بدأت برؤية وتستمرّ بالقدرة. المستقبل لا يعود لمن ينتظرونه، بل لأولئك الذين ينهضون، ويقودون، ويطالبون به دون تردد. فلنحدّده بجرأة – ولندَع العالم يشاهدنا ونحن نفعل ذلك.

وما أريد مشاركته مع كلّ شابة إماراتية هو شيء شاركته والدتي معي ذات يوم: “يا ابنتي، لا تدعي أي باب مغلق – هنا أو في أي مكان في العالم – يقنعك بأنك لا تنتمين إلى ذلك المكان. إن قيمك، وشجاعتك، وطموحك هي المفتاح الذي يفتح كلّ قفل.”

إقرئي أيضاً: مجلس سيّدات أعمال أبوظبي … حين تجتمع النساء يتحقّق المستحيل


آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً