حــين يتحــوّل الكــروشيـه إلى تجـربة إنسانيّة عميقة 

2 يونيو 2026 إعداد: أرزة نخلة

هناك سحر خاص في القطع المصنوعة يدوياً، نشعر به في اللحظة التي نلمسها فيها، فنجد الوقت والصبر والروح الكامنة وراء كلّ غرزة. قبل أن يصبح الكروشيه جزءاً من علامة JessicaK، وقبل أن تنتقل السترات من أيدي النساء في القرى إلى النساء حول العالم، وقبل أن تصبح بصمةً تميّز علامتها التجارية، كانت هذه الحرفة بالفعل جزءاً من قصّة المصمّمة Jessica Khoueiri الشخصية. في قطاع تسيطر عليه السرعة والإنتاج الضخم، تواصل المصمّمة وضع المشاعر، والحرفية العالية، والروابط الإنسانية في صميم أعمالها. ومن خلال إبداعاتها اليدوية من الكروشيه، تنشئ عالماً تشكّله الذاكرة، والتراث، وقصص النساء الكامنة خلف كلّ غرزة. وبالتعاون الوثيق مع نحو 80 حرفيّة، تحتفي تصاميمها بالصبر، والتفرّد، وجمال العمل اليدوي. في هذه السطور، تتأمّل Jessica Khoueiri في الكروشيه كأداة لسرد القصص، وفي القيمة العاطفية للحرف اليدوية، والروابط الإنسانية العميقة المنسوجة في كلّ قطعة.

التصوير: Lynn Morkos

“منذ طفولتي، كان الجمال يأسرني إلى أبعد حدود. الألوان، الأقمشة، الإكسسوارات، اللوحات، الـCollage، وكلّ ما هو تعبيري وحيويّ بصرياً كان يجذب انتباهي على الفور. لقد نشأت محاطة بالأناقة، والفضل الكبير في ذلك يعود لوالدتي، التي لا تزال حتى اليوم أكثر النساء اللواتي عرفتهنّ أناقة. لقد شكّلت رؤيتي للأسلوب دون أن تدرك ذلك. كانت تطلب رأيي وهي ترتدي ملابسها، وتشركني في اختيار إطلالاتها، ممّا جعلني أشعر منذ سنّ مبكرة جدّاً بأهميّة الإبداع والتفرّد”، بهذه العبارات تبدأ المصمّمة Jessica Khoueiri حديثها معنا. فسرعان ما أصبحت الموضة هي لغتها الخاصة. وتخبرنا: “ففي المدرسة، كنت أرسم في كثير من الأحيان مخططات الأزياء، وأتخيّل إطلالات لمناسبات لم تكن موجودة بعد، وأصمّم في مخيلتي مظهراً متكاملاً قبل حتى أن أدرك ما الذي يعنيه أن أكون مصمّمة. أكثر ما كان يسحرني في تنسيق الأزياء هو الحرية التي يوفّرها؛ ففي أحد الأيام قد أشعر برغبة في إطلالة صبيانية، وفي يومٍ آخر أميل إلى الطابع البوهيمي، وفي يومٍ ثالث أختار الأسلوب الأنيق. لقد أحببت تلك القدرة على التحوّل، وأحببت المشاعر التي نعبّر عنها من خلال الملابس.” بعد سنوات، انتقلت إلى لندن لدراسة تصميم الأزياء في Istituto Marangoni، ومنذ لحظة تخرّجها، أصبح الابتكار هو عالمها بأسره. وبعدها أطلقت مجموعة الملابس الجاهزة الخاصّة بها، ثم قدّمت لاحقاً مجموعة مجوهرات، ولكن كان هناك دائماً شيء يجذبها نحو الحرفية والعمل اليدوي.

يحمل الكروشيه معنى عاطفياً

فكيف بدأت قصة المصمّمة مع الكروشيه؟ تقول: “بدأت قصة حبي مع الكروشيه قبل وقت طويل من إدراكي أنّه سيصبح جزءاً من هويتي كمصمّمة. كنت أحبّ جمع قطع الكروشيه العتيقة خلال سفري، أو البحث عن كنوز مخبّأة في منزل جدتي. فلطالما سحرتني تلك اللمسات غير المثالية، والملمس، والإنسانية الكامنة وراءها. لكن الشخصية التي أدخلتني فعلياً إلى هذا العالم هي Josianne، زوجة البوّاب، التي علّمتني بصبرٍ غرزةً تلو الأخرى. رافقتني تلك اللحظات للأبد، واليوم، حين أنظر إلى الوراء، أدرك أنها علّمتني تقدير الجمال في العمل اليدوي، وقيمة الصبر، والابتكار النابع من العاطفة.”

فلطالما كانت المشاعر هي ما يوجّه Jessica Khoueiri بعيداً عن الصيحات العابرة. وبالطبع، كمصمّمة، تبقى مدركة لما يدور في عالم الموضة من حولها، لكنّها لا تستطيع ابتكار قطعة لمجرّد أنها “رائجة”، إذ يجب أن تشعر بارتباط عاطفي بما تبدعه. وتوضح قائلة: “لطالما حمل الكروشيه، على وجه الخصوص، معنى عاطفياً بالنسبة لي، فهو يعيد ذكريات النساء، والطفولة، والجمال المشغول يدوياً، والصبر، والدفء. وحتى اليوم، عندما أصمّم قطعة من المحبوكات، أفكّر في الإحساس الذي ستمنحه للشخص أكثر بكثير من تفكيري في مدى استمراريتها لموسم واحد فقط. وأعتقد أنّ الناس يشعرون بالأشياء الصادقة. فالقطع التي تُصنع بمشاعر تبقى معك لفترة أطول لأنها تحمل روحاً، وصدقاً، ولمسة إنسانية خلفها”.

عندما قرّرت أخيراً إدخال الكروشيه في مجموعات JessicaK، كان التفاعل فورياً، إذ لامست هذه القطع مشاعر النساء. تشرح لنا: “ما لا يراه الكثيرون هو حجم العمل الاستثنائي وراء كلّ سترة. فالكروشيه هو شكل من أشكال الموضة البطيئة في أنقى صورها. قد تستغرق كلّ قطعة ما بين أربعة إلى خمسة أسابيع من العمل المتواصل، حسب تعقيد النقشة. نحن نقضي ساعات طويلة في البحث عن الخيوط المثالية، واختبار الأنماط والأوزان، وتعديل القصّات يدوياً بالكامل، بل ونعيد العمل مراراً وتكراراً حتى نصل إلى القياس المثالي الذي يمنح شعوراً بالبساطة والراحة.”

القطع المشغولة يدوياً تحمل طاقة

تصف المصمّمة قطع الكروشيه بأنها تحمل “روحاً، وذاكرة، ومشاعر”. وعمّا تظن أنه يختفي عندما تفقد الموضة لمسة اليد البشرية، تقول لنا: “أعتقد أنّ الموضة تفقد جزءاً من روحها حين تغيب اليد البشرية التي صنعتها. فالقطع المشغولة يدوياً تحمل طاقة، ووقتاً، ومشاعر، وحتى عيوباً، وهذا بالضبط ما يمنحها جمالها الخاص. اليوم، يتحرّك كلّ شيء بسرعة مذهلة، وأصبحت الكثير من الأزياء سريعة الاستهلاك والزوال. لكن، عندما يقضي شخص ما أسابيع في ابتكار قطعة يدوياً، يمكنك تقريباً أن تشعري بالمرأة التي صنعتها بمجرّد لمسها. هناك دفء، ورعاية، وإنسانية لا يمكن للآلات أن تضاهيها أبداً… بالنسبة لي، تصبح الموضة أكثر قيمة عندما تكمن خلفها قصة حقيقية. هذا الرابط العاطفي هو ما يجعل الناس يعتزّون بملابسهم ويحتفظون بها لسنوات، بدلاً من مجرّد مواسم عابرة”.

بالنسبة لها، الكروشيه هو شكل من أشكال سرد القصص. فهو لا يقتصر على التصميم فحسب، بل يتمحور حول النساء، والتراث، والصبر، والهوية. وتؤكّد: “في عالم أصبح رقمياً ومتسارعاً بشكل متزايد، لا يزال الكروشيه يبدو لي إنسانياً بعمق. فهو يحمل التراث والهوية والحرفية بأجمل صورة ممكنة”.

هؤلاء النساء شكّلنَ هوية القطع المحبوكة

ومع توسّع العلامة التجارية، كبرت معها قصة الملابس المحبوكة. فاليوم، تعمل مع المصمّمة نحو 80 حرفيّة على هذه القطع، وهذا بالنسبة لها هو الجزء الأكثر قيمة ومعنى على الإطلاق. فخلف كلّ سترة هناك امرأة، وحياة، وقصّة، ويدان قضتا أسابيع لابتكار شيء فريد. لا توجد قطعتان متطابقتان تماماً، وهذا بالتحديد هو سرّ تميّزها. فكيف غيّر هذا التعاون مع الحرفيّات هويّة العلامة التجارية وحياة السيدات اللواتي يصنعنَ هذه القطع؟ توضح لنا قائلة: “غيّر العمل مع هؤلاء النساء مفهوم العلامة التجارية بالنسبة لي تماماً. فما بدأ كشغف إبداعي تطوّر إلى شيء أعمق وأكثر قيمة. تعمل الكثير من الحرفيات من منازلهنّ أو قراهنّ أثناء رعاية عائلاتهنّ، وقدرتي على توفير فرص لهنّ من خلال الحرفية اليدوية كانت أمراً مؤثّراً للغاية بالنسبة لي. أشعر حقاً أن هؤلاء النساء شكّلنَ هوية القطع المحبوكة تماماً كما فعلت أنا. فتضفي كلّ حرفية حساسيتها وتقنيتها وشخصيّتها الخاصة على كلّ قطعة. لم تعد التصاميم مجرّد قطع أزياء بسيطة، بل أصبحت قصصاً وانعكاساً للتفاني والتراث والحرفية الجماعية. أعتقد أن الناس يتواصلون فطرياً مع هذه الأصالة لأنّهم يشعرون بالعناية واللمسة الإنسانية وراء كلّ سترة”.

كيف يتجسّد التمكين في حياة النساء اللواتي تعمل معهنّ، بعيداً عن الاستقلال المادي؟ تقول: “يتجاوز التمكين بالنسبة لي الاستقلال المادّي بكثير. لا شكّ في أنّ قدرة هؤلاء النساء على إعالة أنفسهنّ وعائلاتهن أمر بالغ الأهمية، لكنّ التمكين الحقيقي يتعلّق أيضاً بالكرامة، والهدف، والثقة، والشعور بالفخر بما تصنعه أيديهنّ. تمتلك الكثير من هؤلاء النساء موهبة استثنائية، وأكثر ما يلمس قلبي هو مدى ارتباطهنّ العميق بالعمل. فترسل لي بعضهنّ رسائل صوتية يسألنَني فيها عمّا إذا أحبّت الزبونة السترة التي عملنَ عليها، أو يعبّرنَ عن فخر لا يوصف حين يرينَ قطعهنّ تجوب العالم”.

وتتذكّر المصمّمة قصة ندى التي لن تنساها أبداً، قائلة: “في أحد الأيام، أخبرتني أنها من خلال عملها معنا، تمكّنت من إرسال ابنها إلى كلية الطب. واليوم، أصبح طبيباً يحظى باحترام كبير، ويساعد الكثير من الناس، خاصّة في القرى، حتى أنه يعالج المرضى مجاناً أحياناً. شعرت بقشعريرة عند سماع ذلك، لأنني أدركت حينها أنّ هذه السترات أكثر بكثير من مجرّد موضة. فخلف كلّ قطعة، هناك أحلام وتضحيات وعائلات وحياة حقيقية تتغيّر للأفضل. هذا الرابط الإنساني هو، بكلّ صدق، الجزء الأكثر قيمة في هذه الرحلة بالنسبة لي”.

ختمنا حوارنا بسؤالها عمّا تأمل أن تشعر به المرأة عندما ترتدي إحدى قطع الكروشيه المصنوعة يدوياً من JessicaK، فقالت: “آمل أن تشعر بارتباط شخصي جداً بالقطعة. أريدها أن تشعر بأنها ترتدي شيئاً صُنع بنيّة صادقة، وصبر، وعناية، وليس مجرّد منتج صُنع ليُستهلك بسرعة ويُنسى. في عالم أصبحت فيه الموضة سريعة ومجرّدة من الطابع الشخصي، أتمنى أن تمنح قطع الكروشيه اليدوية شعوراً بالتفرّد والمعنى لمن ترتديها. وأكثر من أي شيء، أتمنى أن تقدّر المرأة كلّ ما يكمن خلف هذه القطعة؛ النساء اللواتي أبدعنَها، الحرفية العالية، ساعات العمل، والتفاني المنسوج في كلّ غرزة. بالنسبة لي، هذا هو ما يجعل الموضة اليدوية استثنائية حقاً”. وتختتم المصمّمة بالقول: ” في عالم تسيطر عليه السرعة والإنتاج الضخم، تذكّرني هذه التصاميم المحبوكة بشيء مهمّ للغاية: جمال الوقت، والحرفية، والروابط الإنسانية. فهي ليست مجرّد ملابس، بل إنّها تحمل مشاعر وذكريات وروحاً.”

آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً