“هناك مدن تبهرك بسرعة، وهناك مدن أخرى خجولة وإيقاعها متمهّل، تتفتّح تماماً مثل الوردة الدمشقية – شيئاً فشيئاً، لكن فقط لتأخذك في رحلة ساحرة ومعطّرة تعود لآلاف السنين. ومدينتي هي، بلا أدنى شك، الأكثر جاذبية وسحراً بينها جميعاً.” بهذه الكلمات تستهلّ هالة خيّاط, الخبيرة الإستراتيجية الثقافية والمستشارة البارزة التي تتمتع بخبرة تتجاوز العشرين عاماً في تشكيل المشهد الفنّي عبر الشرق الأوسط، والمستشارة الخاصّة بالفنّ والثقافة لمعرض Art Dubai – حديثها معنا قبل أن تشاركك برنامجها السياحي، والفنّي، والثقافي لزيارة مسقط رأسها دمشق. وهو برنامج استطاعت إنجازه بنفسها في غضون أيام قليلة. وقبل الزيارة، تنصحك بالتخطيط لرحلتك جيداً وحمل الأموال النقدية، واكتشاف دمشق سيراً على الأقدام.

Hala Khayat : “دمشق: مدينة تستعيد ذاتها عبر الفنّ والثقافة والذاكرة”
غادرت هالة خيّاط دمشق قبل عقدين من الزمن للدراسة وتأسيس عائلة، لكنّها لم تنقطع يوماً عن زيارة مسقط رأسها. وتخبرنا: “لا شيء يضاهي إجازتي الصيفية المبكرة قبل أسابيع قليلة؛ حين بدت روح المدينة، أخيراً، وكأنّها عادت بقوة إلى جسدها المتعب.” وتؤكّد لنا قائلة: “إنّ انطلاقة مسيرتي المهنية في عالم الفنّ كانت من دمشق، وهو أمر لم أنسَه يوماً”.وتتابع: “طوال مسيرتي، كنت أحاول دائماً وضع الفنّ والفنّانين السوريين في المقدّمة كلما أتيحت لي الفرصة. لذا، كان عليّ أن أبدأ جولتي من شوارع المدينة القديمة، حيث يبدو أن كلّ زقاق يخبئ خلفه حكاية.”
لغة بصرية عالمية تعبّر عن المشاعر والتجربة الإنسانية
“من المناطق الملهمة والمجزية بشكل خاص منطقة طالع الفضة، المجاورة لحديقة القشلة الصغيرة في قلب المدينة، حيث تنتشر مشاغل العديد من الفنّانين في أرجاء الحي”، تؤكّد خيّاط. وتتابع: “ومن أبرزها محترف الفنّان يوسف عبدلكي، أحد أشهر رواد الفنّ المعاصر في سوريا، والذي تستخدم أعماله الفحمية المتميّزة بأسلوب التباين بين الضوء والظلال عناصر بسيطة لإيصال رسائل قوية. وعلى مقربة منه، يقع مشغل فادي يازجي، وهو فنّان معاصر بارز آخر تُعرض أعماله عالمياً وتتواجد في أهمّ المعارض الفنّية حول العالم. أمّا المحطّة التالية فكانت لدى غازي عانا، النحات والصحافي والناقد الفنّي، الذي توازن أعماله بين التجريد والتشخيص من خلال الحفر على الخشب، والنقوش الحجرية البارزة، والمنحوتات الطينية. وفي المشغل الخاصّ به، تساهم ابنته الشابة الموهوبة رند عانا في إعادة بناء مشهد موسيقي مستقلّ.”

كما تضيف قائلة: “لقد تسنّى لي أخيراً اللقاء بالفنّان محمد خياطة، الذي عاد مؤخراً إلى سوريا، ويشتهر باستكشافاته الفنّية لمواضيع المنفى، والأمومة، والذاكرة عبر لوحات وصياغات بصرية غاية في الأناقة والرقي. ولا تكتمل أي رحلة فنّية في دمشق دون زيارة المحترف الجديد للنحات عيسى قزح، الذي تجمع منحوتاته البرونزية المشغولة بدقة متناهية مجموعات من الشخصيات لتروي حكايات إنسانية أوسع. وبالتأكيد، لا بد من قضاء بعض الوقت في أحد المعالم الثقافية الأكثر عراقة في المدينة: معرض ومنزل سامر قزح التاريخي. وهناك، غالباً ما يُقدّم للزوار مربيات ومشروبات الكبّاد الدمشقي الشهير، والنارنج، والبرتقال الحلو، والحامض البلدي، والمندرين. هذه اللفتات البسيطة من الضيافة تجسّد شيئاً جوهرياً في دمشق نفسها: الكرم يبقى حياً حتى في أصعب الظروف.”
الحفاظ على القيم الفنّية
وفي اليوم التالي، أرادت التركيز أكثر على الأنشطة الثقافية خارج المدينة القديمة، فبدأت بجولة مطولة ومثرية كالعادة في “غاليري جورج كامل”. وتؤكّد: “المثير للإعجاب أنّ هذا المعرض لم يغلق أبوابه قط خلال سنوات الحرب، وظلّ ركيزة ثابتة تدعم المجتمع الفنّي في سوريا. حيث تبنى على مدار عقود أسماءً بارزة مثل إدوار شهدا، وباسم دندون، والكثير من المبدعين الآخرين الذين ساهمت أعمالهم في صياغة مشهد الفنّ السوري الحديث.” وتشرح لنا: “وإلى جانب قاعات عرض أخرى مثل “غاليري زوايا” التي تديره الموهوبة رولا سليمان والتي توفّر بطاقاتها المميزة منصة للفنّانين الشباب للحوار، والمحاضرات، والتعليم. ولا يقتصر هذا الانتعاش الثقافي على المعارض والاستوديوهات فحسب. لذا عدتُ إلى المدينة القديمة لاحتساء فنجان شاي بالياسمين في فندق خان سليمان باشا، وهو نزل عثماني يعود تاريخ بنائه إلى عام 1736 ويقع في شارع مدحت باشا، وقد استعاد مؤخراً أمجاده.”
وتتابع: “وفي صباح اليوم التالي، دعتني صديقتي بولا كحلة صباغ، الشريكة في ملكية فندق الباشا الساحر، لتناول وجبة الفطور، ولم أستطع المقاومة. يا لها من طريقة رائعة لبدء اليوم: صينية فطور بدت وكأنها خارجة من أحد المسلسلات الرمضانية السورية التي تبعث على الحنين إلى الماضي، من اللبنة والزيتون، إلى المكدوس، ومربى المشمش اللذيذ… كانت كل قضمة تذكرني بالديار. وتضيف قائلة: “لستُ من عشّاق الطعام، لكنّني أقدّر الوجبة الشهيّة، لذا أردتُ تجربة مذاقات جديدة، وهذا ما فعلته. بعد الظهر، توجّهتُ إلى “جنة آلاء”، وهي وجهة محلّية محبوبة تشتهر بأسلوبها الخاص في إعداد الخضار المقلية بعناية فائقة وبساطة متناهية.”

الهروب إلى الطبيعة
وفي يومها الأخير، وجدت هلا خيّاط نفسها مدفوعة للذهاب خارج حدود المدينة. فلطالما كانت تكمن إحدى الميزات الكبرى لدمشق في مدى السرعة التي يمكنك بها الهروب إلى أحضان الطبيعة. وفي غضون أقلّ من ثلاثين دقيقة، وصلت إلى عين الفيجة، النبع التاريخي للمياه التي روت دمشق عبر أجيال. وتخبرنا: “هناك، توقّفنا عند مكان رائع وبسيط للغاية يُعرف باسم “الشادروان”، حيث تبدو فكرة المطعم هناك ثانوية مقارنة بطبيعة التجربة نفسها. إذ يُشجَّع الزوار في كثير من الأحيان على إحضار طعامهم الخاص والاسترخاء تحت ظلال الأشجار.”

وتختتم هالة خياط حديثها قائلة: “لقد كشفت لي هذه الرحلات عن جانب آخر لدمشق المعاصرة. إذ ثمة شغف متجدّد باللقاء والتجمّع. فالعائلات تعود إلى المطاعم، والأصدقاء يخرجون في نزهات بسياراتهم خلال عطلة نهاية الأسبوع، والمساحات العامة تستعيد ببطء دورها كأماكن تجمّع واحتفال. وبعد هذه الأيام الغنيّة والمكثفة، تذكّرت أنّ ما يجعل دمشق آسرة اليوم ليس فقط إرثها التاريخي، بل أهلها وشعبها.”








