تبرز الاستدامة اليوم كأحد المحاور الأساسية التي تعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع في المملكة العربيّة السعوديّة، وذلك بالتوازي مع ارتفاع لافت لدور المرأة في مختلف القطاعات، حيث تمثّل النّساء السعوديّات اليوم نحو 63% من القوى العاملة. ومع تزايد حضورهنّ في سوق العمل، تعيد النساء اليوم صياغة مفاهيم الإنتاج والابتكار لا سيّما من منظور أكثر وعياً بالبيئة والثقافة. من ريادة الأعمال إلى الصناعات الإبداعية مروراً بالأزياء والجمال، يتنامى تأثير دور المرأة السعودية في القطاع الخاص والعام. في هذا الإطار، نسلّط الضوء في هذا التحقيق على رؤية ريم عبدالغني فيما يخص سوق العمل ودفع عجلة الاستدامة.
Reem Abdulghani: “هذا التوازن بين الهويّة والابتكار هو ما أستكشفه في عملي الخاصّ، وهو ما سيشكّل مستقبلاً أكثر وعياً واستدامة.”

ريم عبدالغني مصمّمة أزياء وفنّانة تطريز سعودية، تستكشف في أعمالها التقاء التراث والمشاعر والأنوثة المعاصرة. هي تبتكر قطعاً فريدة ومطرّزة يدوياً تمزج بين الفنّ والهدية والموضة. ترتكز تصاميمها على مبدأ سرد القصص، فتحمل كلّ قطعة حكاية مستوحاة من الثقافة السعودية، والتحوّلات الشخصية، وجمال الحرفية اليدوية المتأنية. وهي تتميّز بتقنيات تطريز فريدة وأسلوب جماليّ تعبيريّ، تعكس من خلالها التزاماً عميقاً بالاستدامة عبر التصميم الهادف والاستمرارية والارتباط العاطفي. فيما يلي، نسألها عن ترابط الاستدامة والفنّ في أعمالها.
نبدأ حوارنا مع ريم عبدالغني بسؤالها عن تعريف الاستدامة في عملها بما يتجاوز حدود المواد. بالنسبة إليها، تصبح الاستدامة مرادفاً للاستمرارية؛ حيث توضح قائلة: “أصمّم قطعاً وُجدت لتدوم أطول من المواسم العابرة؛ قطعاً تستطيع المرأة اكتشافها مجدداً بعد سنوات، وتظلّ تشعر بذات الحماس لارتدائها والاحتفاء بها والارتباط بها. هذه الاستمراريّة العاطفية هي، في نظري، أصدق صور الاستدامة. أعمالي متجذّرة في الأناقة، لكنّها تحمل دائماً لمسة غير متوقّعة تُبقيها نابضة بالحياة. أؤمن أنّه عندما تحمل القطعة مزيجاً من الرقي وحسّ المرح، فإنّها تصبح شيئاً تحتفظ به المرأة بدلاً من استبداله. ومن هذا المنطلق، لا تتعلّق الاستدامة بما نستخدمه فحسب، بل بابتكار قطع تبقى ملائمة، وقيّمة، ومرغوبة مهما مرّ عليها الزمن.”
تؤمن المصمّمة السعوديّة بأنّ التطريز اليدوي هو في جوهره شكل من أشكال الاستدامة الخفيّة، وتوضح ذلك بقولها: “إنّه يقاوم الإنتاج الضخم، ويكرّم الوقت، والمهارة، واللمسة البشرية. كلّ غرزة تحمل طابعاً خاصاً لا يمكن للآلات محاكاته. عندما تُصنع القطعة يدوياً، تكتسب قيمة مضاعفة بشكل طبيعي، ليس فقط من الناحية المادّية، بل من الناحية العاطفية أيضاً. وهذه القيمة العاطفية هي ما يجعلها تدوم.”
تبنّي نهج أبطأ وأكثر وعياً في التصميم
كيف توازن المصمّمة بين التصميم الفاخر والمسؤولية تجاه البيئة؟ تشرح لنا قائلة: “الفخامة والمسؤولية البيئية ليستا فكرتين متناقضتين، بل إنهما تكمّلان بعضهما البعض بشكل طبيعي. فالفخامة الحقيقية متجذّرة في الجودة، والحرفيّة، والاستمراريّة. وعندما نُصمّم القطع بعناية وإتقان، فإنّها تبتعد عن كونها قابلة للاستبدال لتصبح قطعاً تدوم وقد تتوارثها الأجيال. من خلال تبنّي نهج أبطأ وأكثر وعياً في التصميم، تتقلّص الحاجة للاستبدال المستمرّ. ومن هذا المنطلق، يصبح دعم الموضة البطيئة فعلاً بيئياً؛ لأنه يحدّ من الهدر ويتحدّى دورة الاستهلاك الموقّتة. فعندما تُصنع القطعة بعناية، يتمّ ارتداؤها بعناية أيضاً، وهنا تلتقي الفخامة بالاستدامة.”
في أعمالها، لا يوجد خطّ فاصل بين الموضة والفنّ؛ فهما بالنسبة إليها وجهان لعملة واحدة. توضح لنا قائلة: “كلّ قطعة أبتكرها، مهما كان حجمها، هي تعبير فنّي تشكّله المشاعر. لا أتعامل مع التصميم كعمليّة ثابتة، بل كرحلة تتطوّر يوماً بعد يوم، بإلهام ممّا أشعر به وما أريد التعبير عنه في تلك اللحظة. لهذا السبب، كلّ ابتكار هو نسخة فريدة؛ فلا توجد قطعة تشبه الأخرى في كافة خطوط إنتاجي، سواء كانت عملاً فنياً، أو هدية، أو قطعة أزياء. أنا أشتهر بابتكار قطع فريدة وخالدة تحمل عمقاً عاطفياً واستمرارية. وهذا ما يظهر في أعمالي الأخيرة؛ بدءاً من الأعمال الفنّية المطرّزة الضخمة لـ Aroya Cruises، وصولاً إلى اللوحات الشخصية للعائلة المالكة السعودية في فندق باب سمحان في الرياض، واللوحات الشخصية للعائلة المالكة الإماراتية التي ابتكرتها لـKidzink.” وتضيف: “إلى جانب هذه الأعمال، أنا أصمّم قطعاً خاصّة للفيلات الفخمة ونخبة من الشخصيات المرموقة، بالإضافة إلى ابتكارات الأزياء التي ارتدتها شخصيّات بارزة مثل مريم مصلي، هيا صوان، والممثّلة السعودية فاطمة البنوي. وما يبقى ثابتاً في كلّ هذه الأعمال هو النهج؛ فسواء كان عملاً فنّياً ضخماً يحتفي بالتراث السعودي ليُعرض على متن يخت فاخر، أو قطعة صغيرة ملوّنة تزيّن زاوية منزل شخص ما، فأطوّر كلّ عمل بذات المستوى من الوعي والحرفية والتعبير العاطفي. وأكثر ما يعني لي هو تفاعل الناس مع أعمالي. فكثير من العملاء، حتى ممّن يكتشفون أعمالي للمرّة الأولى، يصفونها ببساطة بأنّها “فنّ”. كما يخبرني آخرون أنّهم يشعرون بشيء أعمق، بأنّ هذه القطع تتّسم بجوهر نابض بالحياة. سماع ذلك، وخاصّة من أشخاص لا يعرفونني شخصياً، يؤكّد لي أنّ ما أبتكره يتجاوز الشكل، ليصبح صلة وشيئاً يُحسّ قبل أن يُرى. وهنا تحديداً، تتحوّل أعمال Breem إلى فنّ.”
شعور قويّ بالفخر بالهوية السعودية
تؤمن ريم عبدالغني بأنّ الجيل القادم من السيدات السعوديات سيقود بعقليّة ترفض الفصل بين النجاح والهدف؛ وتوضح ذلك قائلة: “إنهنّ يبنينَ فرصاً تستجيب للاحتياجات الإنسانية الحقيقية، ويتجاوزنَ الأطر التقليدية. ما يميّزهنّ هو الوعي بالأثر، وبجودة الحياة، وبأهمية المعنى فيما يبتكرنَ. وفي الوقت ذاته، هنَّ مرتبطات جداً بتراثهنّ؛ فهناك شعور قويّ بالفخر بالهوية السعودية، يُعبَّر عنه بأسلوب حديث يواكب العصر ويتماشى مع رؤية المملكة للمستقبل. هذا التوازن بين الهوية والابتكار هو ما أستكشفه في عملي الخاصّ، حيث أعيد تفسير الزخارف السعودية التقليدية من خلال تصاميم معاصرة وتقنيات تطريز يدوي، لابتكار قطع تبدو متجذّرة في الماضي ومتطلّعة نحو المستقبل في آنٍ واحد. هذا التوازن هو ما سيشكّل مستقبلاً أكثر وعياً واستدامة.”
تريد ريم عبدالغني أن تترك وراءها أكثر من مجرّد أشياء، تريد أن تترك شعوراً. فإرثها الحقيقي هو ترسيخ فكرة أنّ الجمال يمكن أن يكون قيّماً، وأن التراث يمكن أن يتطوّر، وأنّ المرأة قادرة على التعبير عن نفسها بكلّ حرية وثقة. وإذا استطاع عملها أن يجعل المرأة تشعر بارتباط عميق بذاتها، وبقصتها، وبجذورها التي تنتمي إليها، فهذا هو الإرث الذي تأمل في بنائه.





