في ظلّ الأوضاع التي عاشتها مؤخّراً منطقتنا المعروفة بالاستقرار والديناميكية، وبين تسارع الأحداث عالمياً وإقليمياً، قد يتسلّل شعور بالقلق والترقّب إلى تفاصيل حياتنا. حيث يتجسّد في تغيّر الإيقاع اليومي للحياة، وفي طريقة تفاعلنا مع من حولنا، وفي بحثنا المستمرّ عن التوازن والطمأنينة. وفيما قد تحاول كلّ منّا إيجاد طريقتها الخاصة للتأقلم والتكيّف، تبرز خطوات صغيرة لتحسين جودة الصحة النفسية، وزيادة قوّة الروابط الإنسانية والدعم المجتمعي. في هذا الإطار، نسأل الدكتورة صالحة أفريدي الأخصائيّة في علم النفس الإكلينيكي والمؤسس الشريك ومدير عام مركز لايت هاوس آرابيا للصحة النفسية عن تأثير حالة عدم اليقين على الصحة والنفسيّة وتمارين التوازن والإستراتيجيات الواقعية والقائمة على الأدلّة العلمية التي يمكن لتحسين وتحصين الصحة النفسيّة.
Dr. Saliha Afridi: “علينا أن ننظر إلى المجهول كشيء يمكننا التعامل معه وتحمّله.”

حالة عدم اليقين هي من أصعب الحالات التي قد يمرّ بها الإنسان، تؤكّد الدكتورة صالحة أفريدي. وتشرح: “يفضّل معظم الناس مواجهة حقيقة صعبة على العيش في المجهول. فعندما تطول حالة عدم اليقين، لا يستقرّ الجهاز العصبي تماماً، بل يبقى في حالة استنفار جزئي؛ يرصد، ويتوقّع، ويستعدّ. هذا النوع من “اليقظة الخلفية” المستمرّة يستنزف الموارد الإدراكية والعاطفية والجسدية. الأمر يشبه تماماً بحث هاتفنا المستمرّ عن شبكة Wifi للاتصال بها لكنه لا يجد واحدة؛ ممّا يؤدي في النهاية إلى نفاد البطارية. إنّ عدم اكتمال دورة التوتّر ينهك قوانا. ولهذا السبب يشعر الناس في بداية الأزمات بالتيقّظ والاندفاع، ومع مرور الوقت، يبدأ الشعور بالإرهاق والاستنزاف.” وبالنسبة للنساء اللواتي يوازنّ بين أدوار متعدّدة – العمل والمنزل والرعاية والجهد العاطفي – فإنّ هذا التأثير يكون مضاعفاً. إذ تقلّ القدرة الذهنية اللازمة لاتخاذ القرارات والتركيز، ينحسر الصبر وتتراجع الطاقة العاطفية، يزداد العبء الذهني، خاصة عند محاولة التخطيط دون الحصول على معلومات واضحة. وغالباً ما يكون هناك ضغط للاستمرار في الأداء بالمستوى المعتاد، رغم تضاؤل القدرة الفعلية. ومع الوقت، قد يؤدّي ذلك إلى الشعور بالإجهاد، وسرعة الانفعال، والقلق، واضطراب النوم، وإحساس دائم بالتوتر “.
تشاركنا الدكتورة صالحة أفريدي بعض الاستراتيجيات الواقعية والقائمة على الأدلّة العلمية، والتي يمكن للنساء اتباعها لتحسين جودة النوم خلال الفترات العصيبة، حيث تقول: “يُعدّ الالتزام بروتين محدّد للنوم أمراً بالغ الأهمية في الأوقات العادية، وتزداد أهميته في الأيام الصعبة. فعندما ننال قسطاً كافياً من الراحة، نصبح أكثر قدرةً وجاهزية لمواجهة تحديات اليوم. إليك بعض الخطوات العملية: التوقف عن تناول الكافيين بعد العاشرة صباحاً، أخذ حمّام ساخن قبل النوم، والحفاظ على برودة الغرفة بحيث تتراوح حرارتها بين 16 و19 درجة مئوية. كما يمكن الاستعانة بشاي البابونج أو مزيج الأعشاب المهدئة لإرخاء العقل والجسد، والنظر في تناول غليسينات المغنيسيوم. وأخيراً، أنصح بممارسة تمارين التنفّس لمدة خمس دقائق (مع التركيز على الزفير الطويل) بالتزامن مع تمارين التمدّد طويلة الثبات.”
بناء ثقة داخلية بأنّك قادرة على التكيّف والتأقلم
وعند سؤالها عن تمارين التوازن والثبات أو التنفّس التي تحدث فارقاً حقيقياً في لحظات التوتّر الحاد، توضح لنا قائلة: “بكل تأكيد؛ تُعدّ تمارين التوازن والثبات أثناء نوبات التوتّر الحاد من أكثر الوسائل المتاحة فعالية، فهي تساعد في نقل الجهاز العصبي من حالة الاستنفار ورد الفعل إلى حالة أكثر استقراراً وسهلة التحكّم. الهدف هنا ليس الوصول إلى الهدوء التام، بل تقليل حدة المشاعر لتصبح أسهل في التعامل معها. ومن تقنيات التنفس الفعّالة جداً ما يُعرف بالتنهّد الفسيولوجي، ويتمّ عبر: أخذ نفس عميق من الأنف، يتبعه نفس ثانٍ قصير (لضمان تمدّد الرئتين بالكامل)، ثم إطلاق زفير طويل وبطيء من الفمّ. إن تكرار هذه العملية لمرتين أو ثلاث كفيل ببدء خفض حدة استجابة الجسم للتوتّر.” وتضيف الدكتورة: “يمكنك أيضاً دمج أساليب بسيطة للتوازن والثبات، مثل: ضغط القدمين بقوة على الأرض، أو تأمّل المحيط والبحث عن أي علامة تشعرك بالأمان، أو الإمساك بشيء بارد أو ذي ملمس مميز لإعادة تركيز الانتباه إلى الجسد.”
وتؤكّد الدكتورة صالحة أفريدي أنّ ما يمنح المرء الثبات ليس السيطرة على كلّ ما يدور حوله، بل استشعار الثبات في أعماقه، فتقول: “إذا كان شعورك بالرفاه رهناً بظروف خارجية مستقرّة، فإن أبسط تغيير في الخطط قد يربك توازنك. لذا، من الضروري بناء ثقة داخلية بأنّك قادرة على التكيّف والتأقلم، مهما حدث.” بالنسبة لها، لا تُعدّ المرونة مهارةً نفعّلها فجأةً عند وقوع الأزمات، بل هي نتاج ممارسات بسيطة ومستمرّة. ومن هنا، تقترح بضع ممارسات يومية، للأطفال أيضاً، لبناء هذه المرونة في أوقات عدم اليقين، وهي ممارسات أحدثت فارقاً ملموساً في حياتها وحياة مرضاها:
تحريك الجسد
تُعدّ الحركة من أكثر الطرق فعالية لضبط إيقاع الجهاز العصبي؛ فهي بمثابة مضاد طبيعي للقلق والاكتئاب، وتساعد في تفريغ شحنات التوتّر وإعادة التوازن للعقل والجسد.
البقاء على اتصال بأشخاص يمنحونك الأمان
إنّ طبيعة الأشخاص المحيطين بك تشكّل فارقاً جوهرياً. في الأوقات غير المستقرة، حاولي الحدّ من التواصل مع الأشخاص الذين يميلون للتهويل، أو كثرة التكهّنات، أو تصوير الأمور بمنظور كارثي. وبدلاً من ذلك، ابحثي عمّن يتمتّعون بالثبات، والاتزان، والقدرة على الطمأنة.
استخدام لغة بسيطة ومطمئنة
إنّ الكلمات التي نوجّهها لأنفسنا تشكّل كيفية استجابتنا للتوتّر. لذا، فإن العبارات البسيطة مثل “أنا قادرة على مواجهة الصعاب” أو “أنا في أمان في هذه اللحظة”، تساعد في تهدئة وتثبيت الكبار والصغار على حدّ سواء عندما تكثر الضغوط من حولهم.
بناء القدرة على تحمّل الانزعاج
المرونة لا تعني تجنّب الصعوبات، بل تكمن في إدراك قدرتك على تجاوزها. ذكّري نفسك وأطفالك بأنّ اللحظات القاسية يمكن مواجهتها؛ فأنت تملكين القدرة على التكيّف، وحتى إن شعرت بأنّ هذه القدرة محدودة الآن، فيمكن تعزيزها وتطويرها مع الوقت.
وتختتم الدكتورة صالحة أفريدي رسالتها إلى المجتمع في دولة الإمارات العربية المتحدة قائلة: “نحن نعيش في عالم يفيض بالمعلومات، ممّا خلق لدينا شعوراً زائفاً بالسيطرة واليقين. والحقيقة هي أنّ الحياة بطبيعتها غير مضمونة؛ فقد نضع أكثر الخطط دقة وإحكاماً، ومع ذلك ستمضي الحياة في مسارها الخاص. تذكروا لحظة باغتتكم فيها الحياة بمفاجأة أو صدمة غير متوقّعة؛ لم تخططوا لها، لكنكم واجهتموها، وعبرتموها، وأصبحتم اليوم أكثر قدرة وقوة بفضلها. إن علاقتنا مع المجهول يجب أن تتغير. علينا أن ننظر إليه كشيء يمكننا التعامل معه وتحمّله. هل الأمر صعب؟ نعم، هو كذلك. ولكن، هل أنتم قادرون على مواجهة الصعاب؟ نعم.”







