منال الضويان تحوّل الذاكرة الفرديّة والجماعيّة إلى مادة فنية نابضة بالحياة
- 20.11.2025
- إعداد: أرزة نخلة
Manal AlDowayan : "ذكرى" هي قصيدة نَثْرٍ تُهدى للأرشيف النسائي.
تحوّل الفنّانة السعوديّة منال الضويان الذاكرة الفرديّة والجماعيّة إلى مادةٍ فنية نابضة بالحياة. فالفنّ بالنسبة لها أداة للمساءلة والتوثيق في آنٍ واحد، تعيد من خلاله صياغة القصص بلغة تجمع بين الرمزية والدقة البصرية. في "ذكرى"، وجدت الإلهام مباشرة من مشاهد العلا الطبيعية، من النقوش الصخرية القديمة إلى عمارة المنازل التقليدية، حيث أصبحت هذه الأشكال بمثابة المفردات البصرية للسرد الذي كانت تبنيه مع مصمّم الرقص العالمي أكرم خان، وارتبط كلّ شكل منها بشكل حميم بقصص الشخصيات التي كونتها لـ"ذكرى". تابعينا في ما يلي حيث تشاركنا المزيد عن هذا العمل الرائع، الذي تحتل فيه الأزياء والرموز والأشكال الهندسيّة مكانة محوريّة.

التصوير : venicedocumentalproject
كيف ألهمتك طبيعة العلا نفسها لتحقيق رؤيتك لهذا العمل؟
تماماً كما يحاول علماء الآثار تجميع تاريخ العلا من خلال الأدلة المادية، نحن كفنانين أتينا لتجميع روايتها العاطفية والحسية. لم تكن طريقتنا علمية، بل كانت قائمة على التشرب والانغماس في كل ما هو العلا. قضيتُ أنا وأكرم خان وقتاً طويلاً في هذه البيئة، وأجرينا حوارات مطولة، واستوعبنا تواريخها المتعددة الطبقات، وخضنا تجربة الاحتكاك المباشر بنباتاتها وحيواناتها. تحدثنا مع أهل العلا، ودخلنا منازلهم، واستمعنا لقصص ارتباطهم الشخصي بهذه الأرض، وذلك كله قبل أن نبدأ حتى في تكوين "ذكرى". من خلال هذه التجربة، وصلنا إلى إدراك عميق: العلا ليست مجرد خلفية. إنها شخصية رئيسية في هذا العمل. صمت الصحراء هناك ليس فراغاً؛ إنه ممتلئ بالهمسات. مشاهدها الطبيعية المهيبة هي شهادات على الزمن، على حضارات قامت واندثرت، لكن آثارها بقيت. هذا ما ألهم الفكرة الأساسية لـ “ذكرى": التذكّر. أثناء سيرك في العلا، تشعر بطبقات الزمن. أردنا لهذا العمل أن يجسد ذلك الإحساس بالضبط، التراب، وملمس الصخور، واتساع السماء. في النهاية، كانت العلا هي من علّمت هذا العمل كيف يتنفس.
ما هي الذكرى أو الذاكرة التي يسعى هذا العمل إلى إحيائها؟
يَسعى هذا العمل، بدرجة أقل، إلى إحياء ذكرى مُعيّنة ومحددة، بل يُعيد إلى الأذهان، بشكل أكبر، فِعل التذكُّر بحد ذاته، وخاصة الذاكرة الجماعية التي تحتفظ بها النساء. فهو يتناول الذكريات التي لم تُدوَّن في كتب التاريخ، لكنها نُقشت بالحنّاء على الجسد، في الأغاني التي تُغنى، في الأشكال المنسوجة في السدو، وفي القصص التي تُحكى في المجالس النسائية. "ذكرى" هي قصيدة نَثْرٍ تُهدى للأرشيف النسائي. نحن نُحيي ذكرى اللقاء، ذكرى العمل المشترك، ذكرى الصمود الهادئ الذي نسج نسيجنا الاجتماعي. إنه نُصُب تذكاري للتراث الغير مادي.
تلعب النساء دوراً محوريّاً في العرض، ماذا تكشف تلك الشخصيات عن طابع العمل؟
النساء هُنَّ العمل. لسن مجرّد راقصات يمثلن فكرة؛ بل هُنَّ التجسيد الحي للسرد. حضورهن يظهر أن هذا العمل يدور حول الإرث، ونقل الثقافة من جيل إلى آخر. حركاتهن، التي تم تطويرها في ورش العمل مع فريق أكرم المتميز، ليست رقصاً تقليدياً، بل لغة جسدية مستمدة من تجربتهم النسوية وقصصهن الشخصية: من فعل العناية، وحمل العبء، والمواساة، والاحتفال. هذا يظهر العمل كعملية تعاونية عضوية. ليس شيئاً مفروضاً عليهن، بل شيئاً مُستخرجاً منهن. تمركزهم في قلب هذا الأداء تخبرك أن هذه القصة تُحكى من الداخل، بصدق وقوة.
ما أهميّة مشاركة المجتمع الحرفي المحليّ لمدينة العلا في هذا العمل، خصوصاً لجهة دمج التقنيات الحرفية التقليدية مع اللغة البصرية المعاصرة؟
هذا الدمج هو نبض قلب المشروع. فمنذ وقت طويل، ظل "التقليدي" و"المعاصر" في مواجهة خاطئة. لكن في الحقيقة، التراث مادة حية تتنفس. كان العمل مع الحرفيات والحرفيين المحليين أساسياً لترسيخ المشروع في الواقع. تقنياتهم مثل نسج "السدو" وحرفة الخوص (نسج ورق النخيل)، واستخدام الأصباغ الطبيعية المستخرجة من البيئة، واستخدام الطين لصنع الأوعية الخزفية، هذه كلها لغات بصرية متطورة. بدمج هذه التقنيات ضمن حوار مع مشهد أدائي وبصري معاصر، نحن نقوم بأمرين: نكرّم ونحافظ على إتقانهم، ونُعلن بوضوح أن لغتهم ليست من الماضي؛ بل هي ذات صلة عميقة وقادرة على التحدث إلى العالم اليوم. إنه احتفاء بحقيقة أن تراثنا الثقافي هو منبع مستمر للابتكار.
ما الذي يتغيّر بين عرض هذا العمل في فضاء العلا وفي مسارح أخرى حول العالم، وهل من وقع مختلف على الجمهور؟
في العُلا، يكون العمل في حوار مع منبعه. هواء الصحراء، والنجوم، والصمت، كلها جزء من الأداء. يشعر الجمهور بالذاكرة في الأرض نفسها؛ إنها تجربة غامرة، تكاد تكون مقدسة. العمل ينتمي إلى هناك. عندما يسافر العمل إلى مسرح مغلق في لندن أو باريس، يتحول إلى حلم مُعلَّب. إنه يحمل الصحراء في داخله كسرٍّ مخفي. يتلقى الجمهور في تلك العواصم العمل كقصة قوية مكتملة بذاتها، لكنهم يقابلون "الذكرى" بعيداً عن موطنها. التأثير هناك يركّز ربما أكثر على المواضيع الإنسانية العالمية مثل الفقدان والتذكر، بينما في العُلا، يكون الأمر أيضاً عن المكان وروحه الفريدة. كلا التجربتين قويتان، لكنهما نوعان مختلفان من اللقاءات.
كيف يجسّد هذا العمل برأيك طريقة سرد جديدة للأعمال الفنيّة السعوديّة؟
ينقل هذا العمل السرد من مجال الشرح إلى مجال التجربة. لطالما كان هناك ضغط لتفسير ثقافتنا وترجمتها. لكن "ذكرى" لا تشرح، بل تستحضر. إنها تثق في البصري، وفي الجسدي، وفي العاطفي. هي تنسج معاً أصواتاً متعددة: فني البصري، وأكرم في الإخراج الحركي، وأيادي الحرفيين، وأجساد المؤدّين، والأرض نفسها، لتخلق قصة متعددة الأصوات. هذه طريقة جديدة في السرد: غير خطية، وجماعية، وحسية بعمق. إنها تظهر أن قصصنا يمكن أن تُحكى من خلال لغة الفن والأداء المعاصر المتطورة، قائمة بذاتها، تدعو العالم إلى الشعور والاتصال بدلاً من الفهم وحده.
إقرئي أيضاً: الفنانة الإماراتية المها جارالله تعرفي إليها معنا