حين يصبح فنّ الطهي إطاراً ثقافياً: تأمّلات من الجونة

حين يصبح فنّ الطهي إطاراً ثقافياً: تأمّلات من الجونة
27 يناير 2026 إعداد: ماري كلير العربية

الإعداد: Allegra Salvadori

في عالمنا اليوم، لم يعد تقييم الوجهات الفاخرة يعتمد على الضخامة أو الإبهار، بل على التناسق. فالهندسة والاستدامة والضيافة والبرامج الثقافية لم تعد مجالات متوازية، بل بات من المتوقّع أن تعمل كمنظومة واحدة متكاملة. ومن هذا المنطلق، كانت تجربتي في الجونة خلال مبادرة “35 نكهة من الجونة”، وهي فعالية متخصصة في فنّ الطهي بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس المدينة.

ما ميّز هذه التجربة لم يكن مجرد استضافة طهاة عالميين أو استخدام مكوّنات نادرة، بل كيفية تقديم فنّ الطهي؛ ليس كأداة للترفيه، بل كإطار فكريّ وثقافيّ صاغت المدينة من خلاله قيمها.

لطالما قاومت الجونة ثقافة المبالغة والإفراط؛ فجاءت لغتها العمرانية هادئة، وإيقاعها المكانيّ متوازناً، وعلاقتها بالبيئة المحيطة مدروسة بعناية. هذا الضبط والاعتدال وفّرا الظروف المثالية لبرنامج طهي يسعى إلى المعنى قبل الظهور والشهرة.

 تأمّلات من الجونة

الطعام كمنهج، لا كاستعراض

استمرّ الحدث على مدار عدة أيام من خلال سلسلة من اللحظات المدروسة بعناية – من عشاءات وحوارات ولقاءات غير رسميّة – ابتعدت في مجملها عن منطق الاستعراض. وبدلاً من ذلك، كان التركيز منصباً على العمليّة: كيف يتم الحصول على الطعام، كيف يتم احترام النظام البيئي، وكيف يمكن للتبادل الثقافي أن يحدث دون أن يفقد جوهره.

كانت لحظة محوريّة في تجربتي حواري مع الشيف Norbert Niederkofler، الذي طالما تحدّت فلسفته المعروفة بـ Cook the Mountain القواعد التقليدية للطعام الفاخر. إن إصراره على الالتزام الصارم بالمنتج المحلّي، والموسميّة، ومبدأ عدم إهدار أي شيء، يعيد صياغة فنّ الطهي كنظام أخلاقي بدلاً من كونه مجرّد ترف إبداعي. وفي الجونة، لم تبدُ هذه الفلسفة غريبة أو رمزية فحسب، بل جاءت متناغمة بعمق مع البيئة المحيطة.

يتّسم نهج Niederkofler بالدقة، بل وحتى بالصرامة، ولكن هذه القيود هي تحديداً ما يتيح مجالاً للابتكار. وعند تطبيق هذا النهج على وجهة سياحية، فإنه يطرح سؤالاً أعمق: هل يمكن أن تتواجد الرفاهية بعيداً عن الاستيراد أو الإسراف أو السرعة؟ يبدو أن الجونة تتناول هذه المسألة بجدية استثنائية.

أكلات من الجونة

البنية التحتية قبل السرد

ما يمنع هذا الاستكشاف من التحوّل إلى مجرّد كلام هو البنية التحتية. فمن خلال حديثي مع محمد عامر، الرئيس التنفيذي لمدينة الجونة وعضو مجلس الإدارة التنفيذي لشركة Orascom للتنمية في مصر، أصبح من الواضح أن الاستدامة هنا ليست توجهاً حديثاً، بل هي واقع تشغيلي قائم منذ زمن بعيد.

أنظمة إعادة التدوير، وإنتاج الطاقة الشمسية، والتنقّل الكهربائي، والزراعة المحلّية؛ كل هذه العناصر ليست أهدافاً مستقبلية، بل هي آليات قائمة بالفعل. وفي هذا السياق، يصبح فنّ الطهي تعبيراً مرئياً عن أنظمة موجودة مسبقاً. هذا الانعكاس في المفاهيم هو أمر جوهري؛ فبدلاً من استخدام الاستدامة لتبرير الرفاهية، تترك الجونة للاستدامة حرية تعريف هذه الرفاهية.

وقد وصف محمد عامر فنّ الطهي بأنه امتداد طبيعي لهوية المدينة وليس مجرد تسويق للعلامة التجارية. لم يكن التركيز منصباً على جذب جمهور عالمي من خلال ابتكارات جديدة، بل على تلبية الطلب المتزايد على الأطعمة العضوية، قليلة الهدر، والمرتبطة بالجذور الثقافية – من دون التضحية بالأناقة والرقي.

نوع مختلف من الرفاهية

واتبعت وجبات العشاء – ولا سيما تلك الأمسية في مطعم Botanica، القائم على الزراعة المائية في الجونة – هذا النهج ذاته. ففي قلب دفيئة زراعية، وبينما تحيط بك المحاصيل من كل جانب، كانت التجربة بعيدة عن التكلف المسرحي؛ إذ سمح غياب الشرح المفرط للأطباق بأن تتحدث عن نفسها بلغة البساطة.

ولم تكن النتيجة مجرد سلسلة من الأطباق الاستثنائية، بل كان طرحاً فكرياً متسقاً: وهو أن الرفاهية اليوم يمكن أن تكون هادئة، ومنضبطة، ومتجذّرة؛ وأن بإمكانها أن تعطي الأولوية للاستمرارية بدلاً من التغيير.

ولم يقتصر هذا التوجه على فنّ الطهي فحسب، بل امتدّ ليشمل إعلانات La Maison Bleue Residences، المستوحاة من الفندق الحائز على مفتاح ميشلان؛ حيث لم تُقدم كجزء من توسع تجاري، بل كاستمرارية ثقافية. كانت اللغة المستخدمة لغةً حذرة، تكاد تكون وقائية، لتعزز فكرة أن النمو هنا هو نمو انتقائي وليس توسعاً عشوائياً.

اقرئي ايضًا:اشهى اكلات افطار رمضان من مختلف المطابخ العربية

اكل من الجونة

نحو نموذج سياحي بعيد عن الاستعراض

لا تكمن أهمية الجونة في ما تقدّمه من خدمات فحسب، بل في الطريقة التي تطرح بها نفسها ضمن مشهد عالمي متغيّر. فمع تزايد بحث المسافرين ذوي الدخل المرتفع عن وجهات ذات مضمون فكري وأخلاقي، تبرز الأماكن التي تتبنى نهج التناغم بدلاً من المبالغة كوجهات أكثر تأثيراً.

لا تحاول الجونة منافسة عواصم الرفاهية التقليدية، بل تقترح نموذجاً بديلاً؛ نموذجاً يكون فيه فنّ الطهي وسيلة للتفكير لا مجرد عرض، وتكون فيه الاستدامة واقعاً تشغيلياً لا مجرّد رمز، وتُعرّف فيه الرفاهية بالاتساق والقيم لا بالتراكم.

من هذا المنطلق، لم تكن مبادرة “35 نكهة من الجونة” مجرد فعالية، بل كانت رسالة واضحة. أشارت من خلالها إلى أن مستقبل الرفاهية على البحر الأحمر قد لا يكمن في الضخامة أو الإسراف، بل في الانضباط والاهتمام والوضوح الثقافي.

وإذا كانت الوجهات تُقيَّم اليوم بناءً على ما تكشفه عن أولوياتنا الجماعية، فإن الجونة تكشف عن أولوية لافتة، وهي أنّ الرفاهية، في أسمى صورها، لم تعد شيئاً يُعرض، بل قيمة تُدرك.

اقرئي ايضًا:افكار فطور رمضان في البيوت العربية: عادات ونكهات لا تُنسى

آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً