شــهر رمـضان كما نعيشــــه اليــــوم

شــهر رمـضان كما نعيشــــه اليــــوم
18 فبراير 2026 إعداد: أرزة نخلة

خبرة الدكتورة ريم طارق المتولي

في خلال شهر رمضان المبارك، لا يتغيّر الروتين اليومي فحسب، بل تتبدّل علاقتنا بذواتنا. بين هدوء الصيام ودفء الإيمان، نعود لتأمّل إيقاع حياتنا، وتوازنها، ومساحتنا الروحية وسط مسؤولياتنا المتعددة. في هذا التحقيق، نلتقي الدكتورة ريم طارق المتولي التي تشاركنا تجربتها والتقاليد التي تتّبعها على مدار هذا الشهر الفضيل، بين طقوس الطفولة التي شكّلت وعيها، ورمضان اليوم كما تعيشه بنضج مختلف، ووعي أعمق. ما هي التغييرات الملموسة التي يضفيها هذا الشهر على حياتها اليومية – جسدياً، وذهنياً، وروحياً، ومهنياً – وأيّ من هذه التغييرات تتمنّى لو يمتدّ أثرها لما بعده؟ بين العادات التي نشأت عليها وواقع المسؤوليات اليوم، يتحوّل هذا الشهر إلى مرآة تعكس التحوّلات العاطفية والروحية والمهنية التي تعيشها المرأة في منطقتنا، دون أن تفقد صلتها بجذورها.

Dr. Reem Tariq El Mutwalli : “رمضان هو زمن تُستعاد فيه الطقسية، حيث يتحول العادي إلى احتفال. “

لطالما شكّل الفنّ والتصميم محوراً أساسياً في حياة الدكتورة ريم طارق المتولي. فمنذ طفولتها، نشأت مؤسِّسة مبادرة “زيّ” على تقديرٍ كبير للجمال، وهو ما انعكس بوضوح على مساراتها المهنيّة والشخصيّة. وقد بدأت مسيرتها الأكاديمية بدراسة التصميم الداخلي بالإضافة إلى العمارة الإسلامية والفنون والآثار. وقد تحوّلت هذه الروابط المبكرة مع الفنّ والثقافة إلى شغفٍ رافقها طوال حياتها ودفعها إلى البحث العلمي والعمل الإبداعي، وصولاً إلى تأسيسها لـ “مُبادرة زي” بهدف الحفاظ على الأزياء العربية والتراث الثقافي والاحتفاء بهما. وفي ما يلي نسأل الدكتورة ريم طارق المتولي عن العادات التي تتّبعها خلال الشهر الفضيل.

التصوير: Maximilian Gower

التنسيق: Leen Abdulrahim

الشعر والمكياج: Nasiba

“حين أستدعي رمضان الطفولة، يطلّ عليّ بوصفه نسيجاً حياً من ازدواجٍ شفيف. فأنا عراقيةُ المولد، إماراتيةُ النشأة، عشت بين مكانٍ لم أسكنه وذاكرةٍ لم تغادرني. كان رمضان يصلني عبر حكايات والديّ، بنكهة بغداد وروحها، فيما أواكب تشكّل العادات الإماراتية من حولي، منذ عام 1968 وحتى اليوم”، بهذه العبارات المؤثّرة تصف الدكتورة ريم طارق المتولي ذكرياتها عن الشهر الفضيل في طفولتها. وتتابع: “أذكر المطبخ وهو يتحوّل إلى فضاءٍ عامرٍ بالعطر، حيث تُعجن “الكليجة”، وهي حلوى عراقية تقليدية بالعجوة، بمحبةٍ تشبه طلاسم صلاة. طقسٌ حافظت عليه أمّي بوصفه خيطًا دقيقًا يصلها بجذورها البابلية، وقد كان لي لاحقًا أن أوثّقه باسمها في أرشيف مؤسسة السميثسونيان العريقة. هناك أدركت أنّ التراث لا ينجو بالحنين وحده، بل بيقظة الروح حين تُحيل الذاكرة أثراً. ومن تلك البذرة وُلدت “مُبادرة زي”. أكثر ما تعمدتُ حمله هو “العائلة المختارة”. حين يبتعد الوطن، تتحول العلاقات إلى مأوى. كان رمضان، ولا يزال، فعل اجتماع وانتماء. واليوم، يظل بيتي ومجلسي معبرًا مفتوحًا، تتقاطع فيه الاختلافات على مودةٍ وتأملٍ وتواصل.”

جذور ضاربة في عمق تاريخ بلاد الرافدين

أكثر التقاليد التي ما زالت تمنحها سكينة عميقة، تذكر الدكتورة ريم طارق المتولي طقس الشاي العراقي الذي يختتم موائد الإفطار. تشرح لنا: “إنّه شاي داكن قوي يُقدّم في “استكانات” زجاجية، معطر بالهيل، يعلن لحظة هدوء وتأمل بعد الطعام أو وقفة صامتة بعد الامتلاء. طقس بسيط في شكله، عميق في أثره. ما يرسخ في الذاكرة هو امتزاج الروائح، دفء الشاي يلتقي بعطر العود أو البخور المتسلل في الممرات. لحظة حسية واحدة، تعيد الطمأنينة إلى مكانها.” قبل أن تضيف: “هذا المشهد العطري يعكس هويتي، جذور ضاربة في عمق تاريخ بلاد الرافدين، وتكوين صاغته الحياة في الإمارات. تذكير بأن الوطن ليس جغرافيا فحسب، بل هو طقوس تصنع الأمان، والاستمرارية، والانتماء. وهذا الفهم يقف في صميم “مُبادرة زي”، حيث نتعامل مع كل قطعة لباس بوصفها وعاءً لتجربة معيشة، تحمل في طياتها ذكريات صامتة وغير مرئية، لكنها تمنحنا الإحساس بالثبات والبيت.”

وعن التغيرات التي يجلبها الشهر الفضيل إلى حياتها اليومية، تقول: “رمضان هو زمنٌ تُستعاد فيه الطقسية، حيث يتحول العادي إلى احتفال. مهنيًا واجتماعيًا قد يكون النهار هادئًا، لكن المساء يتحول إلى عرض حي للتراث والذاكرة. هو زمن يُحوّل العادي إلى طقس احتفالي. في “مُبادرة زي”، ننتقل من تقنيات العمل الأرشيفي إلى سرد الحكايات الإنسانية، وننصت لما خيط في الأقمشة من تجارب وأرواح. ذهنيًا، هو زمن وعيٍ متقد، أجدني فيه أكثر انتباهًا لجماليات تراثنا، لطريقة لباسنا، وللكيفية التي نقدم بها بيوتنا. جسديًا وذهنيًا، تتخذ الحياة إيقاعًا سلطانيًا، بطيئًا، متأنيًا، ومهيبًا.” وتتابع: “أتمنى بصدق أن تمتد هذه القصدية إلى ما بعد الشهر؛ أن نختار كلماتنا بعناية أكبر، وأن نزيّن فضاءاتنا بمحبة، وأن نتعامل مع كل لقاء إنساني بوصفه تبادلًا مقدساً. فأنا ارى ان هناك ارتقاءً نفسياً يحدث حين نعامل محيطنا ولباسنا بوصفهما احتفاءً بهويتنا.”

نشيد من الماضي، إيماءة إلى المستقبل

كيف يعيد إيقاع شهر رمضان اليوم تشكيل عالمها الداخلي كامرأة وقائدة، تؤكّد لنا مؤسِّسَة “مُبادرة زي:” “يفرض إيقاع رمضان سكونًا لطيفًا نادرًا لا أسمح به لنفسي بقية العام. كامرأة في موقع قيادة، يُتوقع مني دائماً الإصلاح، والإدارة، والتقدّم السريع. في رمضان، أُمنح إذنًا ضمنيًا بالتوقف، بالجلوس مع ذاتي بعيدًا عن صخب العالم الحديث، وأقرب إلى الجذور الأخلاقية لتراثي. ساعات ما بعد السحور تحمل لي معنى خاصًا. تخلق فضاءً تأمليًا خاصًا، يلتقي فيه الخشوع بالفكر والتأمل، دون استعجال. في تلك اللحظات، يلين فهمي للقيادة، وأتذكر أن القوة لا تنبع دائمًا من الفعل، بل من الهدوء، والحضور، والإنصات لمن نخدمهم وللتواريخ التي نحملها. هذا التحول يعيد تشكيل عالمي الداخلي، ويستعيد توازني العاطفي حين يذكرني بأنني لست فقط صانعة قرار أو مبدعة، بل أمينة على إرث يتجاوزني. هذا الإحساس بالتواضع يمنح صحتي الذهنية رسوخًا، ويتيح لي قيادة “مُبادرة زي” بمزيد من الصبر والوضوح والعناية.”

ونختتم بسؤالها كيف تعيد المرأة الخليجية اليوم تعريف هذا الشهر؟ فتجيبنا: “المرأة الخليجية، ومعها المرأة العربية عموماً، سواء من مواطنات دولة الإمارات أو المقيمات على أرضها، اليوم تعيد صياغة رمضان. فلم يعد رمضان طقسًا منزليًا خفيًا، بل منصة قيادة لبناء مجتمع، ونقطة انطلاق لخلق مجتمع ناضج ومتقدم. وباستخدام المجلس التقليدي كفضاءً للحوار الفكري والفن والعمل الخيري، نثبت أن قيمنا الموروثة ليست عائقًا أمام الحداثة، بل هي الأساس الذي يمكّننا من الحضور بأناقة على الساحة العالمية. وفي “مُبادرة زي” نلمس ذلك يومياً، من خلال نساء يعدن قراءة تاريخهن ليبنِين مستقبلهن. نحن إذاً نعيد تعريف الشهر بالتأكيد على أن التقاليد ليست التفاتًا إلى الوراء، بل بحركة واثقة إلى الأمام، نستعين فيها بإرثنا لنسج نسيج اجتماعي أقوى وأكثر شمولًا. فشعارنا: نشيد من الماضي، إيماءة إلى المستقبل …”

آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً