شــهر رمـضان كما نعيشــــه اليــــوم، خبرة صاحبة السمو الملكي الأميرة نورة الفيصل

شــهر رمـضان كما نعيشــــه اليــــوم، خبرة صاحبة السمو الملكي الأميرة نورة الفيصل
18 فبراير 2026 إعداد: أرزة نخلة

في خلال شهر رمضان المبارك، لا يتغيّر الروتين اليومي فحسب، بل تتبدّل علاقتنا بذواتنا. بين هدوء الصيام ودفء الإيمان، نعود لتأمّل إيقاع حياتنا، وتوازنها، ومساحتنا الروحية وسط مسؤولياتنا المتعددة. في هذا التحقيق، نلتقي صاحبة السمو الملكي الأميرة نورة الفيصل التي تشاركنا تجربتها والتقاليد التي تتّبعها على مدار هذا الشهر الفضيل، بين طقوس الطفولة التي شكّلت وعيها، ورمضان اليوم كما تعيشه بنضج مختلف، ووعي أعمق. ما هي التغييرات الملموسة التي يضفيها هذا الشهر على حياتها اليومية – جسدياً، وذهنياً، وروحياً، ومهنياً – وأيّ من هذه التغييرات تتمنّى لو يمتدّ أثرها لما بعده؟ بين العادات التي نشأت عليها وواقع المسؤوليات اليوم، يتحوّل هذا الشهر إلى مرآة تعكس التحوّلات العاطفية والروحية والمهنية التي تعيشها المرأة في منطقتنا، دون أن تفقد صلتها بجذورها.

HRH Princess Nourah Alfaisal: “ما أتمنّى أن يمتدّ إلى ما بعد هذا الشهر، هو هذا الوضوح في ترتيب الأولويات، والقدرة على إنجاز المسؤوليات بحضورٍ تامّ بدلاً من الوقوع تحت وطأة الضغط .”

صاحبة السمو الملكي الأميرة نورة الفيصل، مصمّمة مجوهرات ورائدة أعمال متميّزة، تعمل على صياغة المشهد الإبداعي والثقافي في المملكة العربية السعودية. وكانت قد أسّست علامة NUUN Jewellery في باريس، ومنصّة “أظلال” لدعم صناعة التصميم، مساهمةً بذلك في النهوض بالاقتصاد الإبداعي في المملكة بما يتماشى مع الرؤية 2030. وبصفتها الرئيسة التنفيذية لـArt of Heritage، تدافع سموّ الأميرة عن حماية الثقافة وإحياء الحرف اليدوية، في إطار تعزيز التراث الثقافي السعوديّ. وكقائدة حائزة على جوائز وطنية، تترك صاحبة السمو الملكي الأميرة نورة الفيصل بصمتها في مجالات التصميم، وتمكين الشباب، والسياسات الثقافية. في ما يلي، نسألها عن نمط حياتها خلال رمضان، وتقاليد هذا الشهر الفضيل بين الماضي والحاضر.

عندما تستعيد سموّ الأميرة نورة الفيصل ذكريات شهر رمضان في طفولتها، أكثر ما يتبادر إلى ذهنها هو الشعور بالمكان والأجواء المحيطة. حيث تقول: “قضيت سنواتي الأولى في الطائف ثم لاحقاً في جدة، وفي كلتا المدينتين، كان الشهر الفضيل يمرّ وسط دفء العائلة الكبيرة. أتذكّر كيف كان أقربائي وإخوتي يحيطون بي دائماً، نمضي اليوم معاً ونتشارك ذلك الترقّب الهادئ الذي يسبق موعد المغرب.” وتضيف واصفةً تلك اللحظات: “كانت الأيام تمرّ ببطء، ومع اقتراب وقت الإفطار، يخيّم على المنزل هدوء عميق. أطباق الطعام المألوفة، صوت القرآن الكريم، والهدوء الجماعي الذي يسبق الأذان؛ كلّ ذلك كان يمنح الشهر نسيجاً عاطفياً فريداً. وما أحمله معي في حياتي اليوم ليس الشكل الدقيق لتلك الطقوس، بل جوهرها وغايتها. أحاول الحفاظ على فكرة التجمّع والهدوء الداخلي الذي يمنحنا مساحة للتأمّل. فحتى عندما لا تسمح لنا الحياة بنفس الإيقاع أو النطاق السابق، أتمسّك بهذا الإيقاع كمرساة تبقيني ثابتة.”

مع ازدياد مشاغل الحياة، أصبحت تلك الدوائر الكبيرة أصغر بطبيعة الحال

في خلال طفولتها، كانت سموّ الأميرة نورة الفيصل تقضي الشهر الفضيل غالباً في بيت جدّيها، وكان التجمّع هو ما يميّز هذا الشهر. كانت الأبواب مشرّعة، والبيوت مستعدّة دوماً للاستقبال، وكان ثمة شعور عفوي بأنّ الجميع ينتمي للمكان. فقد كانت الضيافة تعبيراً طبيعياً عن الاهتمام، والكرم يُلمس من خلال تشارك الوقت والمكان. إنّما توضح صاحبة السموّ الملكي بالقول: “مع ازدياد مشاغل الحياة، أصبحت تلك الدوائر الكبيرة أصغر بطبيعة الحال. لم نعد قادرين على الاجتماع بنفس الطريقة السابقة، ومع ذلك، بقيت قيمة الانفتاح راسخة فينا. واليوم، أحاول التعبير عن الكرم من خلال التواجد، والاهتمام، وخلق مساحات يشعر فيها الناس بالترحيب، حتى وإن لم تعد الظروف تسمح بنفس الشكل من التجمّع.”

وهل هناك تقليد رمضاني لا يزال يمنحها شعوراً بالطمأنينة والاستقرار حتى يومنا هذا؟ توضح سموّ الأميرة لنا قائلة: “ثمة لحظة لا تزال محفورة في ذاكرتي بعمق، وهي لحظة الصلاة بعد كسر الصيام وقبل البدء بتناول الإفطار. كان والدي يؤدّي الصلاة، وفي السنوات اللاحقة تولّى أحد إخوتي مكانه. إنّ وقوفنا معاً في تلك الاستراحة قبل تناول الطعام كان يخلق شعوراً قوياً بالوحدة والتركيز. إنه تقليد أفتقده بشدة. وحتى الآن، عندما أتوقّف للحظة قبل الإفطار، غالباً ما أعود بذاكرتي إلى ذلك المشهد، وإلى ذلك الشعور بأن رمضان، في جوهره، هو سكون مشترك وتفانٍ جماعي.”

تتحوّل الصلاة والتأمّل إلى نقاط هيكلية في اليوم خلال هذا الشهر

ما هي التغيّرات الملموسة التي يضفيها شهر رمضان على حياتها اليومية – جسدياً، ذهنياً، روحياً، ومهنياً – وأي من هذه التغيّرات تتمنّى أن يمتدّ لما بعد الشهر المبارك؟ تؤكّد سموّ الأميرة نورة الفيصل قائلة: “خلال شهر رمضان، تتبدّل العلاقة مع الوقت؛ فجسدياً يتعلّم الجسم الانضباط، وذهنياً يصبح الإيقاع أكثر تروّياً. كما تستعيد الكثير من الأمور المستعجلة، التي تهيمن عادةً على الحياة اليومية، حجمها الطبيعي والواضح. وتتحوّل الصلاة والتأمّل إلى نقاط هيكلية في اليوم، ممّا يؤثّر على أسلوب عملي وطريقة تعاملي مع الآخرين. فتصبح القرارات مدروسة أكثر، ويُوجَّه الاهتمام بعناية أكبر. أمّا ما أتمنّى أن يمتدّ إلى ما بعد هذا الشهر، فهو هذا الوضوح في ترتيب الأولويات، والقدرة على إنجاز المسؤوليات بحضورٍ تامّ بدلاً من الوقوع تحت وطأة الضغط.”

كيف يعيد إيقاع رمضان اليوم صياغة عالمها الداخلي كامرأة قائدة ومصمّمة مجوهرات، خاصّة فيما يتعلّق بالإيمان والتوازن العاطفي والصحّة النفسية؟ تقول لنا سموّ الأميرة: “يعيد إيقاع رمضان صياغة حياتي الداخلية من خلال العودة إلى النظام والانتباه. فهو يخلق حالة من الاستقرار العاطفي وعلاقة أكثر وعياً بالوقت. وكمصمّمة، فإن هذا الهدوء الداخلي يعزّز الإدراك لديّ، إذ يعمل الانقطاع المنتظم لليوم من خلال الصلاة وانضباط الصيام، على تنقية الفائض وتوضيح ما يهم حقاً. ويصبح الإيمان، خلال هذه الفترة، مصدراً للاستقرار الذهني، فهو يصقل التركيز ويدعم الشعور بالتوازن الذي يمتدّ ليشمل كلاً من العمل الإبداعي واتخاذ القرارات اليومية”.

في نهاية حديثنا المشوّق، سألنا صاحبة السموّ الملكي الأميرة نورة الفيصل عن كيفية إعادة تعريف المرأة السعودية اليوم لشهر رمضان المبارك – سواء من خلال القيادة أو بناء المجتمع – مقارنة بالأجيال السابقة. تختتم بالقول: “في الأجيال السابقة، كانت روح رمضان تُحفظ إلى حد كبير داخل المنزل، حيث كانت النساء يحملنَ مسؤولية الحفاظ على إيقاعه وأجوائه وحسّ الاهتمام، وغالباً ما كان ذلك بعيداً عن الأنظار. أمّا اليوم، فتقوم المرأة السعودية بتوسيع نطاق تلك القيم ذاتها لتشمل أدواراً بارزة في الثقافة، والتعليم، والمبادرات المجتمعية، والحياة المهنية. إنّ قيم هذا الشهر – من عطاء، وكرم، وتأمّل – باتت اليوم تشكّل المؤسسات والمشاريع الجماعية. إنّ ما تغيّر حقاً هو حجم التأثير. فالأسس المتجذّرة في الحياة الخاصّة لا تزال قائمة، لكنّ انعكاسها امتدّ إلى المجال العام، حيث بات الاستقرار الروحي والقيادة يتعايشان جنباً إلى جنب”.

آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً