في خلال شهر رمضان المبارك، لا يتغيّر الروتين اليومي فحسب، بل تتبدّل علاقتنا بذواتنا. بين هدوء الصيام ودفء الإيمان، نعود لتأمّل إيقاع حياتنا، وتوازنها، ومساحتنا الروحية وسط مسؤولياتنا المتعددة. في هذا التحقيق، نلتقي غادة المهنا اباالخيل التي تشاركنا تجربتها والتقاليد التي تتّبعها على مدار هذا الشهر الفضيل، بين طقوس الطفولة التي شكّلت وعيها، ورمضان اليوم كما تعيشه بنضج مختلف، ووعي أعمق. ما هي التغييرات الملموسة التي يضفيها هذا الشهر على حياتها اليومية – جسدياً، وذهنياً، وروحياً، ومهنياً – وأيّ من هذه التغييرات تتمنّى لو يمتدّ أثرها لما بعده؟ بين العادات التي نشأت عليها وواقع المسؤوليات اليوم، يتحوّل هذا الشهر إلى مرآة تعكس التحوّلات العاطفية والروحية والمهنية التي تعيشها المرأة في منطقتنا، دون أن تفقد صلتها بجذورها.

Ghada AlMuhanna: “يغيّر شهر رمضان المبارك إيقاعي الداخليّ. تستمرّ الأيام كالمعتاد، لكنّ جسدي وعقلي يتحرّكان
بوتيرة مختلفة.”
التصوير: Sandra Chidiac
Courtesy of Ministry of Culture Saudi Arabia
الفستان من Abadia
هي مستشارة ثقافية وإعلامية رائدة, ذات خبرة كبيرة في تراث شبه الجزيرة العربية والأنثروبولوجيا البصرية. حيث تركّز غادة المهنا اباالخيل على التمثيلات الثقافية الأصيلة، وقد كان لها في هذا الإطار خبرات عديدة. في ما يلي، نسألها عن تقاليدها الرمضانية الخاصّة بين الماضي والحاضر!
“لم يقتصر رمضان في طفولتي على التجمّعات العائلية فحسب، بل كان يجسّد أيضاً شعوراً مشتركاً بالهدوء، وحتى الوحدة. وكان لهذا الهدوء طقوسه الخاصّة: إشعال البخور، قراءة القرآن الكريم، والجلوس والاستراحة والتباطؤ”، تخبرنا غادة المهنا اباالخيل، فيما تسترجع ذكريات طفولتها في الشهر الفضيل. قبل أن تضيف: “عندما انتقلت إلى ألمانيا، كان هذا هو الإرث الذي حملته معي، وبشكل خاصّ البخور. لقد أصبح خلق تلك الأجواء الرمضانية، أينما كنت، هو طريقتي للتمسّك بروح رمضان التي نشأت عليها.”
أحمل هذه الروح معي اليوم، ولكن بطرق أبسط
هل هناك تقليد رمضانيّ من طفولتها لا يزال يمنحها اليوم شعوراً بالراحة أو السكينة ؟ توضح قائلة: “قد يبدو الأمر بسيطاً، لكنّني أحبّ لحظة الاجتماع حول المائدة لتناول الإفطار، فهي لحظة تتّسم بالخصوصية. ورغم أنّ الطعام هو العنصر الأساسيّ، إلّا أنّ المتعة الحقيقية تكمن في كوننا محاطين بأشخاص يحبّوننا، ونتشارك جميعاً تلك اللحظة ذاتها.” في خلال طفولتها، كانت الضيافة في شهر رمضان تعني اجتماع العائلة بأكملها. تتذكّر غادة المهنا اباالخيل أياماً كان يجتمع فيها الأقارب للإفطار، والأولاد يركضون ويلعبون في كلّ مكان، ويملؤون المنزل صخباً وحياة. وتشدّد: “أشتاق كثيراً لتلك الأيام، وآمل أن أعيش تجربة مماثلة مرة أخرى، حتى وإن كانت بصورة مختلفة. كان الطعام أحد أجمل جوانب تلك اللقاءات. حيث كانت كلّ خالة تحضر طبقاً أعدّته بنفسها، وكأنهنّ يتنافسنَ مع بعضهنّ البعض. ليس تنافساً حقيقياً بالطبع، لكنّه كان يبدو كذلك. كانت المائدة دائماً عامرة، وكذلك كانت نفوسنا: طعام لذيذ، رفقة جيّدة، وشعور قويّ بالترابط. واليوم، أحمل هذه الروح معي ولكن بطرق أبسط. قد يختلف شكل الضيافة الآن، لكنّ النيّة لم تتغيّر.”

الشعور بالتناغم مع إيقاعي الخاصّ
ما هي التغييرات الملموسة التي يضفيها شهر رمضان على حياتها اليومية – جسدياً، ذهنياً، روحياً، ومهنياً – وأيّ من هذه التغييرات تتمنّى لو يمتدّ أثرها لما بعد الشهر الفضيل؟ تقول المستشارة الثقافية: “يغيّر رمضان إيقاعي الداخلي. ففي ألمانيا، يختلف الإيقاع العام. تستمرّ الأيام كالعادة، لكنّ جسدي وعقلي يتحركّان بوتيرة مختلفة. جسدياً، أميل إلى التمهّل، وذهنياً، أصبح أكثر انتقائية في كيفية استهلاك طاقتي. أما روحياً، فهناك مساحة أكبر للتأمّل الهادئ المدمج في تفاصيل يومي. ومهنياً، أعمل بمزيد من العزم. أمّا ما أتمنّى حقاً أن يستمرّ لما بعد رمضان، فهو ذلك الشعور بالتناغم مع إيقاعي الخاصّ، بدلاً من التكيّف المستمرّ مع إيقاع خارجي.”
حيث تؤكّد غادة المهنا اباالخيل أنّ الشهر الفضيل يغيّر طريقة تفاعلها مع ذاتها؛ فهو يخلق مساحة للتمهّل عاطفياً وذهنياً، ويمنحها فرصة لتفقّد توازنها الداخلي. وتشرح بالقول: “في هذا الشهر، يصبح الإيمان أكثر هدوءاً، لكنّه أكثر حضوراً، وهذا الهدوء ينعكس على طريقتي في التعامل مع العالم، بمزيد من الصبر والوضوح والعناية، سواء تجاه نفسي أو تجاه الآخرين.”

بالنسبة إليها، لا ترى غادة المهنا اباالخيل أنّ الأمر يتعلّق بإعادة تعريف شهر رمضان في عصرنا هذا، بقدر ما يتعلّق بعيشه بطريقة مختلفة. وتختتم حديثها قائلة: “تعيش النساء الخليجيات اليوم أساليب حياة ومسؤوليات وجغرافيات مختلفة، لذا فمن الطبيعي أن يتّخذ هذا الشهر أشكالاً جديدة. لكن ما لم يتغيّر هو التأكيد على قيم الترابط، والكرم، والنيّة؛ حتى وإن اختلف أسلوب التعبير عن هذه القيم عمّا كان عليه في الأجيال السابقة.”








